العنوان نساء مجاهدات في العصر الحديث.. فاطمة فضل.. زوجة في بيت سياسي
الكاتب مريم السيد هنداوي
تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1852
نشر في الصفحة 42
السبت 16-مايو-2009
• نشأت في بيئة طاهرة لوالد محام متدين ربى أولاده على المعاني السامية والأخلاق الرفيعة
• من أقوالها:
• كل ما يمر بنا من حبس الزوج هو قدر وخير ولا بد للمؤمن أن يرضى به
• أستشعر رعاية الله ومعيته في كل المتاعب والصعاب التي تواجهنا فتنقلب المحن إلى منح
• لا أخفي الحقيقة عن أبنائي فهذا طريق أبيهم يجب أن يؤمنوا به ويشاركوه أخطاره
• أريد أن يكون ابني فاعلًا كأبيه مؤمنًا بمبادئه مشاركًا في صناعة مشروع الحرية
نلتقي هذه المرة؛ لنقطف زهرة من بستان رواه الشهداء على مر العصور بدمائهم، فانبثقت زهرة من نور لتملأ الدنيا بعبيرها، نلتقي في هذه الحلقة مع زوجة مجاهد تكبد العناء سنين عددًا في سجون الظلم، فما زادته إلا إيمانًا وتسليمًا، نلتقي مع السيدة الفاضلة فاطمة فضل زوجة الطبيب والسياسي القيادي بجماعة الإخوان الدكتور عصام العريان.
منذ شهور ونحن نلح على السيدة الفاضلة في الكتابة غير أنها كانت تأبي؛ لعلة يعلمها الجميع أنها وغيرها الكثير من زوجات الإخوان الموجودين، يرفضن الكتابة عنهن، ويحتسبن دورهن عند الله، غير أن توفيق الله كان معنا إذ وافقت هذه السيدة على لقائنا، فذهبنا إليها في منزلها الكائن في شارع خاتم المرسلين بمنطقة الهرم بمحافظة الجيزة، ومع أول خطوة داخل المنزل، وجدت سكينة وطمأنينة تتملكاني بعد هيبة الموقف الذي كنت فيه، وعلى الرغم من هيبتها، وأنها زوجة أحد قيادات الإخوان، الذين لا نزكيهم على الله، فإنني لا أنسى استقبالها لي.
فقد أجلستني بجوارها، وأخذت تذهب من رهبتي حتى شعرت بالهدوء، فحادثتها في ما أنا ذاهبة إليه.. فضحكت، ثم وافقت على ألا أسجل شيئًا إلا ما تستوعبه ذاكرتي، فوافقت ولبيت طلبها، ثم دخل علينا الدكتور عصام فقوى من عزمي؛ لتضامنه معي.
هي فاطمة فضل، نشأت في بيت محام متدين، ربى أولاده على المعاني السامية والأخلاق الرفيعة، نشأت في ظل هذه البيئة الطاهرة، ولم تكن وحيدة أبويها، فلها من الإخوة أربعة، ولها أخت واحدة، هي زوجة الدكتور عبد الناصر صقر، أحد قيادات الإخوان في محافظة الجيزة.
ولدت بمحافظة الجيزة، والتحقت بمراحل التعليم المختلفة حتى حصلت على بكالوريوس التجارة، غير أنها لم تكتف بذلك، فانتسبت إلى جامعة الأزهر، وحصلت على الليسانس من كلية أصول الدين.
زواج مبارك: ولزواجها من الدكتور عصام العريان قصة تدل على توفيق الله لعباده الصالحين، حيث ظلت تدعو الله أن يرزقها الزوج الصالح، واستجاب الله لدعائها، حيث أعلنت الجامعة عن رحلة لأداء العمرة عام ۱۹۷۷ م، وكانت قيمة الاشتراك ٥٠ جنيهًا، فسارعت أختها وأخوها محرم بالاشتراك، غير أنها لم تكن تمتلك هذا المبلغ، فلجأت إلى الله تدعوه وتبكي بين يديه أن ييسر لها الخروج لهذه الرحلة، وكانت المفاجأة مع قدوم إحدى زميلاتها تخبرها بأن الجامعة اختارتهما؛ ليكونا ضمن طاقم الإشراف على رحلة العمرة، فتملكتها السعادة والسرور لهذا الفضل، وكان من ضمن المشرفات على الرحلة أيضًا الدكتورة سميحة زوجة الدكتور سناء أبو زيد - عليهما رحمة الله- وأثناء تواجدها في العمرة ظلت تدعو الله أن يرزقها الزوج الصالح ( ۳ ).
وعادوا من الرحلة، وفي هذه الأثناء كان الدكتور عصام العريان قد تخرج في كلية الطب، وكان في الامتياز، وكان يبحث عن زوجة، فسأل بعض الإخوة عن عروس، فرشحوا له الأستاذة فاطمة، وتقدم لها غير أن والدها طلب منه ألف جنيه مهرًا، وخمسمائة جنيه شبكة فقال له الدكتور عصام ليس معي سوى ثمانمائة جنيه فرضي الوالد بها، وتم عقد القرآن في شهر مارس عام ۱۹۷۸ م.
لمحة عن الزوج
والدكتور العريان، الذي أصبح اليوم وجهًا إعلاميًا بارزًا لجماعة الإخوان المسلمين، والمحامي المتمكن في الدفاع عن كينونة الجماعة عبر الفضائيات، اسمه عصام الدين محمد حسين العريان ولد في ٢٨ / ٤ / ١٩٥٤ م، بقرية ناهيا التابعة لمحافظة الجيزة، وتلقى فيها تعليمه حتى حصل على بكالوريوس الطب والجراحة من كلية طب القصر العيني بجامعة القاهرة بتقدير جيد جدًا عام ۱۹۷۷ م، وتعرف على دعوة الإخوان خلال فترة الجامعة، وتحديدًا في عام ١٩٧٤ م(3).
وقد تخصص في أمراض الدم والتحاليل الطبية، وحصل على درجة الماجستير في الباثولوجيا الإكلينيكية، وسجل لرسالة الدكتوراه في الطب بجامعة القاهرة، وأعيقت بسبب الاعتقال المتكرر والمضايقات الأمنية، كما حصل على ليسانس الآداب من قسم التاريخ بجامعة القاهرة عام ۲۰۰۰ م، وليسانس الحقوق من جامعة القاهرة أيضًا، وليسانس الشريعة والقانون من جامعة الأزهر، وحاصل على الإجازة في علوم تجويد القرآن الكريم.
كان مسؤولًا عن اتحاد الطلاب في جامعة القاهرة، وأمين اللجنة الثقافية باتحاد الطلاب في كلية الطب بالقاهرة خلال الفترة من ۱۹۷۲ - ۱۹۷۷ م.
وانتخب عضوًا في مجلس نقابة الأطباء منذ عام ١٩٨٦ حتى الآن، وانتخب عضوًا في مجلس الشعب المصري (البرلمان) في الفصل التشريعي ( ۱۹۸۷ - ۱۹۹۰ ) عن دائرة إمبابة، وكان أصغر عضو بمجلس الشعب المصري حينها، وهو المجلس الذي تم حله قبل استكمال مدته الدستورية، وهو الآن مسؤول القسم السياسي لجماعة الإخوان المسلمين بمصر ( ٤ )
وقد اعتقل الدكتور العريان ضمن من تم اعتقالهم في عام ۱۹۸۱ م، وأفرج عنه في عام ۱۹۸۲ م، ثم اعتقل عام ١٩٩٥ م وقدم للمحاكمة العسكرية هو وكوكبة من إخوانه، وحكمت عليه المحكمة وبعض الإخوان بالسجن لمدة 5 سنوات، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى صباح الجمعة ٦ / ٥ / ٢٠٠٥ م، هو والأستاذ ياسر عبده «مدير بنك»، والدكتور عمرو دراج الأستاذ بجامعة القاهرة، والدكتور حمدي شاهين الأستاذ المساعد بكلية دار العلوم جامعة القاهرة بعد اقتحام منزل العريان، وأفرج عنه يوم السبت ١٥ / ١٠ / ٢٠٠٥ م.
ثم اعتقل هو والدكتور محمد مرسي يوم ٢٠٠٦/٥/١٨ م، وأفرج عنهما يوم السبت الموافق ٩ / ١٢ / ٢٠٠٦ م، ثم اعتقل يوم ۱۷ / ۸ / ۲۰۰۷ م، وأفرج عنه يوم الجمعة5/10/2007م!!.
هذا بالطبع غير المنع من السفر، فقد منع من السفر إلى دولة البحرين يوم ٢٢ / ٣ / ٢٠٠٦ م لحضور المؤتمر العام لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، كما منع من السفر يوم ١٩ / ١٢ / ٢٠٠٦ م، لحضور المؤتمر القومي الإسلامي الذي عقد في العاصمة القطرية الدوحة، ومنع أيضًا من السفر يوم ١٥ / ٥ / ٢٠٠٧ م، حيث كان من المقرر أن يتجه إلى العاصمة النرويجية أوسلو؛ لحضور الدورة الجديدة لمنتدى مدريد لحوار الحضارات كما منع من السفر إلى الدوحة يوم ١٤ / ٧ / ۲۰۰٧ م ؛ لحضور ملتقى الدكتور القرضاوي (5)
وقد تم زواج الدكتور العريان من السيدة فاطمة فضل عن طريق الدكتور سناء أبو زيد وزوجته الدكتورة سميحة -عليهما رحمة الله - حيث كان الدكتور سناء أبو زيد والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح يسبقانه في الدراسة بكلية الطب بعام واحد، وكان الدكتور حلمي الجزار بعده بعامين.
وكانت ثمرة هذا الزواج أربعة أولاد، هم سارة التي ولدت عام ١٩٧٩ م، ثم إبراهيم، الذي حصل على بكالوريوس الطب، ثم سمية، ثم أسماء.
مواقف حية
منذ البداية تفهمت الزوجة طبيعة زوجها، والوضع الذي يحياه، فسخرت كل طاقتها لمعاونته على حياته الدعوية، وعلى مواجهة المحن، فهو كثير التغيب إما بسبب الاعتقالات المتكررة أو اللقاءات الدعوية أو السفر، ومع ذلك فقد ربت أبناءها على حب الدعوة والعمل لها حيث إن أغلبهم يسير على خطى والدهم، وسط دعوة الإخوان المسلمين، فلم تشعرهم بغياب والدهم في يوم من الأيام.
وفي حوار أجري معها يدل على ترسخ هذه المعاني الإيمانية بداخلها، قالت:«كل ما يفعله الله لنا هو الخير، وكل ما يمر بنا من حبس الزوج هو قدر من عند الله، وهو خير، ولا بد للإنسان المؤمن أن يستسلم ويرضى بهذا القدر، والرضا معناه عدم الشكوى أو الاستنكار لقضاء الله وقدره، وكل ما يمر من مصاعب للإنسان في السجن شيء طبيعي، مثل الإنسان المريض الذي يشرب الدواء المر، فهو راض بالمرض ولكن الدواء مر، وهناك بعض المصاعب والمتاعب التي تقابلنا، ولكن عندما يقابل الإنسان هذه المتاعب بارتياح ورضا تنقلب هذه المحن إلى منح، فأنا أستشعر رعاية الله ومعيته، والحقيقة لا أستطيع أن أصف لك مشاعري، فمهما شكرت الله عز وجل على رحمته بنا ولطفه بنا ورعايته لنا، فلن أستطيع أن أصف لك؛ لأن الله تعالى هو أرحم الراحمين.
وعن المتاعب التي تواجهها أثناء اعتقال الزوج، تقول:«المتاعب تتمثل في تحمل عبء الأولاد وحدي، فوجود الزوج يخفف عني موضوع تربية الأولاد، وهناك متاعب أخرى بسيطة، تتمثل في الزيارة والانتقال ولا تختلف متاعب الزيارة في رمضان عن غيره من الشهور، وهي في الحقيقة متاعب صغيرة لا تُذكر، خاصة أننا اعتدنا عليها فأصبحت لا تمثل لنا متاعب، بل أصبحت من الأمور الطبيعية، والإنسان عندما يستشعر أن وراء هذه المتاعب أجرًا من الله ورضًا من الله، فإنها تتحول إلى أشياء مريحة ( 6 ).
وتؤكد على هذه المعاني، فتقول: أريد أن أتحدث عن وجه آخر يمكن أن يخلقه هذا التعامل الشاذ من السلطة مع مواطنيها، فالدكتور عصام سبق أن اعتقل مرتين: أولاهما عام، ۱۹۸۱ م، وثانيتهما عام ١٩٩٥ م، فهل غيّر هذا من مواقفنا؟! وهل أخافنا؟! أو حتى أثر على أولادنا.. بأن أخذوا اتجاهًا معاكسًا بهدف الهروب من قمع السلطة؟!
إن شيئًا من هذا لم يحدث، وما زلنا كما نحن ثابتين على مبادئنا التي يزداد يقيننا بها كلما رأينا وجه الظلم الكالح، وهو يكسر أبوابنا في همجية حمقاء، ويروع أطفالنا بشيطانية قبيحة، ويعتقل رجالنا في غباء مستحكم، وهو يعلم أنه مهما فعل، فإن سلطانه قد يكون على الجسد فيعتقله..
أما العقل والقلب، فهما ملك لخالقهما، لا يستطيع أحد أن يعتقلهما، وهذا هو ما لا يفهمه الذين يتعاملون بمنطق قوة العضلات والسلاح، دونما أن يدركوا أنَّ معايير القوة في العالم قد تغيرت»!.
وعن تعاملها مع أولادها أثناء اعتقال الوالد، تقول:«أرفض إخفاء الحقيقة عنهم، فهذا هو طريق أبيهم، الذي من المفترض عليهم أن يؤمنوا به ويشاركوه مخاطره، ولهذا فأنا أدفع ابني إلى المشاركة في المظاهرات، ولا أخاف عليه، وأدفعه إلى التعامل مع وسائل الإعلام والتواصل معها ومراسلتها، وأريده أن يكون فاعلًا كأبيه مؤمنا بمبادئه، مشاركًا في صناعة مشروع الحرية، وألا يكون منتظرًا لما سيفعله الآخرون في ذلك المجال؛ ليكون فقط منتظرًا لمشاهده النتائج.
وعن الحالة الاقتصادية وأثرها على البيت أثناء تغيب الزوج، وكيف تواجهها، تقول:«الجانب الاقتصادي مهم جدًا في حياة الداعية وأسرته، وهنا أتوجه إلى الدعاة بأن يسمحوا لزوجاتهم بممارسة أعمال ما ذات عائد مادي كاف حتى لو كان الزوج ميسور الحال؛ لأن قدرة الزوجة على العمل وجلبها دخلًا للبيت يحرر الداعية وهو في معتقله من هم البيت والأولاد، وليس المهم فقط أن تصبح الزوجة قادرة على جلب دخل للبيت في غياب الزوج، وإنما كونها تعمل يجعلها قادرة على إدارة الحالة الاقتصادية للبيت بكفاءة أكثر ودراية أكثر . (7)
ويقول عنها زوجها الدكتور عصام العريان:«الحاجة فاطمة دائمًا تركز على حب الخير وفعله، والعمل مع نساء المنطقة، وإعالة الفقراء، وتعليم النساء أمور دينهن، بل قامت بخير الأدوار وقت أن كنت في المعتقل أثناء المحاكمة العسكرية، حيث كان الأولاد يمرون بمرحلة سنية خطيرة، وهى مرحلة المراهقة، فاستطاعت أن تحتويهم وتعبر بهم هذه المرحلة السنية بخير وسلام.
كما أشعر بأن أخطر دور تقوم به نحوي، هو تذكيري الدائم بالإخلاص، والعمل لله وتذكرني أثناء خروجي بعدم الاغترار بالفضائيات، وعدم الإكثار من الظهور، بالإضافة إلى أنها محبة للقرآن والعلم حتى أنها ما زالت تذهب لتحفظ القرآن، وتراجع حفظها في أحد مكاتب التحفيظ ( ۸ ).
---------------------------------
الهوامش
( ۲۰۱ ) حوار شخصي أجريته مع الحاجة فاطمة يوم ٣٠ / ٤ / ٢۰۰٨ م.
( ۳ ) حوار أجراه الأستاذ عبده مصطفى دسوقي مع الدكتور عصام العريان يوم
٢٠٠٨/ ٥/ ٢٧ م.
( ٤ ) موقع ويكيبيديا.
( ٥ ) موقع إخوان أون لاين
( ٦ ) حوار أجرته الأستاذة تسنيم محمد لموقع إخوان أون لاين مع الحاجة فاطمة يوم ١٢ / ١٠ / ٢٠٠٦ م.
( ۷ ) حوار أجراه موقع إخوان أون لاين مع الحاجة فاطمة يوم ٢٣ / ٠٥ / ٢٠٠٥ م.
( ۸ ) حوار الأستاذ عبده دسوقي مع الدكتور عصام العريان.