; نظرات في القرآن بأقلام بوسنية | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في القرآن بأقلام بوسنية

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 29-أكتوبر-2005

مشاهدات 69

نشر في العدد 1675

نشر في الصفحة 52

السبت 29-أكتوبر-2005

 على عزت: ضرورة التعريف بسعة آفاق الإسلام .

 الخطر على الإسلام لا يأتي من أعدائه بل من الجهلاء والمنهزمين من المسلمين.

 أحمد ميشيتش: سلوكيات كثير من المسلمين تتناقض مع ما يدعونا إليه القرآن.

 حمزة سوباشيتش الإسلام كره الجدل - القائم على الأكاذيب والمبادئ الخاطئة.

قليل من الناس يعلمون أن في البوسنة رجالات فكر كبارًا لا يقلون عن نظرائهم في العالم الإسلامي، نذكر منهم الدكتور مصطفى تسيريتش، والدكتور أنس كاريتش والدكتور حلمي نعيمارليا وغيرهم، إلا أنهم ظلوا بعيدين عن دائرة الانتشار في العالم الإسلامي، ما عدا الزعيم العملاق على عزت بيجوفيتش يرحمه الله (۱۹۲٥ / ۲۰۰۳م) الذي فرض نفسه على الساحة الدولية كمفكر ثم كمناضل وسياسي كبير.

وما عدا ذلك لا يعرف الناس عن البوسنة سوى ما جرى فيها في تسعينيات القرن الماضي (١٩٩٢ / ١٩٩٥م) من مجازر وتهجير واغتصاب جماعي. 

أما الجانب الفكري في أبعاده الثقافية والسياسية والاجتماعية فلم يحظ بالاهتمام الكافي.

 وسنحاول إلقاء الضوء على ما قدمه بعض المفكرين البوسنيين من إسهامات في هذا المجال تنبئ بفهم عميق وإدراك واسع الرسالة القرآن الذي قال عنه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، القرآن يفسره الزمان..

القرآن وأركان الإسلام:

 يطالب الزعيم الراحل والمفكر الإسلامي على عزت بيجوفيتش بضرورة التعريف بسعة آفاق الإسلام وشموليته. ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم «بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا».

يقول على عزت: يدرس الأطفال في المدارس هذا الحديث، ولكن لا يمكن اختزال الإسلام في هذه أن الركائز الخمصة، وقال: كل ركن من هذه الأركان يحتاج إلى وشرح موسع وتعمق كبير وأضاف: لكن الناس يحيون أن يقرؤوا ما هو سهل ووجيز فحفظ خمسة أركان أسهل من حفظ القرآن وإعمال العقل والتدبر فيه...

 وتساءل كيف ستفهم تعاليم القرآن ومعاني آياته ودعوتها إلى الحق والعدل لو اكتفينا بالحديث سالف الذكر؟ وأين ستجد العلم والعمل والجهاد في سبيل الله؟ فهذه القيم وغيرها موجودة في القرآن الذي يمدنا بصورة كاملة عن الإسلام..

وقال: آيات كثيرة تعلمنا كيف يجب أن تكون خلافاتنا مع غيرنا وكيف يجب أن تكون أخلاق الناس.

 وأضاف: تردد في القرآن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (البقرة: ٢٥) وتكررت الآية في مواضع كثيرة أخرى عشرات المرات، وأوضح بأن الإيمان والعمل الصالح هما قاعدتان أساسيتان لا تفترقان عن بعضهما، ولا يمكن فصلهما في حياة المسلم، فالثاني هو ثمرة الأول. ومعيار صلاحه، فهل يمكن أن نسمي من يؤمن بالله ولا يعمل الصالحات مسلمًا؟!

ويسجل الراحل على عزت بيجوفيتش أمرًا مهمًا هو أن الخطر الأساسي على الإسلام لا يتأتى من قبل الكفار فحسب، بل يأتي من قبل الجهلاء والضعفاء والمنهزمين، ممن يسمون أنفسهم.

 وقال: الإسلام نشأ قويًّا في الصراع مع الكفر، وصراعه معه متواصل إلى أن يشاء الله. إذ إن اختلافهما جوهري وواضح جدًّا، لذا لا يمكن بحال أن يختزل الإسلام في عبارات وجملة شعائر مجردة من أبعادها الاجتماعية والسياسية والثقافية المبنية على أسمه الروحية وقال بأن الحل في فهم الإسلام يكمن في العودة إلى قراءة القرآن بعقل جديد وتكرار ذلك مرارًا.. 

نظرات في أي القرآن عنوان كتاب للكاتب إبراهيم حوجيتش حاول فيه لفت الأنظار إلى دعوة القرآن للتفكر والتدبر وإعمال العقل الذي هو مناط التكليف وأن الكون بسعته ودقة تصميمه وحركة أفلاكه موضوع للتفكر والتدير، مشيرًا إلى قوله تعالى﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان:1- 2) وأن الله بحكمته لم يخلق أي شيء إلا لسبب تعرفه أو لا تعرفه.

.. ويؤكد المؤلف أن للحياة معنى وهي ليست عبئًا كما يراها نيتشه، كما أنها أبعد ما تكون عن التصورات الوجودية كما ذهب إلى ذلك جان بول سارتر، ورغم حفاوة ديكارت بالعقل إلا أنه ظل أسير الحلقة العقدية التي نشأ فيها.

 وقال: إن القرآن يقدم لنا الحقيقة الناصعة في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان:1- 2).

 وقال: إن الذي خلق الكون فأحسن خلقه لا يمكن أن يترك حياة عباده بعيدة عن هذا النظام الدقيق فأنزل كتابه العزيز الذي شرح فيه الطريقة المثلى للحياة والعلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وترك للعقل آفاقًا رحبة للتفكر والاجتهاد بما لا يخالف معلومًا من الدين بالضرورة حيث لا اجتهاد مع النص.

ويشرح كيفية أن القرآن الكريم هو مقياس الفهم الصحيح للحياة الدنيا والآخرة ويتجلى ذلك في كلماته ومعانيه فهو الذي رفع شأن الإنسان في الأرض ودعا إلى إعمال الفكر.

حيث إن التقليد الأعمى واعتماد آراء القدامى دون تمحيص الضرورات الزمان والمكان وطبيعة الحكم الشرعي يؤدي إلى جمود الفكر، في حين أن القرآن يطالب بالتدير الدائم في كل الأزمنة... ويرى أن قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ( ص: 29) ويشرح ما ذهب إليه. 

نماذج تربوية:

وهو بحث لإبراهيم بيجوفيتش يتناول فيه قصص القرآن الكريم، التي تحمل نماذج تربوية تتحدث عن قدرة الله غير المحدودة، وعلمه المطلق بما كان وسيكون، ويتخذ من قصة إبراهيم عليه السلام (الابن ثم الأب) نموذجًا فريدًا. التعامل فهو الحريص على هداية الأب وهو الذي تمكن من تربية ابنه إسماعيل تربية إيمانية - عميقة حتى إنه لما فاتحه في أمر رؤية الذبح قال له يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين وفي قصة يعقوب الذي سأل أبناءه مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإسماعيل وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ( البقرة: 133))، فهو لم يوصهم على أموال أو أولاد أو أزواج وزوجات أو كيفية تقسيم التركات أو أي شيء آخر وإنما سألهم عن مركزية 

حياة الإنسان وسبب خلقه وحياته وموته وبعثه العقيدة عبادة وشريعة. وتساءل لماذا اكتفى يعقوب بذلك؟ ويجيب لأن العبادة الحقة هي التي تصنع الإنسان السوي الذي إذا قال صدق وإذا وعد أنجز وإذا حكم عدل، وإذا عمل أتقن العمل. وكان جواب أبنائه انعكاس لجهد كبير وطويل من ناحية الوالد الذي غرس مبادئ التوحيد في عقول وقلوب أبنائه فيرضى ويسر بجواب أبنائه فلم يزد على سؤاله المركزي والمحوري والرئيس أي سؤال بـآخر.

 جدل معتدل 

 الجدال في القرآن.. دراسة تبين. موقف القرآن من الجدال وهو بحث الحمزة. سوباشيتش تناول فيه قضية الجدال في القرآن أراد به تبيان موقف القرآن من الجدال، وقد أوضح أقسامه، فهناك جدال معتدل ومؤدب وهو ما يعرف بالحوار أو الحجاج، حيث تكون الموضوعية والعلمية. وتحري الحق هو الهدف. وفي هذا الجدال ترى احتراما بين الطرفين واستعدادا لقبول الأدلة القاطعة والبراهين الحقة، ويبرز فيه آداب المتكلمين، أما الصنف الثاني كما يشرحه فهو جدل مختلف تمامًا فلا يرى فيه آداب المتحدثين ولا يتسم بالاحترام وبين أن القرآن الكريم كره الجدل القائم على مبادئ خاطئة وأكاذيب والجدال من أجل الجدال.

 وساق عدة أمثلة من القرآن الكريم مثل قول تعالى ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: ۱۲۵) وقوله تعالى:﴿ ۞ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم﴾ (العنكبوت: (٤٦).

 ووقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾ (الحج: 3) وغيرها كثير.

فهم أحكام القرآن.

وهو بحث لأحمد ميشيتش يركز فيه على الجانب العملي من سلوك الإنسان الاجتماعي وينتقد فيه الممارسات وطرق التعامل مع الناس والتي تتناقض في كثير من الأحيان مع قوة عقيدتهم نظريًا وحتى عبادتهم والتزامهم الشخصي. وقال: إنه رأى تطبيق الإسلام في العبادات ولكنه فلما رأى أثرًا إيجابيًا لسلوكيات تمثل إفرازًا طبيعيًا لهذه العبادة، وأشار إلى أن العارفين بحقيقة الدين لا يفرقون بين العبادة والسلوك أو المعاملة... 

القرآن يتحدث عن نفسه:

 وهو بحث لإبراهيم حوجيتش يذكر فيه بالشرح والتحليل الآيات التي تتحدث عن القرآن قوله تعالى ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ( البقرة: 2) مرورا بقوله تعالى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾  (البروج: 21-22) إلى قوله تعالى﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ( ص: 29) وقوله تعالى ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ﴾ (البقرة: ۱۸۵) ودعا قراء المصحف إلى قياس ما ذكره الله في القرآن عن القرآن مع حياتهم معه ليعرفوا إلى أين وصلوا، وفي أي مستوى هم وفي أي صف هم من مدرسة القرآن.

 القرآن في حياة الفرد والمجتمع:

وهو بحث لمحرم عمرديتش يمثل محاولة موفقة لإظهار تأثر المجتمع الإسلامي الأول في عهد النبوة والخلفاء الراشدين والتابعين بالقرآن والتغييرات التي طرأت على الكثير من الصحابة y مثل عمر بن الخطاب وصهيب الرومي، وبلال بن رباح، وأبي ذر الغفاري وغيرهم. وقد مهد لذلك بالحديث عن طبيعة الحياة قبل البعثة، حيث كان القوي يأكل الضعيف والمحسوبية منتشرة على نطاق واسع ولم يكن للناس قبل البعثة أي رسالة سوى التجارة والتفاخر بالأنساب..

وقال: إن القرآن أحدث تغيرًا جذريًّا في حياة المسلمين، حيث كانت رسالتهم للعالمين، ونهى عن الرياء والسمعة ودعا إلى أن يكون العطاء والمنع باسم الله وحده كما أن القرآن أرسى قواعد الإخاء الإسلامي والإنساني فلا فرق بين الغني والفقير والعبد والأبيض والأسود إلا بالتقوى وحث على الحب والرحمة والعدل، وبذلك أخرج للعالم قوة روحية ومادية هائلة.

الرابط المختصر :