العنوان نزار قباني يصدر مرسومًا بإقالة خالد بن الوليد!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 06-ديسمبر-1977
مشاهدات 94
نشر في العدد 377
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 06-ديسمبر-1977
لم يعد اسم الشاعر السوري نزار قباني خافيًا على أحد من قراء الشعر، ولا على جمهرة المثقفين، فقد نشط في المرحلة التي غفا فيها الناس ونفخ فيه روح تضليلي دفع به إلى الناس كي يتألفوا كلامهم ويسمعوه.
والفترة التي شبع فيها نزار من حديثه الخانع وكلامه المتمطي، هي الفترة التي كان ينشد فيها للعالم الإسلامي حياة جديدة تبعث الأمل في ليل الأسى الطويل الذي عاشه، ورزح تحت نير الاستعباد والذل.
وتفرغ نزار منذ أن خط قلمه أول قصيدة للمرأة والحب والجنس، ومنذ أن كان طالبًا كانت قصائده تكتب على هوامش الكتب الدراسية، ولا يخجل وهو يسجل هذا الحدث في قصته مع الشعر عندما يقول: «قصيدتي الشهيرة- نهداك- مثلًا كتبتها على هامش كتاب الشريعة، وحين دخلت الامتحان في نهاية العام كانت علامتي في مادة الشريعة من أردأ العلامات» ص64.
ونزار قباني لم يكتف بأن سجل اسمه على بوابة الزمن في سجل المنبوذين اجتماعيًّا، والمطليين بالقار، فقد عرف أن هذا الباب قد ولجه وما عليه إلا التقدم فيه، ولكن لا بد من صنعة جديدة تدفعه إلى الصدارة.
وتوالت دواوينه تتري، وتلقفتها أيدي المراهقين والمراهقات، وعبثت بها كما تعبث بدمية تلهي الأطفال، حتى أحس نزار أنه قد بلغ شأوًا لم يبلغه ابن أبي ربيعة في زمانه ولكن الأمر لن يعود أيضًا مقالًا أو خطاب إعجاب، فأصر على الدخول في صراع مع أصحاب الفكر الإسلامي؛ لأنه يعرف سلفًا أنه أمر لن يرضي أي مسلم غيور، فبدأ يتحرش في قصائده بالذات العلية، ويحاول أن ينزل باسم الله- العلي الكبير- إلى مستوى قصائده الساقطة، وانتشرت في قصائده هذه الظاهرة، ونال قباني ما نال من هجوم، وكتبت عنه مقالات ومقالات، ولكنه تمادى في هذا الخط؛ لأنه رآه هو الذي يوقظ إحساس الناس نحوه إلى ما أحس بإهمالهم له وتجافيهم عنه، ودأب بين فترة وأخرى ينتقص أمرًا من أمور الإسلام، ويتفنن في عرض أساليبه، واختيار عناوين أشعاره وقصائده.
ولكنه لا ينسى في كل مرة أن يقصد إلى نقطة مهمة ليطغها ويثير عواطف المخلصين لعلهم يتصدون له لينال شهرة بعد خفوت صورته واسمه.
والذي يدهشنا أن وزارة الإعلام التي توالي المجلات والصحف بإنذار، يدعو إلى عدم المساس بأي شخصية عربية حاكمة، لم تضع باعتبارها أن اسم الله- عز وجل- يعلو على كل اسم من أسماء ملوك الأرض وأمرائه وحكامه.
وأذكر أنها أصدرت ذات مرة قرارًا بمنع كتاب له يدعى- أشعار خارجة عن القانون- وكتبت يومها أنه كلام- للاستهلاك المحلي- وفوجئت بالكتاب بعد فترة، وقد رص على رفوف المكتبات تشجيعًا للمطالعة، فقد كان منعه دعاية مقصودة لانتشاره.
وقصيدته العشرون في ديوانه- 100 رسالة حب- التي أثارت ثورة المخلصين ضد هذا النمط من الشعر، وهذا التحدي لله عز وجل، بكل أبعاده لم يكن من أمر إزاء هذا الديوان إلا أن أكثر من نسخة في الأسواق ليطلع الناس على هذا الفحش، وهذه الأقلام الملوثة لن تتعدى على حرمات الله، ولن تنال من قدسية البارئ عز وجل، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وكنت أتوقع أن تقوم الرقابة بمتابعة قراراتها التي لم تحترم، أو لم تهتم بها بعد إصدارها، فإنني أعرف قائمة من الكتب الممنوعة لم يمضي عليها بضعة أيام أو أسابيع إلا وكانت متداولة في السوق.
ونزال قباني الذي نحن بصدده الآن جريء على الله جرأة يعرف أن أي حاكم أرضي لن يحاسبه عليها ما دام لم يمس حرمته أن يتعرض له، أما الله عز وجل فإنه يبلغ عندهم مقدار كرامتهم، تبارك الله رب العالمين، ولذلك فقد طمع نزار في صحبتهم وأعلن:
▪ في بلادي
ممكن أن يكتب الإنسان ضد الله، لا ضد الحكومة فهو قد عرف سلفًا أن الحكومة- أية حكومة- لن ترضى عن انتقاد أحد أو هجومه عليها، وغير ذلك لا يهم.
إن نزارًا الذي وضع هذه القاعدة نصب عينيه لم يقم لمشاعر المسلمين ولا لمعتقداتهم قيمة أو وزن، فقد أهمه أن يرضي نزوته، وأن يشبع غروره، ويكسب إلى جانبه من الأتباع، وينال من الشهر ما يغنيه عن رضى الله عز وجل والدار الآخرة، وفي كل يوم تطالعنا إحدى قصائده، تدفع بجديد إلى قلوب الناس المؤمنة؛ ليبذر فيها بذرة فساد.
وآخر ما قرأنا له قصيدته- مرسوم بإقالة خالد بن الوليد- المنشورة في مجلة الحوادث العدد 1098 الصادر بتاريخ الجمعة 25 تشرين الثاني- نوفمبر- 1977.
ومع أنه استخدم الأسلوب نفسه، فقد ارتضت رقابة الإعلام أن يمر العدد دون حساب أو إشارة أو شطب كلمة.
هي ليست أولى قصائده التي تمر، وتباركها الرقابة، حتى ظننت أن من خلال هذا الاهتمام المتزايد بنشر أشعاره أن أحدًا من المختصين بهذا الجهاز يروج لشعره، وإلا لوقف أحدهم ليقرر أن أمثال هذه الأشعار لا تعرفها بيئتنا، ولا يرتضيها ديننا، ولا يقبلها عرف لدينا ولا تقليد ولا يستسيغها ذوق سليم.
ولن أستعرض قصائد نزار التي أراد الارتقاء إلى عالم الشهرة عن طريقها، فقد سجل وثائق اتهامه في كل دواوينه، وإذا كان قد أعلن في قصة حياته أنه لن يهتم لآراء النقاد والمهاجمين؛ فلأنه قد أمن العقوبة، فإساءة الأدب أصبحت من مستلزمات حياته، وأصبح كلامه من باب الاطمئنان، وهو ينثره هنا وهناك، ويطربه إذا كتب عنه أحد النقاد كلمة؛ لأنه قصد الإثارة- فيما كتب.
وفي هذه القصيدة الأخيرة كما في غيرها، ولم تستفزنا أكثر من استفزاز قصائده الباردة السابقة، ولكن الذي أثار شعورنا هو وقوف الرقابة هذا الموقف الذي يدل على عدم الاكتراث والاهتمام، فالله عز وجل عندما يتولون أمور الرقابة على الصحف لا يهم أن يهاجم أو يكتب عنه ما يكتبه نزار وأحزابه.
ولن نصدق أنها مرت دون انتباه إذا ما قدم هذا الكلام دليل اعتذار، فقد سمح لما هو أشد منها كفرًا وزندقة، ولسنا في عصر البداية عندما كان الرجل الجاد يقف في وجه المنحل، فتثور عليه ثائرة الفسقة وأنصار التقدمية وحملة شعارات الزيف، فيرمونه بكل ما هو قبيح من النعوت والأوصاف، ولكننا في وقت نعرف فيه لغة من نخاطب، وطريقة الخطاب ولا نجهل ما يجهله كاتب ناقد فاسد، أو أديب منحرف، أو شاعر منحل.
وتتحمل رقابة المطبوعات وزر هذا الكفر الصراح، الذي يبتلي به نزار هيئات الحماية الموكلين بدرء أمثال هذه التفاهات عن دين المؤمنين وخلقهم.
وإذا كان لنا أن نتكلم هنا مع جهاز الرقابة فإننا نقول: إن ما تسمحون به من شعر لنزار حيث يباع بأغلى الأسعار، مع ما فيه من أحط الأخلاق لشاعر عرف كيف يصف نفسه، وكيف يترجم ذاته، عندما أراد أن ينقل سريره إلى الشارع، أو يروي قصة عائلته العاشقة تنتحر أخته؛ لأنها لم تستطع أن تتزوج من أحبت، ووالده الذي ينكسر كلوح الزجاج عندما يرى قوام امرأة، ويصف نفسه بأوصاف لا يرضيها أحط مخلوق على وجه الأرض.
إن جهاز الرقابة سمح لشخص واحد أن يشتم حكام الخليج عمومًا، ويطرح شعره في السوق كتبرير واحد فقط لسماحه له بشتم الله عز وجل، هو نزار نفسه الذي سجل في قصائده كل المخازي، وتطلع إلى منطقة الخليج؛ ليرسمها في صورة هزلية ممثلًا حكامها أنهم يبيعون الله في جلسة جنس وطرب، ولا أدري لماذا ارتُضيت هذه القصائد عند الرقابة، والموافقة على نشرها، هل لأنهم موافقون على ما جاء فيها؟ أم هو التعليل الوحيد الذي يقدم على سماحتهم لنشر شعره في ذم بارئ الكون تعالى عما يقول السفهاء علوًّا كبيرًا.
آسف أن أتكلم بهذا الحديث عن رقابة المطبوعات، وأريد أن أتأكد من هذه المعلومات، فما كان هدفي أن أوجه هجومًا لها، وما كان هدفي أن أتعرض للرقابة أو أي جهاز غيره إلا بعد أن فاحت الروائح، وتكلمت الألسن، وأصبح الحديث شائعًا.
آمل أن ترد الرقابة بأسلوب هادئ ومعقول، حول هذا الموضوع بالذات، وسماحها بنشر شعر نزار، والذي كان من المفروض أن تضعه في قائمة الحظر والمنع؛ حماية للأخلاق والآداب، وتنبيهًا للأغرار من مطالعة هذا الهراء السخيف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل