; نظرية الشعر عند الرسول (الحلقة الثالثة) | مجلة المجتمع

العنوان نظرية الشعر عند الرسول (الحلقة الثالثة)

الكاتب أحمد الجدع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1979

مشاهدات 175

نشر في العدد 438

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 27-مارس-1979

وقد شجع الرسول الشعراء، فأثنى عليهم، ومدح شعرهم، وأجازهم، ودعا لهم، وأغدق عليهم، أما الجوائز فقد أجاز كعب بن زهير بردته، فكانت له نعمة وبركة، وأجاز حسان كثيرًا، وكان أعظم ما أجازه به جارية هي أخت مارية القبطية التي ولدت لرسول الله ابنه إبراهيم. 

هذه الجوائز المادية، أما الجوائز المعنوية، فإن أعظمها ما ناله حسان على شعره، فعندما أنشد حسان النبي  قوله :

هجوت محمدًا فأجبت عنه         وعند الله في ذاك الجزاء

قال له رسول الله: «جزاؤك الجنة يا حسان»، وعندما وصل إلى قوله: 

فإن أبي ووالده وعرضي         لعرض محمد منكم وقاء

قال له -عليه السلام-: «وقاك الله حر النار»، فأي جائزة يمكن أن يحصل عليها شاعر على شعر قاله أعظم من الجنة؟!

وأي منزلة أجلها -عليه السلام- الشعر والشعراء عندما أجاز شاعرًا على شعره بالجنة؟! 

وقد كان الرسول يهتز للشعر الجيد، ويترجم هذا الاهتزاز بعبارات تفيض بالثناء والتقدير، فعندما أنشد النابغة الجعدي قوله:

ولا خير في حلم إذا لم يكن له     بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له     حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

أُعجب -عليه السلام- بهذه المعاني السامية، فدعا للشاعر قائلًا:«لا يفضض الله فاك»، وعندما أنشده عبد الله بن رواحة قوله :

إني تفرّست فيك الخير أعرفه                          فراسة خالفتهم في الذي نظروا

ولو سألت أو استنصرت بعضهم                    في حلّ أمرك ما ردّوا ولا نصروا

أقبل عليه مستبشرًا بوجهه وقال:«وإياك مثبت الله» ، وكان -عليه الصلاة والسلام- يثني على الشعراء، ويذكر لهم إحسانهم في الدفاع عن الدين وأهله، فعندما جلس كعب بن مالك إلى رسول الله قال له: «أترى الله نسي قولك» :

زعمت سخينة أن ستغلب         ربها وليغلبن مغالب الغلاب

«لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا»، وعن عائشة أن رسول الله  قال «حسان حجاز بين المؤمنين والمنافقين، لا يحبه منافق ولا يبغضه مؤمن»، وأي مدح يفوق هذا المدح؟ وأي ثناء يداني هذا الثناء؟
كعب بن مالك لم ينس له ربه أن دافع عن الدين، وما كان ربك نسيًا، فأي مكافأة يدخرها لكعب بن مالك!

وحسان بن ثابت لا يحبه منافق ولا يبغضه مؤمن، ويالها من منزلة احتل بها شاعر قلوب المؤمنين !

هذا عرض لمواقف الرسول إزاء الشعر والشعراء، ومنه نخرج بنظرية للشعر أرسى قواعدها رسولنا الكريم بتوجيهاته للشعراء، وبنقده للشعر ذاته.

فأول قواعد هذه النظرية: الالتزام، فالشاعر المسلم ملتزم بمفاهيم الإسلام العامة، لا يجوز له أن يتجاوزها، ذلك لأن شعره يجب أن يكون وقفًا على هذه المبادئ يدعو لها وينافح عنها.

والقاعدة الثانية: هي الاعتراف بما للشعر من تأثير على القلوب، وما للشعراء من دور كبير في الحياة، لذا فإن الرسول قد أولى الشعراء اهتمامه، وعزز من مكانتهم، وأجازهم، ودعاهم للذب عن الدين بشعرهم، كما يذب عامة المسلمون عنه بأسلحتهم.

والقاعدة الثالثة: أن الشعر الذي ينتجه غير المسلمين، إنما هو كلام مثل كل كلام، حسن منه ما وافق الحق فهو مقبول، وباطل منه ما دعا إلى الباطل فهو مردود ومرفوض.

والقاعدة الرابعة: أن النقد الذي يوجه للشعر والشعراء يجب أن يسلك طريق الحق أولًا، فلا يشتط ناقد لسبب خارج عن محيط النص المنقود، ويجب أن لا يشتد هذا النقد فيلجأ إلى الألفاظ القاسية والعبارات النارية،  بل يجب أن يتلطف الناقد في نقده ليجد آذانًا صاغية، فيحقق النقد الهدف منه، وليس النقد متوجهًا بالضرورة إلى إبراز المعايب، بل من واجبه قبل ذلك الإشادة بالمحاسن، فيثني على ما حسن من الشعر وعلى من أحسن من الشعراء، وقد مرت بنا نصوص كان الرسول  فيها ناقدًا فذًّا متناولًا طرفي النقد، مركزًا في معظم الأحيان على الجوانب المشرقة للشعر وعلى المواقف الإيجابية للشعراء .

قصيدة شعرية للشاعر الإسلامي عبد الله عيسى السلامة
ليلتي يا ابنة الشتاء الحزين
                  ضاع رحلي فسافري وذريني
سافري سافري بعيدًا بعيدًا
                        واتركيني لحيرتي وشجوني
سافري سافري إلى حيث تفني
                    لفحة الرعب في جليد السكون
ودعيني، فما أطيق براحًا
                           إن سجني مكبل بالعيون 
أنا يا أخت أكره الحقد يعوي
                         في جراح المعذب المسكين
أنا يا أخت أمقت السوط يزجي
                            من جسوم العباد مر اللحون
أكره الحقد، أمقت السوط، لكن
                                 أي زاد سواهما للسجين
أي لحن سواهما لأبي
                             قيده في الدجى شجي الرنين
سافري ليلتي، وجوبي ربا الكون
                                      رويدًا، وبلغيه حنيني 
إن في الكون ألف سر وسر
                        فاسبري منه كل غور دفين
وامتطي صهوة الرياح وحطي
                         حيث تزهو مطامحي واذكريني
إنني صامد أبي قوي
                                  مستجير بسيد يحميني
سید تجار العباد إليه
                   حين يغش الظلام درب السفين 
وارفعي في ذرا الجبال ندائي
                           وانشريه للناس في كل حين
أيها الهائمون في ظلمات الـ
                      جهل والفسق والهوى والجنون 
أيها القابعون في ظلمات الـ 
                            رحم من كل مضغة أو جنين
أيها السابحون في فلوات الـ 
                  غيب لا ترتقي لا ترتقي إليهم ظنوني
بادروا واسمعوا نداء حميم 
                       قابع في مجاهل الـ «اعذروني»
أنصتوا واسمعوا نداءً ودودًا
                          مرهق اللحن من بخار الأنين
إن نور الإله يا إخوة الطين 
                            بهي يهز كل الجفون 
إن صوت الإسلام يا إخوة الفكر
                              ندي كنفحة الياسمين

الرابط المختصر :