; نظرات في آيات قيمة الزمن وقيمة السرعة | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في آيات قيمة الزمن وقيمة السرعة

الكاتب أحمد لطفي عبد اللطيف

تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973

مشاهدات 15

نشر في العدد 136

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 06-فبراير-1973


يقول تعالى في سورة النمل: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (النمل: 38- 40).

مرات ومرات قرأت هذه الآية الكريمة، ولا شك أني في كل مرة كنت أفهم ما تعنيه هذه الآيات، ولكني في هذه المرة وقفت عندها، وأعدتها وأعدتها وكلما أعدت مرت بخاطري أفكار وأفكار.. لماذا يتغنى المسلمون بأفكار غيرهم ولديهم من هذا الزخم العظيم من الأفكار السامية؟ لماذا يستقي المسلمون من ماء غيرهم ولديهم هذا المورد العذب؟ لماذا يحتذي المسلمون قيم أعدائهم ولديهم هذه المثل العليا؟ لماذا ولماذا... وأنا أتمعن في هذه الآيات الكريمة وتمر بخاطري هذه الإشارات الرائعة لدقائق الحقائق بين سطور الكلمات الإلهية المحكمة.

سليمان، النبي الحاكم القائد، يريد أن ينفذ مهمة جليلة، فلا بد من إسنادها لرجل جليل، فوجه كلامه للصفوة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾، ثم بين هذه المهمة حتى يكون المتصدي لها على بينة، فلا يتصدى لها إلا من يقدر عليها.. ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾؟ وهنا يتصدى للمهمة من آنس في نفسه المقدرة عفريت من الجن، ثم حدد هذا الجندي مقدرته والزمن الذي يستطيع أن ينجز به المهمة ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾، ثم أوجز في عبارة رائعة الشروط التي توفرت فيه والتي يجب أن تتوفر في الرجل الذي توكل إليه مهمة كبرى كهذه المهمة: المقدرة والأمانة ولا بد منهما ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾.

نعم الرجل هذا، قوي أمين سريع في أداء مهمته، ولكن المهمة لم تسند إليه. لماذا؟ لأن هناك من آنس في نفسه كفاية أفضل، هناك من يأتي به في زمن أقصر ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، فكان الرجل الأكثر كفاءة فكُلف بالمهمة وأنجزها كما وعد.

هذا الفارق الزمني البسيط الذي قد لا يتجاوز الثواني عددًا يوحي لنا بأمور وأمور.. لقد أعطى النبي الحاكم للوقت قيمته على قصره المتناهي، وهو أمر أضاعه المسلمون في عهدنا فلم يعد للوقت عندهم قيمة ولا وزن، بل لم يعد للسنين عندهم قيمة، بل إن كثيرًا منهم لم ينجز في عمره المديد أمرًا. وأسند النبي الحاكم المهمة للرجل المناسب مقدرًا فيه أمرين هما الفيصل بين الرجل المناسب وغيره: القوة والأمانة وهذا أيضًا أين منه المسلمون اليوم.

ولعل مما يسترعي الانتباه هنا ما أدركه رجال سليمان -عليه السلام -من أهمية سرعة التحرك في مثل هذه الأمور الجسام وما يكون له من حسم فيها: وهذا للأسف ما تفتقده أمتنا اليوم، فهي في شغل شاغل بالتافه من الأمور وفي رقدة طويلة عن الأمر الجليل، وأخيرًا فإن هذا التنظيم العظيم، وهذا المستوى العلمي الرفيع الذي وصل إليه سليمان وجنوده ليوحي لنا بآفاق واسعة للعلم لم يصلها بعد، رغم تقدمه الواسع الذي نشهده اليوم، وسيبقى العصر الذي يصفونه بعصر السرعة قاصرًا أمام هذه السرعة التي حققها علم سليمان، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).. فهل من متعظ؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 291

88

الثلاثاء 16-مارس-1976

آراء وقراء (291)

نشر في العدد 1639

75

السبت 19-فبراير-2005

رأي القارئ ( 1639)