العنوان نظام الحكم الإسلامي لا يناصر الدكتاتورية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 71
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
من الخطأ الشعور بأن الذين يطالبون
بتطبيق الشريعة الإسلامية واختيار الإسلام نهجًا للحكم والقضاء في شؤون الحياة أنهم
يؤيدون «الدكتاتورية» بشكل من الأشكال ويفضلون الاستبداد في ممارسة السلطة.
إن مصدر هذا الشعور هو عدم الإدراك
لطبيعة نظام الحكم الإسلامي الأمثل في صورته الشاملة وإلا فهو النهج العادل الوحيد
الذي يضمن الحرية والكرامة للإنسان ويحقق التكافل الاجتماعي بين الطبقات المختلفة بشكل
مثالي.
ويشهد الواقع أن الشعارات: الوضعية
من اليمين إلى اليسار، ومن الرأسمالية إلى الاشتراكية وما يقال عن ثورة الجماهير البراقة
لم تكن إلا وسيلة لتخدير الشعوب واستعباد الناس وإرساء دعائم الأحكام المستبدة تحت
ستار حكم الجماهير وإن اختلفت التسميات بين الرأسمالية والشيوعية غير أنهما تلتقيان
على الشره والنهامة وسلب حرية الإنسان والخداع للشعوب، ورحم الله الشاعر الحكيم محمد
إقبال الذي يقول: إن الحياة عند الشيوعية «خروج» وعند الطرف المقابل «خراج» والإنسان
البائس بين هذين الحجرين زجاج، ففي الدول الاشتراكية يكون الحكم دائرًا بين أعضاء مجلس
قيادة الثورة والشعب يعاني من الضغط والاضطهاد وفي النظم الغربية تحكم ٣٠% أو ٤٠% من
الأصوات التي تجمع بإغراءات مختلفة ويبقى الفارق واضحًا بين مواطن ومواطن وبين بشر
وآخر على أساس العرق واللون واللغة وتستهان كرامة الإنسان.
أما نظام الحكم الإسلامي فهو يهتم
قبل كل شيء بالمواصفات التي يجب أن تتوافر في الشخص المرشح للحكم ويجعل الأمر بين المسلمين،
ويقيد صلاحيات الحاكم بالتزام أوامر الشارع الحكيم ولا دخل فيه للأهواء والنزعات الإنسانية
ويعطى أهل الحل والعقد حق حسابه إذا انحرف عن الخط أو خان مصالح الأمة، ويشكل أهل الحل
والعقد عصارة الشعب من ذوي العلم والخبرة والاختصاص، فلا تقوم السلطة في نظام الحكم
الاسلامي بإثارة عواطف الجماهير لتحقيق مصالح شخصية ولا تنتهي بالانتفاضة الشعبية العشوائية
أو الثورية الجوفاء التي لا هدف وراءها، ومن هنا لا مجال فيه للمغامرات العسكرية وغيرها
من أجل الحصول على كرسي الحكم والفوز بالسلطة بالإغراءات وأساليب الدعاية الرخيصة،
بل إن الحاكم المسلم ينطلق من وازع ديني وأخلاقي، ويرى لزامًا عليه منذ انتخابه توفير
الأمن وتحقيق العدل في المجتمع ويشعر بالمسؤولية نحو الأمانة التي وسدت إليه ويرى أن
أي تهاون في شأنها أو تقصير في أدائها تكون جريمة لدى الشعب وإثما أمام الله يوديه
الى الوزر في الدنيا والآخرة.
وإن مبادئ الإسلام ووجوب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وحق مساءلة الحاكم من الأمور الاساسية التي تميز الحكم
الإسلامي عن الدكتاتورية الشيوعية أو الرأسمالية وقد كان نزول القرآن الكريم بشرى للملوك
وحياة للصعلوك ونعيًا لكافة أنواع الاستبداد والتسخير الظالم، وقررت الشريعة الإسلامية
بنصوص صريحة نظرية المساواة وفرضتها فرضا يقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13) ويقول الرسول- صلى الله
عليه وسلم: «الناس
سواسية کأسنان المشط الواحد لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»[1]، ويؤكد هذا المعنى في قوله: «إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم لأن الناس من آدم
وآدم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم، فلا فضل لفرد على فرد ولا لجنس على جنس ولا
للون على لون»[2]. ولم تصل الأنظمة الوضعية إلى هذه الدرجة من المساواة.
فنظام الحكم الإسلامي طراز فريد
من نوعه، حيث إن التشريع فيه لله وحده الذي تولى بيان ما لا يتغير من الأحكام وهدى
إلى مجمل القضايا التي تكون خاضعة لظروف الزمان والمكان والأشخاص في نصوص عامة مرنة
تناسب مع الشريعة التي لا تقبل التعديل والتبديل وتبقى خالدة إلى يوم القيامة وفتح
المجال للاستنباط والاجتهاد في القضايا المستجدة التي لا نص فيها في ضوء القواعد الكلية
المحددة ووضع في مقام المسؤولية كلًّا من الراعي والرعية وفرض الرقابة الدائمة على
الجميع. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
وإن رئيس الدولة في نظام الحكم
الإسلامي يكون متساويًا في القانون مع رعيته ويستحق البقاء مادام يقوم بواجباته ويجب
على المحكومين الطاعة والمناصرة له ويعتبر الخروج عليه بغي وفتنة يجب إخماد نارها ولو
بالقوة، ومن هذا المنطلق كان مما قاله أبوبكر- رضي الله عنه- في أول خطبة خطبها بعد
توليه الخلافة: «إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني».
ومن خصائص التصور الإسلامي للحكم
تحقيق العدل في المجتمع وتأييد الحق دون مناصرة الباطل ومسايرة الرغبة الشعبية، ومنح
الحرية لا فتح باب الإباحية، والعمل على مبدأ المساواة في القانون بين القوى والضعيف
يقول الله- سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء:58).
- ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾
(الأعراف:29).
- ﴿وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: 152).
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة:8).
ومادامت هذه المبادئ السامية هي
رائدة التيار الإسلامي المعاصر فلا معنى إذن للقول بأنه يناصر الدكتاتورية، كأسلوب
للحكم إذ إن السياسة إذا كانت منفصلة عن الدين فلا يبقى سوى الخراب والدمار في نظر
الإسلام سواء كانت تحت ستار أي شكل من أشكال الدكتاتورية أو الاشتراكية فكلها من ألاعيب
السياسة العالمية المعادية للدين والأخلاق والآداب وإن كان شر بعضها فوق بعض ولا نجاة
من أوزار تلك الأنظمة إلا بالعودة إلى الدين الإسلامي الحنيف والحكم الإسلامي العادل.
والله هو ولي التوفيق.
[1] نص الحديث: «لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا
لأبيضَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أبيضَ - : إلَّا بالتَّقوَى، النَّاسُ من آدمَ،
وآدمُ من ترابٍ».
[2] تصويب: نص الحديث «إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية
وتعظمها بالآباء الناس من آدم، وآدم خلق من تراب ثم تلا رسول الله ص: «يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم...»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل