العنوان نظرات في المرجعية
الكاتب محمد صالح حمزة
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
مشاهدات 2
نشر في العدد 1268
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 23-سبتمبر-1997
إن
كل ثغرة نحدثها في صفوفنا، تفسح المجال
لسهم مسموم، يرميه المتربصون بنا، وكل
سهم يفتح الطريق لسهام أخرى، تتكاثر
وتتكاثر حتى تفتك بالجسد الواحد، وتحوله
إلى أشلاء متناثرة.
وعندها
يسهل على الوحوش اقتناص تلك المزق، وتلطيخ
جوانبها بالدماء، والأغرب من كل ذلك هو
قناعة الضحايا بأن ما يجري لها هو نوع من
الرقية الحضارية المباركة، التي تدفعهم
إلى اللحاق بالركب المتقدم، وأنها دروس
مكلفة للتغيير الجذري الذي ينشده المتنكرون
لماضي أمتهم، والمتحاملون على حاضرها،
والساعون لبناء مملكة الوحوش المفترسة
على أنقاض مستقبلها.
إن
وقوع الفريسة في مخالب الوحش وتحت أنيابه،
مظهر من مظاهر العجز، ولكن رضا بهكذا
المصير، دليل على الخيانة المركبة، التي
تخرج بين انسحاق الذات، وضياع الشخصية،
وبين تمكين العدو الطامع، الذي لا يخفي
جشعه وأنيابه، من رقاب العباد، ومقدرات
البلاد، وإن الابتسامة البلهاء، التي
تبدو على شفاه المخدوعين، لا تدل على
انتصارهم، بقدر ما تعبر عن فقدانهم لأبسط
معاني العزة، وأدنى درجات الاعتداد
بالنفس، وهم يرون شرف أمتهم يدس، وكيانها
يتمزق، ومع ذلك يستمرون في الابتسام،
ويتحولون إلى القهقهة ثم يرقصون على
الجراح، ويسخرون من أنات الجرحى وعويل
المعذبين الذين يكتوون بنار الغزاة
المتوحشين مرة، وبنيران الأذناب المتسلطين
الذين يتكلمون بألستنهم ألف مرةلا تكاد
تجد مذهباً من المذاهب أو ديناً من الأديان
إلا وله هيئة أو شخص أو مجلس يتولى توجيه
المذهب والبت في قضاياه الكبرى ورسم
سياساته العامة.... والأمثلة على ذلك تزيد
على الحصر... ولعل في وضع البابا بالنسبة
للكاثوليك والفقيه بالنسبة للشيعة...إلخ
ما يوضح هذا الأمر، فالباريا أو الفقيه
أو ما شابههم لا يتدخلون في كل صغيرة
وكبيرة من شؤون أتباعهم وأهل دينهم
ومذهبهم، وإنما يكتفون بأمهات المسائل
والقضايا التي تكفل الحد الضروري لتوفير
التجانس الفكري والشعوري، وتقارب وجهات
النظر إلى الأحداث والمشاكل التي تلم
بالعالم - بين أفراد المذهب أو الدين الذي
ارتضاهم ممثلين له وقائمين عليه، ولا
يخفى على القارئ الكريم مدى الإيجابية
في هذه الصيغة وإن لم تكن هي الأمثل أو
الأولى أو الأفضل على إطلاقها.
ولو
ذهبنا ن فتش عند أهل السنة والجماعة عن
أمر مماثل أو مقاربة لأعيانا البحث... ولو
شاء أي منا أن يستحضر أمثلة على تباين
نظرة جماهير أهل السنة والجماعة للعديد
من المسائل المعاصرة لوجد الكثير من ذلك،
بل قد يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى
التناقض وليس التباين وحسب...... وكذلك تشخص
الأمثلة العديدة على هذا في أحداث ليست
هامشية على التضارب في المواقف والأراء
والأحكام حيال: حرب الخليج الأولى والثانية
وأفغانستان واليمن والصومال...إلخ، ولا
يظن القارئ أن حديثنا ينصب على المواقف
الرسمية للحكومات فهذه مسألة أخرى ولها
حديثها الخاص بها، وإنما يعنينا في بحثنا
هذا المواقف الشعبية والمشاعر والأحاسيس
وبالتالي الأحكام على ما يعصف بالعالم
عامة والعالم العربي والإسلامي بخاصة...
وعندما لا تتطرق نظرة ما يزيد على ألف
مليون من المسلمين إلى حدث من الأحداث
الكبيرة وذات الأهمية... فأهل كل قطر من
الأقطار أو مجموعة من الأمصار تتبنى الرأي
والتحليل والحكم الذي تحمله الهيئات
والمؤسسات المحلية... أو ذلك الذي تمليه
وسائل الإعلام الغربي المتغول... الذي ليس
من أولوياته قطعاً توحيد نظرة
المسلمين!!
وعليه
فإن التفكير العملي الجاد في هذه المسألة
أضحى من الضروريات وليس من باب الترف
الفكري، فوجود مرجعية عامة يحقق أكثر من
غرض:
فهو
يقطع دابر البلبلة الفكرية التي تحدث في
صفوف عامة الناس إثر أي حدث وبخاصة الكبيرة
منها، فإذا وجدت مرجعية تقول رأيها في
الأمر فإنها تختصر الكثير من الاجتهادات
والتحليلاتوالآراء المتضاربة التي
تترافق عادة مع مثل هذه الأحداث.... وتختصر
بالتالي الحساسيات التي تثور بسبب تبني
هذا الرأي أو ذاك.
كما
يشكل رأياً عاماً على امتداد العالم
العربي والإسلامي تجاه الأحداث... تولد
عنه ضغط لا يستهان به لتأييد وجهة نظر
محدودة بعد أن تكون المرجعية المأمولة
قد «زكتها»، أو تبنتها أو أوضحت أوجه
المصلحة العامة فيها... ولا يخفى ما لهذا
الجانب من إيجابيات عندما تتضح الرؤية
أمام جماهير المسلمين على امتداد بلدانهم
وإتساع دولهم وضخامة أعدادهم، فلا شك أن
الدفع الذي يحدثونه باتجاه ما... سيكون له
أثره الفعال في فرض احترامهم في عالم
يتهيب القوة ويحسب لها ألف حساب.
كذلك
فإن وجود مثل هذه المرجعية يحول دون هدر
الكثير من الجهود والأوقات والثروات التي
تحدث عادة بحدوث الاختلافات وتعدد الأحكام
الصادرة من هنا وهناك وتبنيها من قبل
الجماهير أو القيادات المتباينة، وبخاصة
إذا تدخلت مؤثرات ذات هوى أو فرص أو
مصلحة.
وغني
عن البيان أن وجود مثل هذه المرجعية يعزز
الوحدة الشعورية في النفوس ويولد خطوة
لا يستهان بها في سبيل إزالة الحواجز بين
الشعوب العربية والإسلامية ويولد بدوره
واقعاً يفرض احترام هذه الأمة على
الجميع.
إن
هذه المرجعية المأمولة لا تعني فرض وجهة
نظر واحدة في جميع مناحي الحياة فإن هذه
مسألة متعدرة وربما كانت مستحيلة، وإنما
هي ترمي إلى توحيد نظر المسلمين حيال
المسائل الكبرى والخطيرة التي يتولد عن
الاختلاف فيها مفاسد للبلاد والعباد
يتوجب درؤها وتحصين الأمة حيال أضرارها
ومضاعفاتها.
بقي
أن نذكر بأن الأزهر الشريف قد تمتع في يوم
من الأيام باحترام شديد لأحكامه وفتاويه
وتوصيفه لأمراض الأمة وسبل معالجتها...
بصورة تشكل تصوراً جيداً لمبدأ المرجعية
يجعل هذا المبدأ بشيء من الجهد المخلص
ليس بعيد المنال ولا تحليقاً في الخيال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل