; نستودعك الله.. يا مسجدنا! «1 من 2» | مجلة المجتمع

العنوان نستودعك الله.. يا مسجدنا! «1 من 2»

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 99

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

يوم أتيت «مدريد» أول مرة.. منذ ثلاثة عشر عامًا، وبعد خمسة أعوام كنا خلالها الأسرة الوحيدة بين مجمل مرتادي مسجد «عمر بن الخطاب» في غرناطة، وكلهم من الشبيبة الطلابية، نزلت مدريد فكانت بالنسبة لي واحة للأمل، إذ وجدت فيها جاليات إسلامية صغيرة -في حينها- قد تجمعت حول مسجدين؛ أحدهما في شارع «فرانكو رودريفث»، حيث اتخذ الناس من بيت هناك جمعية ومدرسة صغيرة، ومجزرة يباع فيها اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية، وأما الآخر فيقع قرب محطة للمترو تدعى محطة «إجليسياس» هو مقر «المركز الإسلامي» الذي كان أول تجمع اسلامي عرف في إسبانيا.

ولعله من الصدقة والمفارقة أن تكون الترجمة اللغوية لاسم هذه المحطة الشهيرة كلمة «كنائس».. فكان ابني يقول لي: «متى سنذهب إلى درس القرآن في جامع الكنائس!».. وما كان ذلك إلا من مفارقات الأمور.. ولم أستطع اصطحاب «عبد الرحمن» إلى درس القرآن -الذي كانت تديره فتيات الجيل الثاني من بنات رواد ذلك المسجد- أكثر من مرتين ضقت فيهما كليهما على الرغم من أن أحد الإخوة كان قد تبرع أن يقودنا إلى هناك، على أن أتبعه بالسيارة لأحفظ الطريق.. ولكن تبين وبما لا يقبل الشك أن حاسة إدراك «خرائط الشوارع» معطلة تمامًا في دماغي!

وما هي إلا سنوات، ومع تزايد أعداد المسلمين المهاجرين في «مدريد» حتى انتقلت الجمعية الإسلامية إلى مقر جديد، كانت قد تبرعت بأرضه السفارة السعودية في مدريد، وبني كذلك بتبرعات المخلصين من أبناء دول الخليج العربي، وارتفعت هناك بالقرب من شارع «برايو مورييو» أول «مئذنة» عرفتها «مدريد» منذ قرون، وازدان مبنى الجمعية بمسجد جامع أطلق عليه مسجد «أبو بكر الصديق»، وألحقت به مدرسة لنهاية الأسبوع -السبت والأحد- مستقلة بصفوفها وإدارتها، وما زالت -على الرغم من تضاعف عدد طلابها إلى عشرة أضعاف- تدعى مدرسة «أبو معاذ»، وهو الأخ الذي كان قد وضع نواتها يوم كان المسجد بيتًا متواضعًا في شارع «فرانكو رودريفث»، كما ألحقت بالمسجد صالة للنشاطات، وعيادة، وروضة للأطفال قمنا بتأسيسها وجهازها بتبرع كانت قد قدمته أخت من السعودية لم أعرف اسمها، ولكنها كانت تبذل العطاء بعد العطاء دون تردد ولا سؤال.

كذلك فقد جعلت في كل طبقة من طبقات البناء الجديد مرافق لتسهيل الوضوء على أولئك الذين كانوا يتوافدون إلى مطعم الجمعية ودكانها ليشتروا الفول والطعمية، واللحم والجبن و«المكدوس الشامي» المحفوظ في أرطال من الملح، وليشربوا «الشاي المغربي الأخضر» المعطر بالياسمين والنعناع، والمحلى بعشرة ملاعق سكر لكل كوب منه، وليتمتعوا بأكل «البسبوسة المصرية»، وهم يرقبون «أبو رشيد» الأخ الذي كان وما زال معلمًا رئيسًا من معالم ذلك المسجد، يصلي تارة إمامًا، وأخرى يرعى النباتات والأعشاب على مدخل باب الجمعية، وثالثة يسعى فيها على الأرامل والأيتام، وكأنه أبو الجميع وأخو الجميع، ومحل لهفة كل ملهوف ومضطر، عدا تلك النشاطات اللطيفة التي كانت تقوم بها زوجته الإسبانية المسلمة بين الأولاد والبنات في الأعياد والمناسبات.

وبين مسجد «المركز الإسلامي»، و«مسجد أبي بكر الصديق» كان الحريصون من المسلمين يجدون راحة ومرفأ أمان يلجئون إليه بعد الحين والحين لإقامة الصلاة، والاجتماع بإخوانهم في بلد أصبح المسجد فيها مركزًا حضاريًّا، ثقافيًّا، اجتماعيًّا، عدا كونه دار عبادة، وصلة بالله خوفًا من انزلاق المرء في لجة الحياة اللاهثة الغربية في مدينة عجيبة هائلة كمدريد.

لقد عاد المسجد بنا في مدريد إلى مهمته الأصلية في حياة المسلمين، فأصبح الملتقى الذي نعيش فيه الموت، ونحيا فيه الحياة، وأصبح مسرحًا لأفراحنا واتراحنا، حين قضينا شطرًا من حياتنا نتلمس السلام في أفيائه يومًا بعد يوم.. رجالًا ونساء وأطفالًا.

ولم تلبث مدريد أن ازدانت وللمرة الثانية في تاريخها الحديث بمئذنة جديدة، شمخت في سمائها، وركضت فوق بناء «المركز الإسلامي السعودي» الضخم الذي بني بتصميم حديث على مشارف خط السير السريع والشهير في مدريد، والذي يسمى «م- ۳۰»، فزادت واحات الأمان في العاصمة الإسبانية واحدة، في هذه الغابة من السرعة والجنون واللهاث خلف الحداثة والتشبث بالتاريخ، وزحف تلوث البيئة وتوحش الحضارة.

وكما أن لساني اعتاد النقد اللاذع أحيانًا، وتسجيل الأخطاء، فإن من الإنصاف أن أذكر أنني ذهلت عندما دخلت هذا الصرح الحضاري الكبير الذي فاقت كلفة بنائه كل ما يمكن توقعه.. لـم تذهلني دقة البناء الرائع -وإن لم يحسن المهندس الذي صمعه الاستفادة من كل المساحات الموزعة في أرجائه- ولا النظافة منقطعة النظير في أطرافه، ولا النظام والأمر المستتبين في أجنحته، لم يذهلني ذلك كله فحسب؛ ولكن الذي أذهلني بشكل رئيس قدرة القائمين عليه على ضبط المعادلة الصعبة والمعقدة في حياتنا، في المراوحة بين رضا الجهات الرسمية، ورضا الشرائح الشعبية!

وما لبث المركز السعودي أن افتتح مدرسة رسمية مزدوجة المناهج سماها «أم القرى» قام مديرها الأول بتثبيت دعائم وجودها في ساحة الجالية في مدريد، بين أخذ ورد، وقيل وقال، وكثرة اعتراض ومشكلات، وأذى وسؤال! شأن كل الأعمال الجليلة في بدايتها، وبخاصة في هذه البلاد، حيث اجتمع الناس من كل حدب وصوب وقد حملوا جميعًا من بلادهم أمراضهم النفسية والفكرية والسلوكية.

وما هو إلا وقت قصير.. حتى اجتمع الناس إلى ذلك المسجد.. يسمعون خطب إمامه «الشيخ منير» ومواعظه، ويتقلبون في نعيم لياليه الرمضانية.. التي كان يحييها أولئك المقرئون الذين كانوا يفدون إليه كل رمضان من المملكة فيصلون بالناس التراويح بتلك القراءة الحرمية والتي تفيض لسماعها العيون خشوعًا.. وتذوب لها القلوب حنينًا.

الرابط المختصر :