جاء تمديد الرئاسة اللبنانية لإميل لحود -بعد تعديل الدستور -على غير رغبة من المعارضة التي رأت فيه تثبيتا للوجود السوري في لبنان وإبقاء للحال على ما هو عليه. من جانب آخر ألقى الرئيس الراحل رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق بثقله في تلك الفترة وراء المعارضة التي تحركت بنشاط وهمة للإتيان برئيس جديد خلفا لإميل لحود، يكون من أبرز مهامه العمل على إخراج القوات السورية من لبنان، وهو أمر لم تكن ترتاح إليه سورية بطبيعة الحال. وفي هذا الجو المشحون تم اغتيال رفيق الحريري هو ورفاقه بطريقة أجمع المحللون والخبراء على أنها تضمنت تقنيةكبيرة وتخطيطًا علي مستوى عال من الإتقان الأمر الذي يؤكد ضلوع دول كبيرة ذات خبرة ودرية خاصة في هذا المجال، ولها بالطبع مصلحة في زعزعة الاستقرار. وزرع بذور الفتنة وتهيئة الأجواء لوضع الحيل حول عنق النظام في سورية، الذي يقف حجر عثرة أمام المشروع الصهيو أمريكي، إذ سرعان ما قامت الإدارة الأمريكية بسحب سفيرتها في دمشق لتوحي للجميع بأن ثمة ارتباطًا بين سورية وارتكاب هذه الجريمة النكراء... وارتفعت حدة المعارضة التي استطاعت أن تقود الشارع اللبناني إلى تظاهرات مستمرة وحاشدة تطالب بالتحقيق في مقتل الحريري، والإصرار على ضرورة أن تقوم بذلك لجنة دولية. وبلغت التظاهرات ذروتها فاستقالت حكومة عمر كرامي.
خروج القوات السورية
وصعدت المعارضة من مطالبها التي تمثلت في خروج القوات السورية من لبنان، وإقالة قيادات الأجهزة الأمنية وضرورة أن ترفع المخابرات السورية يدها عن كافة المؤسسات اللبنانية.. وتفاديا لمزيد من الضغوط والخروج من الأزمة التي تريد الإدارة الأمريكية دفع سورية إليها أعلن الرئيس بشار الأسد عن موافقة سورية على خروج القوات من لبنان إلى سهل البقاع ثم إلى سورية. لكن بوش ورجاله أكدوا في تصريحات واضحة ومحددة أن هذا لا يكفي، وأنه لابد من الخروج الفوري دون مماطلة، ومع تصاعد حدة التهديدات بات واضحًا أن ثمة مخططًا يسعى إلى فك الارتباط بين سورية وإيران وحزب الله والتعامل مع كل طرف على حدة. فالكيان الصهيوني يحاول دفع الإدارة الأمريكية إلى التحرش بإيران بخصوص مشروعها النووي، وفي حالة عدم التصرف سوف يقوم الكيان الصهيوني نفسه بتوجيه ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية!! من ناحية ثانية يضغط الكيان الصهيوني في اتجاه نزع سلاح حزب الله ورفع دعم سورية عنه حتى يأمن جانبه. ومن ناحية ثالثة أصبحت الإدارة الأمريكية تعاني من مأزق داخل العراق، وبخاصة من المقاومة المدعومة -في تصورها - من سورية... ومن ثم جاء التفكير في اغتيال الحريري كحدث يمكن من خلاله ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. وقد كتب روبرت فيسك -أحد المحللين السياسيين البريطانيين. يتندر بموقف بوش الذي طالب بضرورة خروج ١٤ ألفا من قوات الاحتلال السورية من لبنان حتى تستطيع الأخيرة إجراء الانتخابات النيابية في مايو ۲۰۰٥، وتناسى أو تغافل بوش عن إصراره على إجراء انتخابات العراق في ظل الاحتلال ووجود أكثر من مائة وخمسين ألف جندي أمريكي !! الآن.. المعارضة بتجولها ومحاولتها عرض قضاياها على دول أوروبا وضعت نفسها في مأزق. حيث تطالب الأخيرة بضرورة تطبيق قرار مجلس الأمن ١٥٥٩ والذي ترفضه أغلبية الشعب اللبناني والقاضي، ليس بخروج القوات السورية من لبنان فحسب، ولكن أيضا بنزع سلاح كل من حزب الله والفلسطينيين في لبنان.. وليس بخاف على أحد الدور الذي قام به حزب الله - ولا يزال. كدرع واق للبنان في مواجهة الآلة العسكرية الباطشة للكيان الصهيوني، الذي تشير إليه أصابع الاتهام في اغتيال الحريري.. نعم أعلنت المعارضة أنها ليست مع نزع سلاح حزب الله، وليست مع توطين الفلسطينيين، لكن العجلة دارت وانتهزت الإدارة الأمريكية الفرصة وقامت بتوظيفها لتحقيق ما كانت تصبو إليه. ولا شك أن التظاهرة المليونية التي قادها الشيخ حسن نصر الله -أمين عام حزب الله - وفي هذا التوقيت بالذات قد هدأت ولو قليلًا من حدة الضغوط على سورية من قبل الإدارة الأشريكية التي كانت تأمل أن يظل زخم المعارضة في أوجه حتى تستطيع أن تجني الثمرة كاملة.. لقد آثار الأمين العام عدة نقاط على درجة كبيرة من الأهمية يأتي على رأسها: تشكيل لجنة وطنية للحوار بين كافة القوى السياسية تمثل جميع اللبنانيين وذلك على أساس اتفاقية الطائف، رفض قرار مجلس الأمن ١٥٥٩ التأكيد على رفض التدخل الأجنبي، حسن العلاقة مع سورية. الآن تسعى الإدارة الأمريكية إلي خلخلة النظام السوري، وهو ما يوجب على سورية أن تقوم بالآتي :سرعة عقد مصالحة بين النظام وبين الشعب بكل فصائله وطوائفه، إطلاق الحريات العامة الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين إنهاء حالة الطوارئ، إلغاء كافة القوانين الاستثنائية المقيدة للحريات.
الحلقة تضيق
إن الحلقة الآن تضيق على سورية ولم يعد لها فرصة للحركة على أي مستوى، فالوضع العربي في حالة سيئة، والوضع الإسلامي أشد سوءا، والوضع الدولي لم يعد يرجي من ورائه خير، والرسالة بطبيعة الحال ليست موجهة لسورية وحدها، وإنما الدول المنطقة كلها، وعلى رأسها مصر والسعودية. مطلوب من القوى السياسية اللبنانية أن تتبين مواطئ أقدامها، وأن تنتبه لما يحاك ضدها وأن تحذر ممن يتربص بها، وأن تواصل حواراتها مع بعضها بقدر كبير من العقل والحكمة والجدية والحرص على وحدة لبنان وأمنه وسلامته واستقراره، وعدم الانزلاق إلى هاوية «الانشقاق أو الاستقطاب» بين موال إن وجود حكومة وطنية انتقالية يمثل خطوة مهمة في هذا الصدد بحيث تعمل على تهيئة السورية ومعارض لها ....الأجواء لإعادة صياغة العلاقة مع سورية على قواعد متينة بما يحفظ سيادة وأمن لبنان، وبما لا يؤدي إلى تدخل أية قوى دولية من ناحية، وبما يعد الإجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة في مايو المقبل من ناحية أخري .