العنوان المجتمع التربوي:1845
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009
مشاهدات 72
نشر في العدد 1845
نشر في الصفحة 54
السبت 28-مارس-2009
نظام شامل لا يتجزأ..
شمولية الإسلام (١ من ٢)
في أوج معمعة التنكيل بالمسلمين برمضاء مكة، لاسيما بعد وفاة العم والزوج، وبعد رحلة مرة إلى الطائف؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، في موسم الحج، وكانت له مقابلة تاريخية- أطنب فيها الباحثون قبيلة بني شيبان، تلك القبيلة العربية التي حالفت الفرس، على ألا يحدثوا أمرًا أو أن يأووا محدثًا.. تلك القبيلة العربية القوية التي احتضنت ثلة من نوابغ العرب كانوا من أبنائها، أمثال: المثنى بن حارثة الشيباني، وهانئ ابن قبيصة، وكان من نسل هذه القبيلة فيما بعد الإمام أحمد بن حنبل -إمام أهل السنة- ويزيد بن مزيد، وغيرهم من العلماء والقادة.
محمد مسعد ياقوت
إذا نقف وقفة إكبار وإجلال عند حصافة أبي بكر الصديق منسابة العرب- عندما اقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض الدعوة على بني شيبان.
فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم:
بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس، وفيهم مفروق قد غلبهم لسانًا وجمالًا «البداية والنهاية ١٤٣/٣» أي بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء بنو شيبان من أكابر العرب وأحسنهم وزعيمهم «مفروق» يفضلهم حكمة وجمالًا.
محاورة بني شيبان
ومن ثم توجه أبو بكر رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا إلى مخيم بني شيبان في عرصات الحج، ودار هذا الحوار:
تقدم أبو بكر فسلم فقال: من القوم؟
قالوا: شيبان بن ثعلبة
فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟
فقال مفروق: إنا لا نزيد على الألف ولن
تغلب ألف من قلة.
فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟
فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى وأشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش؟
فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول صلى الله عليه وسلم الله فها هو ذا!
فقال مفروق: إلام تدعونا يا أخا قريش؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تُؤوني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على الله، وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد».
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلاًمًا أحسن من هذا.
فتلا رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الأنعام:151).
فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك..
ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال:
وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا.
الرسول صلى الله عليه وسلم رفض نصرة ألف فارس من بني شيبان له ضد بغي قريش لأنهم جزأوا الجهاد ولم يؤمنوا به كمبدأ إسلامي لا يقبل المساومة
فقال هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وإني أرى تركنا ديننا، واتباعنا دينك لمجلس جلست إلينا، لا أول له ولا آخر لذل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، إن الزلة مع العجلة، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا، ولكن نرجع وترجع، وننظر..
عرض مرفوض
ثم كأنه أحب أن يشرك المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا!
فقال المثنى وأسلم بعد ذلك: «قد سمعت مقالتك يا أخا قريش والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة، في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك وإنا إنما نزلنا بين صَريين أحدهما اليمامة والآخر السَّمامة!
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذان الصريان»؟؟
قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه
العرب، فعلنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولته التي أبان فيها سمة أساسية من سمات منهج الله، وعمدة عميدة من عماد النظام الإسلامي، إنها شمولية الإسلام وأنه جزء واحد لا يتجزأ قال خير البرية:
ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذاك. «انظر: البداية والنهاية، ١٤٣/٣ – ١٤٥».
أسباب الرفض
أيها المسلمون.. لماذا رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفرصة؟
إنها فرصة بكل المقاييس، أن يرى المستضعفون أنصارا لهم على أتم الاستعداد أن يدفعوا عنهم ظلم ظالميهم من العرب، علما بأن المستضعفين لا يشغلهم أمر الفرس في الوقت الراهن على الأقل..
ألف فارس عربي من بني شيبان الأبطال في تمام التجهيز!
ألف فارس في خدمتك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت يديك، يضربون على أيادي قريش الباغية..!
يا حبيب الله! لا شأن لنا الآن بفرس أو كسرى، وعدونا في واقع الأمر هو ذلك الوثني القابع في مكة، الصاد عن سبيل المؤمنين، الذي ألهب ظهور المسلمين، وحرق جلود المستضعفين في ساحات مكة تحريقًا، وقتل الضعفاء أمثال سمية وياسر، وهجر الموحدين إلى وسط أفريقيا..!
ولم لا نرحل إلى بني شيبان، فنهاجر إليهم حتى إذا قويت شوكتنا على العرب أو كره الفرس مقامنا بين إخواننا من بني شيبان انتقلنا إلى ركن آخر ركين فنجونا من سياط العرب وأعددنا العدة؟
يا رسول الله! ما الأمر؟ وما الحكمة من ذلك يا سيد الحكماء؟
نعم!
آمنت بك! صدقت، لله درك..
لقد رفضت عرض بني شيبان لتضع النقاط على الحروف
١- أنه لا أنصاف حلول في الأصول، فالإسلام نظام شامل، لا يقوم إلا شاملًا، فمن ينصره على العرب لابد أن ينصره على العجم وإلا فلن ينتصر أبدًا، ويصير بددًا!
2- أن الجهاد الصادق المتجرد جزء لا يتجزأ من الإسلام، فكما لا يصح إسلام قوم تعاقدوا على صلاة الظهر دون العصر، فكذلك لا يصح إسلام قوم تعاهدوا على الجهاد في وجه دون آخر.. فالصلاة وحدة واحدة لا تتجزأ، وكذلك الجهاد..
3- أن الحصافة السديدة وبعد النظر يقتضيان رفض عرض بني شيبان، فلقد قالوا بصريح العبارة إنهم على استعداد أن يقفوا في وجه العرب لحمايته بيد أنهم لا يستطيعون مع الفرس، فلعل الدائرة تدور فينتقل المسلمون من جحيم العرب إلى جحيم الفرس، فيستغيث المسلم بالنار من الرمضاء.. فيجمع المسلمون على أنفسهم عدوين، إذ كيف يكون الحال لو طلب كسرى من بني شيبان «تسليم محمد»؟!
حسن السمت
إن العين تحب المنظر الحسن وتهواه وتميل إليه، فإذا أضيف إلى حُسن المظهر الخارجي حسن المنطق والوقار في الحركة والسكون والدخول والخروج، واشتهر صاحبه بحسن السيرة بين الناس، فلا شك أن الناس سينسبون صاحب هذه الصفات الحميدة لأهل الخير والصلاح والتدين، وهذا هو ما نعنيه بحسن السمت.
وقد حث الشرع المطهر على التحلي بحسن السمت، فأباح للعبد أن يعتني بمظهره من غير إسراف ولا مخيلة فقال
الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُشْرِفِينَ﴾ (الأعراف:31).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة».
وعن عوف بن مالك قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دون أي قديم فقال: «ألك مال؟ قال: نعم، قال: «من أي المال؟ قال: قد أتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: «فإذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته».
ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا وعليه ثياب وسخة فقال: «أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟»، كما قال في نفس السياق: «من كان له شعر فليكرمه».
ولما نهى عن الكبر ظن بعض الناس أن العناية بالمظهر والهندام من الكبر فبين لهم حقيقة الأمر فقال: «إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس».
والعناية بالظاهر لو لم يرافقها عناية بالباطن ومحاسن الأخلاق والعناية بحسن السيرة بين الناس؛ فإنها تصبح وبالا على صاحبها؛ لهذا كان الصالحون يجمعون بين حسن الهندام وجمال المظهر وبين حسن السيرة وجمال الخلق.
من موقع إسلام ويب بتصرف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل