العنوان نرجسية الأغبياء .. وعبرة التاريخ
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 10-فبراير-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 1988
نشر في الصفحة 43
الجمعة 10-فبراير-2012
الضحك على الأغبياء لا يحتاج إلى كبير عناء، واستغلالهم في هدم أنفسهم
وهدم أممهم لا يتطلب كبير جهد والشعوب التي يتصدر فيها هؤلاء تكون أضحوكة في
المجتمعات لأنهم غالبًا ما يكونون كالقطط التي تحاكي صولة الأسود، وكالفئران التي
تطاول شجاعة الفهود، فقد تسمع من ينادي الشرطي الريفي بالكابتن، والصول بسعادة
البيه أو الباشا والتمرجي بالدكتور إلخ، فترى المبجل تتفتح أساريره وينفرج فمه عن ابتسامة
عريضة ويسارع إلى تلبية طلبك وقد يطلب لك فنجانًا من القهوة أما إذا ناديته برتبته
يا عسكري ويا شرطي، أو يا ممرض فالويل لك، ولن تستطيع مهما أيدك القانون وصاحبك
الحق الصريح، أن تنال طلباتك، أو تظفر بحقك، أما إذا تفضلت بنصيحته بأن يراعي
عمله، أو يقوم بإحقاق الحق، أو بأداء ما طلب منه فالويل لك، وقد لا ترجع إلى بيتك
دون قضية تعد على ذات موظف، وإهانة مسؤول أثناء قيامه بعمل رسمي وهذا نفسه ما كان
يفعله الاستعمار، يختار الضعفاء الأغبياء من الموظفين ويسند إليهم الأعمال
الكبيرة، ثم يطلب منهم ما يشاء فيجاب ولو على رقبة الشعوب المسكينة والويل لتلك
الشعوب التي لا تسبح وتحمد والويل والثبور وعظائم الأمور لمن ينصح أو ينتقد أو
يعارض أو يستعصي، وأشر من هؤلاء وأقبح وأدهى وأمر من يؤيدون هذا اللون من التدني
ويساندون هذا العمل الفاضح، ويكونون لهم جوقة، أو كورس، ينغم أعمالهم. ويلحن
أقوالهم، وينشر ويذيع أفعالهم مشفوعة بالثناء والتبجيل.
وقد يخيل إليك في ساعة ترى فيها هذا وفي وقت تطالع فيه ذلك كله، أن
الأرض قد صارت غير الأرض والسماوات، ولكن سرعان ما يأتي التاريخ الذي لا يحابي أحدًا،
فيتحدث بصوت جهوري يسمع الصم ويهدي العمي ومن كان في ضلال كبير.
وأراني أريد أن أقف في التاريخ عند فترة معينة من تاريخ أكبر دولة
عربية، وبين يدي حقبة من كفاح تلك الأمة، وهي فترة غنية بالعظات والعبر فترة
الأربعينيات من القرن العشرين والمكان مصر والاحتلال الإنجليزي يتلاعب بزعماء
الأحزاب، وأختار فترة النقراشي باشا، رئيس وزراء مصر، رئيس حزب السعديين، والذي
قتل في تلك الفترة واتهمت فيه جماعة الإخوان المسلمين، وأنا في الحقيقة أقشعر من
القتل ولغة العنف ولا أؤيدها، ولكنني في الحقيقة كنت أعرف أن هذه الفترة كانت فترة
فورة وطنية، ويستحيل أن يغتال الوطنيون فيها رجًلا من الأمة دون سبب قوي لا يطيقه
ضمير الأمة، ولابد من أغلاط أو أسباب دفعت إلى ذلك، وسأترك التاريخ يتحدث في تلك
الفترة كانت مصر في ذلك الوقت تحت الاحتلال وشعر المحتل بحرج موقفه للأسباب
التالية:
1- خان الإنجليز الأمة العربية بتمكين اليهود من فلسطين فثارت الشعوب
العربية وأحست بالخيانة الإنجليزية، وبإطلاق يد اليهود في فلسطين يقتلون ويهجرون
ويفعلون الأفاعيل.
2- كانت القضية الوطنية ملتهبة والشعب يطالب بالجلاء، ويقود ذلك العمل
الإسلامي ممثلا في الإخوان المسلمين.
