العنوان نظرة العالم المؤمن للحكم والحكام في تاريخنا العطر.. سفيان الثوري وهارون الرشيد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1978
مشاهدات 64
نشر في العدد 386
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 14-فبراير-1978
كان علماء المسلمين لا يقصدون أبواب الحكام إلا لتذكيرهم بأيام الله أو رفع حوائج من لا يستطيعون رفعها إليهم، ومنهم من كان يلزم بيته ومسجده ويقصروعظه على الناس إنكارًا منهم على الحكام إذا رأوا منهم بادرة انحراف عن هدى الله ورسوله، ومن هؤلاء سفيان الثوري رحمه الله وهو العالم الحدث الفقيه الذي قيل فيه: «لم يكن أحد أعلم بالحلال والحرام منه» وقد عاصر هارون الرشيد فلما ولى الرشيد الخلافة زاره العلماء بأسرهم إلا سفيان الثوري فإنه لم يأته وكان بينهوبينه صحبة فشق على الرشيد ذلك فكتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالله هارون أمير المؤمنين إلى أخيه في الله سفيان بن سعيد الثوري أما بعد:يا أخي فقد علمت أن الله آخى بين المؤمنين وقد آخيتك في الله مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك ولم أقطع فيها ودك وإني منطو لك على أفضل المحبة وإنه لم يبق أحد من إخواني وإخوانك إلا زارني وهنأني بما صرت إليه وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم المواهب السنية بما فرحت به نفسي وقرت به عيني وقد استبطأتك وقد كتبت كتابًا مني إليك أعلمك بالشوق الشديد إليك وقد علمت يا أبا عبدالله ما جاء في فضل زيارة المؤمن ومواصلته فإذا وَرَدَ عليك كتابي هذا فالعَجَل العَجَل.
وأعطى هارون الكتاب إلى أحد رجاله ويدعى- عباد وأمره بإيصاله إلى سفيان الثوري وأن يحصي عليه بسمعه وقلبه دقيق أمره وجليله ليخبره به.
قال عباد:«انطلقت إلى الكوفة فوجدت سفيان في مسجده فلما رآني قام وقال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بك اللهم من طارق لا يطرق الا بالخير.فنزلت عن فرسي بباب المسجد فقام سفيان يصلي ولم يكن وقت صلاة فدخلت وسلمت فما رفع أحد جلسائه رأسه إلي فبقيت واقفًا وما منهم من أحد يعرض عليّالجلوس وقد علتني من هيبتهم الرهبة. فرميت إليه الكتاب فلما رآه ارتعد وتباعد عنه كأنه حية عرضت له في محرابه، فركع وسجد وسلم وأدخل يده في كمه وأخذهوقلبه بيده ورماه إلى من كان خلفه وقال ليقرأ بعضكم فإني أستغفر الله أن أمس شيئًا مسه ظالم بيده».
فمد بعضهم يده إلى الكتاب وهو يرتعد كأنه حية ثم قرأ فجعل سفيان يبتسم بسمة المتعجب، فلما فرغ من قراءته قال اقلبوه واكتبوا للظالم على ظهره، فقيل له يا أبا عبدالله إنه خليفة فلو كتبت إليه في بياض نقي لكان أحسن فقال: اكتبوا للظالم في ظهر كتابه فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلي به ولا يبقى شيء مسه ظالم بيده عندنا فيفسد علينا ديننا.
فقيل له: ما نكتب إليه؟ قال سفيان الثوري اكتبوا إليه
: بسم الله الرحمن الرحيم
من العبد الميت سفيان إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سُلب حلاوة الإيمان ولذة قراءة القرآن أما بعد، فإني كتبت إليك أعلمك أني.. قد صرمت حبالك وقطعت ودك وإنك قد جعلتني شاهدًا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك فيما هجمت على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه، وأنفقته لغير حكمة ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني عليه، فأما أنا فقد شهدت عليك وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك وستؤدى الشهادة غدًا بين يدي الله الحكم العدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم؟ هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل، أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم، أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك وأعد للمسألةجوابًا والبلاء جلبابًا واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فاتق الله في نفسك يا هارون إذ سُلبت حلاوة العلم والزهد ولذة قراءة القرآن ومجالسة الأخيار ورضيت لنفسك أن تكون ظالمًا وللظالمين إمامًا يا هارون قعدت على السرير ولبست الحرير وأسبلت ستورًا دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك يظلمون الناس ولا ينصفون ويشربون الخمر ويحدون الشارب ويرتشون ويحدون الزاني ويسرقون ويقطعون يد السارق ويقتلون القاتل أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن يحكموا بها على الناس فكيف بك يا هارون غدًا إذا نادى المنادي من قِبل الله الحكم العدل المنتقم الجبار احشروا الظلمة وأعوانهم فتقدمت بين يدى لله ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك والظالمون حولك وأنتم لهم إمام أو سائق إلى النار وكأني بك يا هارون وقد أخذت بضيق الخناق ووردت المساق والتفت الساق بالساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة، فاتق الله يا هارون في رعيتك واحفظ محمدًا في أمته، واعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا وهو صائر إلى غيرك وكذلك الدنيا تفعل بأهلها واحدًا بعد واحد فمنهم من تزود وزاد نفعه ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإياك ثم إياك أن تكتب إليّ بعد هذا فإني لا أجيبك والسلام.
يقول عباد؛ رسول الرشيد إلى سفيان: وألقى سفيان الكتاب منشورًا من غير طي ولا ختم، قال عباد: فأخذته وأقبلت به إلى سوق الكوفة وقد وقعت الموعظة بقلبي فناديت يا أهل الكوفة. من يشترى رجلًا هرب إلى الله، فأقبلوا إليَّ بالدراهم والدنانير؟ فقلت لا حاجة لي بالمال ولكن جبة صوف وعباءة قسطوانية فأتيتبذلك فنزعت ما كان معي إلى أن أتيت باب الرشيد حافيًا راجلًا فهزأ بي من كان على الباب ثم استؤذن لي فلما رآني على تلك الحالة قام وقعد وجعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بالويل والثبور والحرب ويقول، انتفع الرسول وخاب المرسل- الرشيد- مالى والدنيا، والملك يزول عني سريعًا. فألقيت إليه الكتاب مثل ما دفع إليّ فأقبليقرأه ودموعه تنحدر على وجهه وهو يشهق فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين قد اجترأ عليك سفيان، فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت عليه السجنفجعلته عبرة لغيره- هذه هي بطانة الشر التي تزين الشر للخلفاء والولاة- ولكن الرشيد لم يلتفت إلى هذا القول وقد وقعت وعظة سفيان بقلبه فقال: اتركواسفيان وشأنه يا عبيد الدنيا، المغرور من غررتموه والشقي والله حقًا من جالستموه إن سفيان أمة وحده، ولم يزل كتاب سفيان عند الرشيد يقرأه دبر كل صلاة ويبكي حتى توفاه الله.
وانتفع هارون الرشيد بكتاب سفيان الثوري فأصبح الخليفة الذي كان يحج عامًا ويغزو عامًا وأصبحت الدولة الإسلامية في عهده لا تغيب عنها الشمس ولا يتخطاها البرق، أوليس هو الذي تحدى الغمامة في سماء بغداد قائلًا: «أينما تذهبي يأتيني خراجك»
اللهم اجعل لحكامنا بطانة تأمرهم بالخير وتزينه لهم. وأبعدهم عن بطانة تأمرهم بالشر وتزينه لهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل