العنوان نظرة سريعة في الخدمة الصحية في الكويت
الكاتب د. عادل الزايد
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
مشاهدات 55
نشر في العدد 1030
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 22-ديسمبر-1992
إن الحديث عن القضايا التعليمية والإسكانية يطغى على أحاديث مجالسنا اليومية في هذه الأيام، ولكن من الواجب ألا تغيب عن ذهن المسؤولين في هذا البلد القضية الصحية.
فبدون أي مبالغة، الوضع الصحي في
الكويت يسير في الاتجاه الخاطئ، هذا إذا كان له أصلًا اتجاه يسير فيه؛ لأن الواضح
للمراقب للأوضاع الصحية في الكويت أن الأمور في هذا الشأن تنفذ وسط غياب لأي نوع
من أنواع السياسة أو الدراسة أو التخطيط.
وخلال هذا التحقيق الذي أجريناه في
مجلة «المجتمع» حاولنا تسليط الضوء على بعض الأخطاء الموجودة في جسد هذه الخدمة
الشعبية؛ من أجل تنبيه المسؤولين إلى خطورة الوضع، لا من أجل تحقيق هدف أو مصلحة
ذاتية، وهذا التحقيق أجري من خلال عينة من مستشفيات الكويت.
أ- الوضع الخاص ببعض المستشفيات
1- مستشفى الصباح:
مبان قديمة ومتداعية لم تعد تصلح
لتكون مكانًا يقدم الخدمات العلاجية، وشكل المستشفى الداخلي يوحي بعدم النظافة
والتنظيم، وأكبر دليل على ذلك هو إغلاق غرفة العمليات في هذا المستشفى للمرة
الثانية على التوالي؛ بسبب ترشيح يحدث في جدران غرفة العمليات، مما أربك قسم الأنف
والأذن والحنجرة إرباكًا شديدًا وجعلهم يتوزعون على ثلاثة مستشفيات في أول الأمر،
حيث كانت عمليات الرجال في مستشفى ابن سينا، والنساء في الفروانية، ودخول الطوارئ
في الصباح، ثم تم دمج العمل بين الفروانية والصباح، فالعمليات في الفروانية
والعيادات في الصباح.
ويفتقر أطباء المستشفى إلى غرف
يستطيعون أن يجلسوا فيها بعد الانتهاء من المرور؛ حتى تستطيع الممرضة طلب الدكتور
المعالج في أسرع وقت.
2- مستشفى مبارك:
أكبر ملاحظة يلاحظها كل من يرقب أي
دكتور في مستشفى مبارك هو النقص الشديد في الأدوات المكتبية، فالمستشفى ظل ولفترة
طويلة يعاني من نقص في الأظرف الخاصة بالأشعة، كما أن هناك نقصًا في الأظرف الخاصة
بكتابة الوصفات الطبية، ونقصًا في أظرف المراسلات؛ بما يشعر المريض والطبيب بعدم
اكتراث من قبل الإداريين. ويزيد هذا الشعور بلا شك من إحساس معظم المرضى بعدم
الثقة في الخدمات الصحية المقدمة من قبل المستشفيات الحكومية.
3- مستشفى الأمراض النفسية (الطب النفسي):
يمكن تلخيص الوضع في هذا المستشفى
بكلمة واحدة: «إهمال»؛ نعم فالمباني عمرها أكثر من 30 سنة، ومعظم دورات المياه
معطلة، والأجنحة قمة في الاتساخ وعدم التنظيم.. الروائح الكريهة تنتظرك عند الباب
الخارجي لكل جناح، مع عدم وجود أمان كاف للممرضين والممرضات. أسلوب التهدئة المتبع
مع المرضى هو المكافأة بالسجائر أو المعاقبة بالحرمان منها، حيث يتم ذلك عن طريق
الهيئة التمريضية بالجناح.. الغرفة العمومية عبارة عن غرفة مساحتها حوالي 10×4م2
تحوي أكثر من 20 سريرًا في هذه الغرفة الواحدة.. التهوية في الأجنحة تكاد تكون
معدومة، والترتيب في العيادات الخارجية مفقود؛ مما يثير أعصاب الطبيب المعالِج قبل
أعصاب المريض المعالَج.
ب- الوضع العام في الخدمات الصحية:
بعد أن تطرقنا للأوضاع الخاصة لبعض
المستشفيات، نأتي الآن للحديث حول النقص الذي تواجهه المستشفيات بشكل عام.
1- الأمر الذي لا اختلاف فيه، هو أن
مستشفياتنا في الكويت تعاني نقصًا شديدًا في الكادر الطبي؛ مما دعا بعض المستشفيات
أن تكون خفارة بعض الأطباء يومًا بعد يوم، أي إنه في كل يومين عمل يأخذ الطبيب نصف
يوم راحة؛ أي إن الطبيب يداوم صباح يوم السبت مثلًا ويبقى في مقر عمله حتى الساعة
2:30 من بعد ظهر الأحد، ليعود إلى المستشفى صباح الإثنين ويستمر حتى صباح الثلاثاء
وهكذا، وهذا أمر يفوق قدرة الطبيب على أية حال (مستشفى مبارك).
وهذا النقص في الكادر الطبي الذي
تواجهه مستشفياتنا لا تواكبه تعيينات في الجانب الآخر؛ لأن العرض المادي الذي
تعرضه الوزارة لا يوازي العروض الأخرى التي تقدمها دول الخليج المجاورة. هذا بجانب
فقدان الطبيب للشعور بالحماية المطلوبة من قبل الوزارة؛ فالطبيب متهم مدان من قبل
المريض والوزارة دائمًا وعلى كل حال. وكذلك يفتقد الطبيب للحماية الأمنية داخل
المستشفى وخصوصا في قسم الحوادث؛ مما أدى إلى تعرض بعض الأطباء للإساءة بالألفاظ
والوعيد مرات عديدة!
2- الخدمات الفندقية:
وهي تمثل قمة الإهمال؛ فعلى الرغم من
مرور أكثر من عام ونصف العام على التحرير، فإن البياضات المستخدمة على كثير من
الأسرة مازالت تحمل أسماء مستشفيات أخرى، مثل: مستشفى الوصل، ومستشفى دبي، ومستشفى
الشارقة، ومستشفى العين، ومستشفى راشد. فبعد عام ونصف مازالت مستشفياتنا تستخدم
البياضات التي أرسلت لنا بعد التحرير على صورة معونة! ناهيك عن توفر الحشرات
وبكميات كبيرة في أجنحة المستشفيات ودورات المياه، وسكن أطباء الخفر، ولا نريد أن
نتحدث هنا عن سوء معاملة جثمان المتوفى من المرضى داخل المستشفيات.
3- النواحي الإدارية:
أولًا: تعاني المستشفيات من سوء
اتصال واضح بين الوزارة وإداراتها، وسوء اتصال بين الهيئة التمريضية وإدارة
المستشفى!
ثانيًا: تعاني المستشفيات من سوء
تنظيم واضح في العيادات الخارجية، وعيادات الحوادث تمر بحالة من الهرج والمرج،
وخصوصا في العيادات والحوادث؛ فالمريض لا يعطى حقه بالكامل، والدكتور لا يجد الوقت
الكافي لفحص المريض، كما أن باب غرفة الكشف معرض للفتح في أي لحظة، بل إن وجود
مريضين وثلاثة مرضى في نفس الوقت داخل غرفة الفحص أمر اعتيادي! مما يفقد المريض
الخصوصية المطلوبة. وعدم ترتيب العمل في المستوصفات بالشكل الأكمل لتقوم بواجبها المرسوم
لها في الخطة الصحية، أدى إلى عدم الاتزان في قسم الطوارئ في المستشفيات؛ لوجود
أعداد كبيرة تتخطى المستوصف وتصل بشكل مباشر للمستشفى، مما يؤدي إلى الوقوع في
الأخطاء التي تتناقلها الصحافة من فترة إلى أخرى.
4- النواحي العلاجية والفنية:
لا يستطيع أحد أن يتكلم حول قضية
المخزون العلاجي لدى الكويت، والذي في الحقيقة اتضح خلال الأزمة؛ حيث استمرت
الخدمات العلاجية على مدى سبعة أشهر من الأزمة، وتم صرف العلاج في وقتها بشكل شبه
طبيعي. ولكن الملاحظ هذه الأيام هو وجود نقص في بعض المواد العلاجية التي تأخذ
فترة طويلة حتى يتم توفيرها مرة أخرى في صيدليات المستشفيات المختلفة.
كما أنه يوجد نقص في بعض المواد
المختبرية التي يحتاجها الفنيون من أجل تشخيص أمثل للأمراض؛ فمختبر الباثولوجي في
مستشفى ابن سينا يفتقر لعدد من الأصباغ المخبرية المناسبة، وبعض المواد التحليلية
الأخرى الخاصة بتشخيص الأمراض بشكل سليم. كما أن مختبر الفيروسات الخاص قد عانى
فترة طويلة من نقص في المواد اللازمة لتشخيص مرض التهاب الكبد الوبائي (ب)؛ مما
أدى إلى تأخير عدد من الطلبات، وبالتالي تأخر تشخيص المريض بهذا المرض الخطير.
5- وضع الطبيب الكويتي:
يواجه الطبيب الكويتي تحديًا واضحًا
داخل مستشفيات الكويت؛ فهو لا يجد الدعم الكافي من الوزارة، بجانب ما يعانيه من
مضايقات من قبل بعض مرؤوسيه غير الكويتيين، وخصوصًا من الجنسيات غير العربية؛ مما
حدا بأحد الاستشاريين الكويتيين، وهو حاصل على تخصصه من الولايات المتحدة
الأمريكية، إلى التفكير الجدي بل والتحرك من أجل العمل خارج الكويت، وترك العمل في
وزارة الصحة؛ بسبب عدم الاحترام الذي قوبل به!
كما أن المردود المادي الذي يتلقاه
الطبيب الكويتي لا يتماشى والمجهود المبذول، ولا يتناسب مع المرتبات التي تدفع
للكويتيين في مجالات أخرى كشركات البترول والقطاع الخاص.
وفي ختام هذا التحقيق لابد من
الإشارة من جديد، إلى أن الهدف من هذه النظرة السريعة هو الإشارة إلى بعض مواطن
الضعف في خدماتنا الصحية من أجل التصحيح؛ فالهدف هو التغيير لا التشهير.
فخدمة الوطن والمواطن بما يرضي الله
هي الهدف الذي يلتقي عليه الجميع، ومن أجل تحقيق هذا الهدف قدمنا هذا التحقيق
إسهامًا منا في «المجتمع» في تطوير الخدمات الصحية في الكويت.
واقرأ أيضًا: