; نظام القضَاء في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان نظام القضَاء في الإسلام

الكاتب أحمد عبد العزيز المبارك

تاريخ النشر الثلاثاء 16-نوفمبر-1976

مشاهدات 66

نشر في العدد 325

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-نوفمبر-1976

حمدًا لله على نعمائه، وصلاة وسلام على خاتم رسله وأنبيائه، محمد بن عبد الله، وعلى آلة وأصحابه، وسائر من اتبع هداه إلى يوم الدين، أما بعد:

فسوف يلحظ القارئ الكريم أني ركزت الحديث حول جوانب وتركت بعض الجوانب، وأسهبت في نقطة، وأوجزت في أخرى، حتى جاء البحث على هذه الصورة التي يراها القارئ.

وإن ضيق الوقت مع كثرة المشاغل مدعاة لأن يكون البحث في هذا الحجم الذي ظهر به.

ولعل بعضًا من الإخوة العلماء الفضلاء، ممن دعوا للمؤتمر، يتناول هذا الموضوع «نظام القضاء في الإسلام»  فيسهب في نقطة أوجزت الحديث عنها، ويذكر جانبًا أغفلته، لأنه رآه مكملًا الصورة ورأيت أن الصورة تكمل بسواه.

ولعل جملة البحوث التي ستدور حول هذا الموضوع، تصبح نقطة الانطلاق نحو إيجاد قانون للإجراءات القضائية في الفقه الإسلامي، على اختلاف مذاهبه وأئمته.

فإن وفق مؤتمرنا إلى ذلك، وبرز المشروع من حيز التصور المتخيل إلى حيز الواقع المنظور، نكون يومئذ قد أضفنا لبنة إلى ذلك الصرح الشامخ «فن القضاء في الإسلام»

وذلك ما نرجوه، ونأمل تحقيقه، ونسأله تبارك وتعالى، أن يجيب: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا باللهۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (هود:88)

القضاء في اللغة والاصطلاح (1)

للقضاء في اللغة عدة معان، وردت في القرآن فقد ورد بمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (الإسراء:23)، وعلى الأداء، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ (الجمعة:10) وعلى الفراغ كقوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ (يوسف:42) وعلي الفعل كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ (طه:72) وعلى الإرادة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا (البقرة:117) وعلى الموت كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ (الأحزاب:23) ويطلق على العلم كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (مريم:21) وعلى الفصل كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ (الزمر:75) ويطلق على الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ (فصلت:12)

والقضاء في الاصطلاح: حكم حاكم أو محكم بأمر ثبت عنده.

الحكم:

والحكم الصادر من القاضي هو: الإعلام على وجه الإلزام.

القاضي: هو الحاكم بالأمور الشرعية، أي من له الحكم حكم  أو لم يحكم(1)

مكانة القضاء والقضاة في الإسلام (۲)

من جملة ما كلف الله به الرسل القضاء، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله (المائدة:49) وقوله ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (الأنبياء:74) 

ويكفي القضاة المنصفين فخرًا أنهم من المحبوبين عند الله، فقد قال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات:9)

وقال النبي  : «ما من أحد أقرب مجلسًا من الله يوم القيامة بعد ملك مصطفى أو نبي مرسل من أمام عدل» وقال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضـــــي بها ويعمل بها» (۱)

وقال عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه): «لأن أقضي يومًا بالحق أحب إلي من عباده سبعين عامًا» (۲) فهذه الأدلة من القرآن والسنة والآثار تدل على أن العدل بين الناس، في القمة من أعمال البر ومن أعظمها درجة وأكثرها ثوابًا عند الله.

التخويف من القضاء (۳)

أما الأحاديث النبوية الشريفة التي ورد فيها تخويف ووعيد للقضاة فالمراد بهم الجهال الذين يقحمون أنفسهم في منصب القضاء دون أن تكون لهم مؤهلاته، أو القضاة الذين يجورون في أحكامهم.

وقد ولى النبي   بعض أصحابه القضاء، كعلي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، ومعقل بن يسار، رضي الله عنهم كما سيأتي.

فالتحذير الوارد في الأحاديث منصب على الجائرين في أحكامهم المتبعين لأهوائهم، والجور في الحكم من أعظم الذنوب وأكبرها. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (الجن:15) وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار وكله إلى نفسه».

القضاء والدين (٤)

إن إقامة العدل بين الناس، غاية أساسية لذا فقد أحاطه بسياج ديني أخلاقي إلى جانب الضمانات القانونية، وأن المبادئ القضائية والأخلاقية مرتبط بعضها ببعض، فقد جاءت نصوص دينية تلفت نظر كل من الخصوم …………

 

ولما كان القاضي إنسانًا يجري عليه ما يجري على سائر الناس، من إمكانية التعرض للمؤثرات المخلة بأداء وظيفته على نحو سليم، فقد ورد في القرآن والسنة نصوص تحض على العدل وتحذر من مغبة الظلم، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لله وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ (النساء: ١٣٥) وقوله: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (المائدة: ٨).

ومن السنة قوله ﷺ : «الحكام ثلاثة، اثنان في النار وواحد في الجنة حكم حكم بجهل فخسر، فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه، ففي النار، وحكم حكم فخذل، فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه، ففي النار، وحكم علم فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة».

حكمة القضاء وحكمه (٦)

والحكمة في القضاء أنه إنصاف للمظلومين وردع للظالمين، وحسم للنزاع الذي ينشأ بين الناس من حين لآخر. وإن المجتمعات البشرية على اختلاف زمانها ومكانها، لا تخلو من الأسباب التي تفضي إلى الخصام، بالغة ما بلغت من شأو العلم ومظاهر الحضارة.

وحكمه شرعًا أنه فرض كفاية، يسقط عن سائر المكلفين إذا قام به الكفء المستوفي للشروط، وإذا توافرت شروط القضاء في أحد من رجال العلم ولم يوجد سواه، أجبره الإمام عليه ولو أدى الأمر إلى حبسه أو ضربه كما يرى بعض الفقهاء.

ولعل القائلين بجواز ضرب ذي الأهلية على القضاء في تلك الحالة، تأثروا بما جرى من بعض الأمراء مع بعض العلماء في العصور الأولى، وفي رأينا أن القاضي الذي يأتي إلى منصب القضاء بعد ضربه، يأتي وهو قليل الأهلية ناقص التوقير. على أننا نرى إجباره إذا توافرت فيه شروط ولم يوجد سواه، ولكن بغير الإكراه  يتنافى وهيبة القضاء، وما ينبغي للقضاة من التوقير في نفوس العامة والخاصة على حد سواء.

ما يقضى فيه وما لا يقضى فيه: (۷)

لله على العباد حقوق، وللعباد بعضهم على بعض حقوق، ومن هذه الحقوق ما يتناوله القضاء، وذلك كالدماء والأموال والأعراض، ومنها ما لا يتناوله القضاء وإن كان حقًا للمسلم على المسلم، وذلك كرد التحية، وزيارة المريض، وتشميت العاطس ونحوها، مما نراه مدرجًا في باب الفضائل والآداب من بعض المصادر الإسلامية. (۱)

والأحكام التي يصدرها القاضي، قد تكون متعلقة بحق الله، وقد تكون متعلقة بحق الآدمي والقاضي في كلتا الحالتين نائب عن إمام المسلمين الأكبر.

وليس القاضي أن يحكم في قضية هو خصم فيها، كما لا يجوز له أن يحكم في قضية أحد طرفيها عدو له. (۲)

الأعمال التي يتولاها القاضي(8)

والأعمال التي يتولاها القاضي، منها ما هو مختلف فيه ومنها ما هو متفق عليه، وقد اتفق الفقهاء على تولي القاضي للأمور الآتية:

 1- الفصل بين المتخاصمين، أما بصلح عن تراض، أو بإجبار على حكم نافذ.

2- قمع الظالمين ونصرة المظلومين وإيصال الحق إلى ذويه.

3- تنفيذ الوصايا.

4-النظر في شئون الأوقاف.

5- الحجر على السفهاء.

6- المواريث.

7- شئون الأيتام والمجانين وإقامة الأوصياء لحفظ أموالهم.

8- الجراحات والدماء.

9- الإثبات.

10- عقد نكاح النساء اللائي ليس لهن أولياء، أو عضلهن الأولياء.

11- منع التعدي على الطرقات والأفنية العامة.

وللقاضي المطالبة بهذه الأعمال إن لم تسند إليه.

وبين الفقهاء اختلاف حول تولية الشئون الآتية:

1- إقامة الحود

2- أموال الصدقات.

3- صلاة الجمعة والعيدين.

فمنهم القائلون بأنها من الأعمال التي يليها، وبنوا حجتهم على أن القاضي كالوصي المطلق، إلا ما اختص به الخليفة نفسه من شئون الجيش وإعداد العدة لقتال البغاة وجباية الخراج.

وقال آخرون بأن هذه الأمور الثلاثة ليست من اختصاص القاضي، وتقوم حجتهم على أن القاضي، وكيل عن الإمام الأعظم، أن يتعدى حدود وكالته.

واستدلوا فيما ذهبوا إليه بفعل الخليفة عمر رضي الله عنه فقد نهى الولاة من تنفيذ حكم الإعدام على أحد إلا بعد مشاورته وموافقته. وقاسوا القضاة على الولاة.

ومن الفقهاء من جعل العادة والعرف فيصلًا في هذا الأمر وأن اختلاف الأزمنة والأمكنة والأعراف خليق بأن يحدث نوعًا من وجهات النظر المتقابلة في إسناد هذه الأمور؛ لأنها من الأمور التي يصح فيها الخلاف.

والذي نراه في ترجيح أحد الرأيين على الآخر، أن القاضي وكيل عن الإمام فليس له أن يتعدى حدود وكالته، ويتجاوز الاختصاصات التي حددت له في كتاب تعيينه أو كانت معروفة بحسب ما جرى به العرف في مصر من الأمصار أو إقليم من الأقاليم. وليس للقاضي أن ينازع في هذه الشئون الخليفة أو الوالي، وإلا لنشأ صراع بين السلطتين القضائية والتنفيذية، وضرره أوضح من أن تضرب له الأمثلة أو تساق له البراهين.

مكان القضاء (۹)

اختلف الفقهاء في مكان القضاء، أيكون بالمسجد أم بدار القاضي. والذين رأوا عقد القاضي مجلسه في المسجد استندوا على فعله   وإلى سهولة التعرف على المسجد دون منزل القاضي، واحترزوا من دخول الحيض وأهل الذمة المسجد، فقالوا: يعقد القاضي مجلسه حينئذ برحبة المسجد.

وذهب آخرون إلى كراهة اتخاذ المسجد محكمة وعللوا ذلك بأن المكان الذي يتخذ لتردد الخصوم على اختلاف أديانهم وأحوالهم، هو الأولى من غيره، واتخاذ المسجد للقضاء يحول دون دخول الحيض وأهل الديانات الأخرى، مما يضطر معه القاضي إلى عقد مجلسه في رحبة المسجد.

على أن التخاصم يؤدي إلى اللغط الذي ينبغي تنزيه المساجد عنه، ولهؤلاء حجة بما سنَّه عمر ابن عبد العزيز (رضي الله عنه) فهو أول من منع عقد مجالس القضاء فيها.

وما تعارفت عليه الدول في عصرنا الحاضر من تخصيص دور للقضاء، يغنينا عن المضي في ذكر تفاصيل هذا الخلاف، وهذه سنة التطور التي لا محيص عنها، فكثير من شئوننا التي يقرها الإسلام لم يكن على النحو الذي نعرفه الآن كنظم الجيوش والجامعات مثلًا.

وأفراد القضاء بدور خاصة يمكن المتنازعين على اختلافهم من غشيانها، ويحول بين المسجد وبين ما يمكن أن يتعرض له من لغط وقذارة.

المدعي أو المقضي له (۱۰)

قد يكون المدعي من ذوي القرابة للقاضي وقد لا يكون ولا خلاف في جواز حكم القاضي لمن ليست له قرابة به، ممن يجوز شهادته له. واختلفوا في حكمه لأقاربه الذين لا تجوز شهادته لهم، فمن فقهاء المذاهب من أجاز ومنهم من منع، ومنهم من فرق بين قاض معروف بوقوفه إلى جانب الحق حيث كان، فيجوز له الحكم لأقربائه، وبين غيره فلا يجوز له ذلك.

وبين الفقهاء اتفاق على أنه لا يحكم لزوجته أو ولده، أو يتيمه الذي تحت كفالته.

وكما يمنع من الحكم لأقربائه الذين يظن به الميل لهم لقرابتهم، يمنع من أداء الشهادة لهم أمام غيره من القضاة ممن يقلون عنه رتبة، لا أمام من فوقه من القضاة، وهذا مذهب المدونة.

المدعى عليه (۱۱)

هو من ترفع ضده دعوى، ولا يخلو أمره من حالتين، أن يصدر الحكم ببراءته أو بإدانته فيكون محكومًا عليه، وهو من ثبت عليه الحق بإقراره -إن كان يصح إقراره – أو بغيره من وسائل الإثبات الأخرى، كالشهادة عليه وعجزه عن دفعها، أو للبينة، وتغيبه عن جلسات المحاكمة بعد إعلانه وكان تغيبه دون عذر.

وقد يكون حاضرًا أو غائبًا، وقد يكون مسلمًا أو غير مسلم. ولا خلاف في حكم القاضي على الغائب وغير المسلم. واستدل المانعون الحكم المسلم الحاضر، ولكنهم اختلفوا في الحكم على الغائب ومنهم الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) بقوله : «لا تقضي لأحد الخصمين حتى تسمع من الآخر» والراجح يكون على الغائب، ولكن بعد إعلانه والأعذار إليه، على أن تسجل أسماء الشهود الذين شهدوا ضده لتكون له الحجة عليهم.

واختلفت كلمتهم حول الحكم على أهل الذمة، فمنهم من منع إلا إذا رفعوا أمرهم إلينا ومنهم من خير القاضي، ولكل فريق حجته.

فحجة من رأى عدم الحكم عليهم إلا إذا تحاكموا إلينا قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (المائدة: ٤٢). واستدل من أوجب الحكم عليهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (المائدة: ٤٩) وقالوا: إن هذه الآية ناسخة لآية التخيير.

أما القائلون بالتخيير فدليلهم قوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ (المائدة:42). والراجح ما ذهب إليه ابن عطية ورواه عنه أبو حيان من أن حاكم المسلمين يحكم على أهل الذمة في دعاوى المظالم، أما الدعاوى التي لا تظالم فيها فهي التي يكون الحاكم مخيرًا فيها، وإذا ارتكبوا جرائم حوكموا دون مشورة أساقفتهم ورهبانهم.

والمدعى عليه قد يكون صغيرًا محجورًا عليه، أو سفيهًا، أو ورثة والدعوي في مال مورثهم.

أنواع التعادي (۱۲)

الدعوى: «إضافة الإنسان إلى نفسه استحقاق شيء في يد غيره أو في ذمته».

والدعاوى قسمان، ما يسمعه القاضي وما لا يسمعه، وتحت كل قسم أنواع، أما أنواع القسم الأول فهي:

1- ما يسمعه القاضي ويمكن المدعي من إقامة دعواه، ولا يلزم المدعى عليه بالجواب، وهي الدعاوى على الصغير والسفيه.

2- ما يسمعه القاضي ويمنع المدعي من إقامة البيئة على صحة دعواه، ويرى رأيه فيها، كالدعوى على من تسور على مال غائب أو قريب لرافع الدعوى دون توكيل من الغائب.

3- ما يسمعه القاضي، ولا يلزم المدعى عليه الجواب إلا بشروط.

 كدعوى الرجل العقار في يد من هو حائزه، فلا يلزم المدعى عليه الجواب إلا بشروط مذكورة في مواضعها من مراجع الفقه.

4- ما يسمعه ويمكن المدعي من إثبات دعواه ولا يحكم له بموجب الشهادة. ومثاله ادعى شخص أن مفقودًا أوصى له؛ لأنه لا يجب له شيء إلا بعد موت المفقود والتحقق منه.

5- ما يسمعه القاضي ويمكن المدعي من إثبات دعواه. ويلزم المدعى عليه بالجواب، وهي الدعوى الصحيحة المكتملة الشروط.

وأما أنواع القسم الثاني فهي:

1- ما لا يسمعه القاضي، ولا يلزم المدعي بسبب دعواه شيئًا، كالدعاوى التي يكذبها العرف والعادة.

2- ما لا يسمعه القاضي، وله أن يؤدب المدعي، وذلك كالدعوى على من عرف بالتقوى والتلفظ بما لا يليق به.

3- ما لا يسمعه القاضي ولا يمكن المدعي من إقامة دعواه. مثاله: من ادعى عليه أنه تسلم وديعة فأنكرها، فأقيمت عليه البينة، فادعى ردها، وأراد أن يقيم البينة، فهذا لا تسمع دعواه ويغرم ما استودع؟

الاستماع لطرفي النزاع (۱۳)

مما ورد في وجوب الاستماع إلى طرفي النزاع قبل إصدار الحكم قوله عليه الصلاة والسلام، لعلى كرم الله وجهه عند ما بعثه إلى اليمن قاضيًا: «إن الله سيهدى قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقض حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء».

قال على: فما زلت قاضيًا، وما شككت في قضاء بعد، وقد صار هذا أصلا من أصول الإجراءات القضائية فيما بعد، ألا يصدر القاضي حكمًا في قضية إلا بعد الاستماع إلى حجة كلا طرفي النزاع.

البقية في العدد القادم

الرابط المختصر :