3- قام الشعب المصري عن بكرة أبيه يطالب بالجهاد في فلسطين، وقاد الإخوان
ذلك الزخم وطلبوا من حكومة النقراشي، السماح بإدخال أفواج المجاهدين، فرفضت هذ
الطلب وأصرت على عدم السماح بذلك، فتسلل الإخوان إلى فلسطين وجاهدوا مع إخوانهم
جنبا إلى جنب فضح الإستعمار، وكاد اليهود أن يهزموا ويرجعوا إلى بلادهم.
4- حاول الإنجليز فصل السودان عن مصر فزاد الغليان الشعبي.
5- ازدياد النشاط الإسلامي الذي كان مساندًا للشعب وللحكومة ضد
المستعمرين لهذا ولكثير من الأسباب التي أحس المستعمر بها أن الأرض تميد من تحت
قدميه، وأنه قد اختار رجًلا مجروحًا، لا يفهم شيئًا من أمور السياسة بأقوال
الجميع، وكان هذا الرجل هو النقراشي باشا الذي سماه الطلبة السفاح حيث فتح على
المتظاهرين في 9 فبراير عام ١٩٤٦م كوبري عباس على النيل وأمطرهم بالرصاص الحي فمات
۲۸ طالبًا، وجرح ١٦٠ طالبا إصاباتهم خطرة، وسماه الكثيرون بـ "المنحوس"،
ففي عهده ثبت الاحتلال البريطاني أقدامه في مصر، وفي عهده فقدت وحدة مصر والسودان،
وانقطعت آخر الروابط بيننا وبينه، وفي عهده ضاعت فلسطين وسلمت لليهود وتأسست
دولتهم على أرضها، وجلل الجيش المصري الباسل بالخزي والعار والهزائم التي لا دخل
له فيها، وفي عهده قبض على المجاهدين في فلسطين من أرض المعركة وأودعوا السجون،
ولم يقتصر الأمر على هذا، بل نقد كل ما أملي عليه من الملك ومن المستعمرين بكل أمانة
وجد، وقد ظهرت براعة المتآمرين على الأمة في اختيار من يقوم بمهمة قتل روح الأمة ونخوتها،
فأصدر أمرًا عسكريا تحت الأحكام العرفية بحل جماعة الإخوان المسلمين بغير جريرة،
ولا يتصور القارئ كم كان حجم هذه الجريمة، حيث تسبب في غلق ونهب شعبة في أنحاء
القاهرة والأقاليم، وأكثر من ٢٥٠ من جمعيات البر والخدمة الاجتماعية للإخوان المسلمين في أنحاء القطر،
والكثير منها مستوصفات ومدارس ونواد رياضية، كما تسبب في تدمير فوق ما سبق ما
يأتي:
1- شركة دار الإخوان للطباعة وتصدر جريدة يومية مركزها القاهرة وثلاث
مجلات.
2- دار الطباعة والنشر بالقاهرة شركة مساهمة مصرية، وتصدر كثيرًا من
الكتب.
3- شركة المناجم والمحاجر العربية، وشركة المعاملات الإسلامية بالقاهرة.
4- شركة الإعلانات العربية بالقاهرة.
5- شركة الإخوان للتجارة بميت غمر.
6- شركة لإصلاح الأراضي بنجع حمادي كل هذا بأوامر عسكرية ولا مخالفات ولا جريرة، وأخيرًا اعتقال مجاهدي فلسطين الذين كانوا يحمون مؤخرة الجيش المصري وقد طالب قائد الجيش من الحكومة الإنعام عليهم بنياشين البطولة وأوسمة الشجاعة فإذا بهم يسجنون ويعذبون.
وبعد ألا ترى معي أن ما يوحي لهم المستعمر يفعل هذا لا يقابلهم الزخم
الوطني بالورود وإنما قد يقابلهم غيور متحمس غباءهم بغباء وخيانتهم بالرصاص،
ويكونون قد قتلوا أنفسهم بأنفسهم؟ برغم أن عقلاء الأمة والإخوان لا يؤيدون ذلك ولا
يرضونه، وقد رضي المستعمر عن أعمال الأول، وقد يرضى عن فعل الآخر ولكن هل يفهم
هؤلاء وأولئك ومن على آثارهم يهرعون قبل أن يذهبوا إلى الجحيم؟
نسأل الله السلامة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل