العنوان نظرة من واقع الحياة السياسية في مصر «1»
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
مشاهدات 76
نشر في العدد 743
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 26-نوفمبر-1985
القاهرة: من مراسل المجتمع
*الحزب الوطني لا يتمتع بشعبية كبيرة، وهو يستغل إمكاناته السياسية والإعلامية للضغط على التجمعات لتأييده.
عندما قامت حركة الضباط الأحرار بانقلاب 1952، أصدرت قانونًا تم بمقتضاه حل جميع الأحزاب السياسية في البلاد وعلى رأسها حزب الوفد -أقوى الأحزاب وقتها- وأتبعت ذلك بحل جماعة الإخوان المسلمين على اعتبار أنها حزب سياسي، بدعوى صهر الأمة جميعها في بوتقة واحدة تنطلق من خلالها لتحقيق آمالها وطموحاتها، وكان الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي، فيما عرف بأسلوب الحزب الواحد، والذي اعترفت القيادة السياسية بعد ذلك بأنه كان «صنمًا».. وبعد أكثر من عشرين عامًا تم السماح ببدء مزاولة النشاط السياسي عن طريق أحزاب رسمية، وتم إنشاء ثلاثة أحزاب بقرار من رئيس الدولة، كانت تمثل اليمين والوسط واليسار.. وبعد أكثر من ثماني سنوات على عودة التجربة.. ماذا نرى على الساحة السياسية في مصر من أطروحات حزبية وما هي القوى التي تتحرك في الشارع السياسي؟ وما مدى تأثيرها الجماهيري؟ وتأثيرها كذلك على المستوى الرسمي...؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.. رائدنا فيه أمانة العرض وموضوعية النقد.. والله الموفق.
والحديث عن الحركة السياسية في مصر، يتفرع من نقطتين.. الأولى: على النطاق الرسمي وهذا الجانب يشمل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، والثانية: على النطاق الشعبي، وتشمل المواقف السياسية والتأثير غير المباشر.. وذلك لأن الحركة السياسية تحكمها عدة اعتبارات منها أن حرية تكوين الأحزاب السياسية تخضع لقيود شديدة تفرضها لجنة الأحزاب السياسية، وغالبية أعضائها –بحكم مناصبهم- هم من قيادات حزب الحكومة، مما يعرقل السماح بإنشاء أحزاب جديدة، وكذلك تخضع حرية إصدار الصحف لإجراءات روتينية معقدة.. من هنا يأتي دور العمل السياسي على المستوى الشعبي.
وفي مصر الآن ستة أحزاب، هي: الحزب الوطني الديمقراطي –الحزب الحاكم- ثم أحزاب المعارضة الخمسة وهي، حزب الوفد الجديد وحزب العمل الاشتراكي وحزب التجمع الوحدوي وحزب الأحرار الاشتراكيين ثم حزب الأمة.. أما القوى الشعبية، فتأتي جماعة الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي على رأسها، ثم من يسمون أنفسهم «ناصريون» وبعض أفراد ينتمون إلى الشيوعية.
الحزب الوطني الديمقراطي حزب الحكومة
الحزب الوطني الديموقراطي، هو الحزب الحاكم، ويرأسه رئيس الدولة حسني مبارك. وقد فاز الحزب في انتخابات مجلس الشعب «البرلمان» والتي أجريت في مايو 1984 بنسبة 72% واتهمت أحزاب المعارضة، الحكومة بتزوير الانتخابات، وطبقًا لنظام الانتخاب بالقائمة النسبية، والذي فصل تفصيلًا لصالح حزب الحكومة، فقد فاز الحزب الوطني بنحو 83% من مقاعد البرلمان البالغ عددها 448 مقعدًا. ولأنه حزب الحكومة، فإنه يملك ويسيطر على وسائل مختلفة لتحقيق أهدافه، فمثلًا بالرغم من الزعم بقومية الصحف، إلا أن تأثير الحزب عليها وإشرافه وسيطرته على تحريرها عن طريق تعيين رؤساء التحرير، يلغي مبدأ «القومية» وكذلك الحال، بل أكثر وضوحًا في الإذاعة والتليفزيون ومختلف الأجهزة الإعلامية، والسياسية، بالإضافة إلى الأغلبية الكاسحة في البرلمان، والحزب يصدر صحيفة أسبوعية باسم «مايو» وكذلك «شباب بلادي» وهي صحف تعاني بشدة من ضعف التوزيع، فالأرقام المعلنة عن الصحيفة الأخيرة لا تتجاوز الألف نسخة.. وهي تعتبر أقل الصحف انتشارًا بين الصحف الحزبية..
ويشكل الحزب الوطني أضخم كيان تنظيمي حزبي في مصر عن طريق استقطاب جميع الشخصيات التي تتواجد في القرى والمدن في المحافظات، والشخصيات التي تتمتع بنفوذ واسع داخل محيطهم، سواء عن طريق انتخابهم في هيئات الحزب أو ترشيحهم لبعض المناصب الرسمية في الدولة.. ورغم ذلك فقد أصيب الحزب بعدة انتكاسات نتيجة ظهور طائفة من المرتشين وتجار المخدرات والمتهربين من الضرائب من ذوي المناصب الحساسة في الحزب، أمثال رشاد عثمان والذي كان عضوًا في مجلس الشعب عن الحزب الوطني وأمينًا للحزب بالإسكندرية، ثم حوكم وفرضت الحراسة على أمواله، وكذلك عصمت السادات وتوفيق عبد الحي وغيرهم من رموز الفساد.
تأثير واضح على القرار
والحزب الوطني لا يتمتع بشعبية كبيرة، وفي القرى ينضم غالبية أعيانها إلى الحزب، وهذا يظهر أكثر في الانتخابات، وذلك لأهداف مصلحية أكثر منها أيديولوجية، فليست هناك -لدى رجل الشارع العادي- فروقًا واضحة بين الحزب الوطني وغيره من الأحزاب، إلا أنه حزب السلطة. ويستغل الحزب إمكاناته السياسية والإعلامية للضغط على التجمعات لتأييده وملء استمارات الانضمام إليه..
أما عن تأثير الحزب على القرار السياسي في البلد، فيمكن القول بأن هذا يتم بصورة واضحة، ولكن لا تشارك قواعد الحزب، ولا حتى أغلب كوادره في صنع القرار، ولكنه يصنع في القيادة السياسية.. وأهم أسباب تأثير الحزب الوطني في صنع القرار السياسي، ضعف مؤسسة الرئاسة الظاهرة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
أما عن مستقبل الحزب الوطني، فمن الواضح أنه لن يتخلى بسهولة عن مكانه في الحكومة، وهو يسعى جاهدًا إلى التضييق على الاتجاهات المعارضة؛ سواء عن طريق القوانين أو عن طريق أجهزة الأمن، وهو لا يرضى كذلك أن تقل نسبة أعضائه في البرلمان عن العدد الحالي (83%) ولن يتخلى عن الحكم بسهولة.. إلا أنه إذا ترك الحزب الوطني رئاسة الحكومة، لسبب من الأسباب، فسوف تصاب أجهزته بالشلل وربما يصبح أضعف حزب سياسي في مصر..
الأحزاب المعارضة
1- حزب الوفد الجديد
عاد حزب الوفد الجديد إلى ساحة العمل السياسي بعد أن جمد نفسه في عام 78 في فترة حكم الرئيس السادات، وصاحب عودته ضجة إعلامية ضخمة، باعتباره حزبًا لم ينشأ في أحضان السلطة، ولكنه عاد بحكم القضاء، وقد كان رئيسه الأستاذ فؤاد سراج الدين ممنوعًا من العمل السياسي؛ طبقًا لقرار العزل السياسي للشخصيات التي اتهمت بإفساد الحياة السياسية قبل الثورة، وكان فؤاد سراج الدين قبل الثورة سكرتيرًا لحزب الوفد ووزيرًا للداخلية. وكانت عودة الحزب للساحة السياسية قبيل انتخابات 1984 بحوالي ستة أشهر فقط، وقد لقى الحزب تعاطفًا شعبيًا، وتنبأ له البعض بالفوز في الانتخابات بنسبة كبيرة، وتحالف الحزب مع جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات واستطاع الفوز بـ 58 مقعدًا من مقاعد البرلمان منها 9 مقاعد للإخوان المسلمين، وقد أفاد الحزب من تحالفه مع جماعة الإخوان ذات التأثير الشعبي المعروف حتى أن حزب الحكومة، خصص صحيفة، والتي كانت تصدر يوميًا في فترة الانتخابات، لمهاجمة هذا التحالف بضراوة.. والذي لا يمكن إنكاره أنه لولا هذا التحالف، لما حصل الحزب على نسبة 8% التي تلزم لتمثيله في البرلمان، ويملك حزب الوفد صحيفة أسبوعية باسم «الوفد»، وهي تعد أوسع الصحف الحزبية انتشارًا؛ حيث يصل توزيعها إلى نحو نصف مليون نسخة كل أسبوع.. وحزب الوفد الجديد وهو زعيم المعارضة البرلمانية إلا أنه يتبنى سياسة هادئة، تصل إلى حد «التعاون» مع الحكومة.
وأبرز مثال على ذلك موقف الحزب المؤيد للحكومة في القضية التي شغلت بال جماهير الشعب؛ وهي قضية تطبيق الشريعة الإسلامية.. وهذه المواقف تفقد الحزب التأثير في الرأي العام، وكسب أنصار جدد، وتتوسع صحيفة الحزب في الانتقادات الإدارية بعيدًا عن مؤسسات الدولة ومؤسسة الرئاسة، ويحظى رئيس الحزب بتقدير خاص لدى رئيس الدولة، مما يؤثر كثيرًا على مواقف الحزب من مختلف القضايا.. والهيكل التنظيمي للحزب ما زال ضعيفًا، وهو حزب بلا شباب؛ حيث إن أغلب من ينتمون إليه هم طبقة معينة، شهدت الوفد قبل حله أيام حركة الجيش في 52، وهي نوعيات جاوزت في الأغلب سن الإحالة إلى المعاش.. ولا يتمتع الحزب –وهو حزب يميني يؤمن بالحلول الرأسمالية، ويستند إلى أفكار سعد زغلول ومصطفى النحاس زعيمي الحزب السابقين –لا يتمتع الحزب بتواجد يذكر في أوساط الجماهير، ورغم أنه كان الأمل في فترة من الفترات، إلا أن مواقفه الأخيرة من الحكومة والقضايا الداخلية، نحته عن هذه المكانة.. ولو حدثت انتخابات جديدة في نفس ظروف الوفد حاليًا فربما يخسر بعض الأصوات التي أعطته فيما مضى.. والقرار السياسي في حزب الوفد، هو قرار من أعلى وبالتحديد من رئيس الحزب نفسه. والدليل على ذلك موقف رئيس الحزب من جميع الهيئة البرلمانية، عندما استنكر صنيعهم برفض دعوة الرئيس مبارك لهم لحفل شاي بمناسبة انتهاء الدورة البرلمانية السابقة، احتجاجًا على موقف د. رفعت المحجوب رئيس المجلس.
وفؤاد سراج الدين يمثل فترة تاريخية سابقة، إلا أنه لا يملك مؤهلات القدرة على جذب الجماهير في الوقت الحالي أو التأثير فيهم.. وتعتبر صحيفة الحزب أهم نشاط للحزب حاليًا.. وليست هناك دلائل جدية على تأثير حزب الوفد في القرار السياسي للبلاد، بسبب ضعفه حاليًا، وطريقة الحكم التي تفسر دائمًا، الاستجابة لطلبات المعارضة على أنها ضعف من جانب النظام الحاكم.
2- حزب العمل الاشتراكي
حزب العمل الاشتراكي هو أحد الأحزاب الثلاثة التي نشأت بقرار من الرئيس السابق أنور السادات، ويرأسه المهندس الزراعي إبراهيم شكري، وهو سياسي مخضرم كان عضوًا بارزًا بحزب مصر الفتاة في الأربعينيات، واشترك في الحكم في زمن السادات، وصاحب مشروع قانون الإصلاح الزراعي، وحزب العمل يحصل من الحكومة على مبلغ 7 آلاف جنيه شهريًّا كدعم، باعتباره من «ورثة» الاتحاد الاشتراكي. ويشاركه في أخذ مثل هذا المبلغ شهريًّا حزبا التجمع والأحرار. وللحزب صحيفة أسبوعية باسم «الشعب» وشعاره «الله – الشعب» وللحزب اتجاه إسلامي، ولكنه يغلب عليه طابع الاشتراكية الناصرية، وللحزب بعض الكوادر العاملة في مختلف محافظات الجمهورية الـ 26، إلا أنه فشل في الحصول على نسبة الـ 8% في الانتخابات، والتي يشترط أن يصل إليها الحزب ليتم تمثيله في مجلس الشعب، وحصل على 7,5% إلا أنه قد تم تعيين 4 من قيادات الحزب على رأسهم رئيس الحزب نفسه كأعضاء في المجلس، مما أثار جدلًا عنيفًا داخل الحزب حول إمكانية قبول هذا التعيين.
وقد ظل المهندس إبراهيم شكري رئيس الحزب، زعيمًا للمعارضة البرلمانية لفترة طويلة، وللحزب مواقف مشرفة، كان لها الأثر الجماهيري الجيد، أبرزها موقفه من تسويف الحكومة في موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية، وقد شن الحزب حملة ضد الحكومة لتجاهلها الرغبة الجماهيرية الخاصة بتطبيق الشريعة، وكان الحزب الوحيد الذي تناول هذا الموضع بإلحاح، ودعا إلى وضع خطة زمنية محددة لتطبيق الشريعة، مما أكسبه تعاطفًا جماهيريًا.. وموقف الحزب على المستوى الجماهيري في تحسن، وبخاصة أنه من الناحية الفعلية يحمل لواء المعارضة. وينظم الحزب ندوة أسبوعية يعلن فيها رأيه في كافة القضايا التي تمر بها البلاد ويساعد التنظيمات الأخرى على إعلان رأيها من خلاله، كاتحادات الطلاب الجامعية مثلًا..
والحزب يملك إمكانات بشرية جيدة، وله انتشار واسع، إلا أن صفوفه ينقصها التنظيم أكثر ووضوح البرامج والأهداف، والتركيز على الطاقات الشبابية وتدعيم صحيفته، أما من ناحية التأثير على القرار الساسي، فهو ضعيف كذلك، بسبب قلة عدد ممثليه في البرلمان، وكذلك ضعف الجهاز الإعلامي النسبي له بالنسبة للحكومة وأجهزتها الدعائية المكثفة.
3- حزب الأحرار الاشتراكيين
مصطفى كامل مراد، هو رئيس حزب الأحرار، وهو أحد ضباط حركة الجيش التي قامت بانقلاب 1952، وهذه المؤهلات كانت كفيلة بالارتقاء بصاحبها لأرقى درجات المسؤولية في البلاد، ولذلك فقد ظل رئيسًا لهيئة القطن والشركة الشرقية للأقطان مدة 24 سنة، حتى صدر قرار وزير الاقتصاد مؤخرًا بحل مجلس إدارة الشركة، وتعيين مجلس إدارة مؤقت، بعد الخسائر الفادحة التي لحقت بالشركة وبالاقتصاد القومي، ويمارس رئيس حزب الأحرار حاليًا ضغوطًا شديدة، لعدم تقديمه كمتهم للمدعي الاشتراكي أو للنيابة العامة بتهمة الإفساد.
وأهم أعمال الحزب، هي إصدار صحيفة أسبوعية بعنوان «الأحرار» ويحصل الحزب على 7 آلاف جنيه شهريًا كدعم من الحكومة، وليس له كيان تنظيمي يذكر، فالاستقالات وتوزيع المناصب وتعديل الهيئة العليا، من الأمور المعتادة في الحزب، وقد خاص الحزب -وهو ينتمي إلى اليمين الرأسمالي- انتخابات مايو 84، ودخل أغلب دوائر المحافظات إلا أنه لم يستطع أن يحصل على نسبة 1% على مستوى الجمهورية. وسقط رئيس الحزب نفسه في دائرته الانتخابية أمام أحد مرشحي الإخوان المسلمين على قوائم الوفد.
وحزب الأحرار يصفق دائمًا لكل ما تقوله الرئاسة، ودائمًا يصدر بيانات يعبر فيها عن تأييد الحزب للرئيس مبارك والخطوات المباركة التي اتخذها في كذا وكذا.. ويمكن القول بأن الحزب سينهار إذا تم التحقيق مع رئيسه بتهمة الإفساد السياسي، والحزب ليس له أدنى تأثير في الحياة العامة أو القرار السياسي، وللحزب مواقف كثيرة تؤيد فيها الحكومة ضد بقية أحزاب المعارضة، ويعرف عن أعضاء الحزب البارزين أنهم على صلات بأجهزة وزارة الداخلية.. وقد شن رئيس الحزب حملة مكثفة ضد وزير الاقتصاد عقب صدور قراره بحل مجلس إدارة الشركة الشرقية للأقطان والتي يرأس مجلس إدارتها.
وفي الأسبوع القادم سنقدم إن شاء الله للقارئ:
حزب الأمة فاكهة السياسة في مصر
الإخوان والساحة السياسية