; ندوة العلماء في الهند.. تاريخها ونشأتها | مجلة المجتمع

العنوان ندوة العلماء في الهند.. تاريخها ونشأتها

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1975

مشاهدات 260

نشر في العدد 255

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 24-يونيو-1975

ندوة العلماء في الهند.. تاريخها ونشأتها

        بمناسبة المهرجان التعليمي العالمي الذي ستقيمه ندوة العلماء -لكنهو الهند- احتفاء بمرور (85) عامًا على تأسيسها.. بهذه المناسبة نشرت المجتمع في العدد الماضي نمطًا من الجهاد العلمي الدائب الذي تقوم به الندوة.

 في هذا العدد تنشر المجتمع صفحة من تاريخ ونشأة هذه الندوة العريقة.

      صارت قيادة المسلمين في القرون المتأخرة إلى أناس لم يكونوا جامعين بين الدين والدنيا، فحدث في الإسلام بدعة فصل الدين والدنيا، فاستبد الملوك بدنياهم، وانقطع العلماء بدينهم، وبقي العامة لا قائد لهم ولا رائد، وصار الإسلام كالنصرانية، عرش وكنيسة ولكل رجال، وقيصر والإله ولكل نصيب، ولكن عرش بدون توائم، وكنيسة بغير حراس. 

     ولما طال بعد العلماء عن الحياة صاروا أجانب عن الحياة وعن الدين وعن السياسة، حتى إذا تدخلوا في شأن من شؤونها كان ذلك حجة لأهل الدنيا على أهل الدين لعدم خبرة العلماء، وقلة مهارتهم في شؤون الحياة وعلوم العصر.

      وتشاغل العلماء بعلوم ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وبمسائل لا تجدي نفعًا، وتشاغلوا في الزمن الأخير بالجدل، والشقاق، والتكفير، والتضليل، وصاروا يجاهدون في غير جهاد، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فكم سألت هنا، وكم جرت محاكمات لأجل مسائل فقهية في محاكم الكفار، وكم وقع من إهانات ذلت لها رقبة المسلمين في الهند.

       استولت أوروبا على الأرض، وكانت كما وصف الله -سبحانه وتعالى- من كل حدب ينسلون؛ فهجمت على الإسلام من طريق العقل والنقل والفلسفة والحكمة والتاريخ والأدب، ومن طريق السياسة وباسم الحضارة والثقافة، وعجزت الآلآت التي حارب بها أسلافنا علوم اليونان عن مقاومة العلوم الغربية، فاقتضى الحال أن يجدد علماء الإسلام آلآت الدفاع عن الإسلام، ويحدثوا آلآت أخرى للهجوم على العدو.

      هذا والمسلمون في الهند بين طائفتين، طائفة قد آمنت بالعلوم الغربية، وآمنت بعصمة الغربيين في علومهم وبسيادتهم وإمامتهم في كل شئ، ودعت إلى قبول نظامهم في التعليم على علاته، وطائفة قد آمنت بعصمة العلماء المتأخرين في منهاج درسهم وترتيبهم للكتب، لا يرون عنه بديلًا، ولا يجدون عنه محيصًا، ويرون العدول عنه في شيء ضربًا من التحريف، ونوعًا من البدع، فكاد الدين، وكاد العلم يضيع بين جاحد وجامد.

     أدرك هذا الخطر رجال من أهل الدين المتين والعلم الراسخ والنظر الثاقب، في مقدمتهم العالم الكبير، والشيخ الصالح مولانا السيد محمد علي المونكيري -رحمة الله عليه- وكثير من أصحاب الشيخ الكبير مولانا فضل رحمن الكنج مراد آبادي -قدس الله سره- وتلاميذ الأستاذ الكبير مولانا لطف الله العليكرهي، ينتهي إلى بيت الشيخ ولي الله الدهلوى، واجتمعوا وشاوروا في الأمر، وكانوا قـــــــد اجتمعوا في حفلة مدرسة فيض عام في كانفور التي أسسها المفتي عنايت أحمد- م 1279هـ- أستاذ الشيخ لطف الله.

      اجتمعوا في هذه الحفلة سنة 1310هـ، وبحثوا في مسائل التعليم الديني ومستقبل المدارس العربية وشئون المسلمين الاجتماعية والخلقية، وصحت عزيمتهم على تأسيس جمعية دينية علمية، تعني بمسألة التعليم الديني، وإصلاح المسلمين الاجتماعي الخلقي، والجمع بين طبقات المسلمين عامة، وطبقات العلماء وأحزابهم خاصة.

      أسس هؤلاء العلماء -وهم نخبة علماء الهند- جمعية باسم -ندوة العلماء- وعقدوا حفلتها الأولى في كامور سنة 1311 هـ تحت رئاسة الأستاذ الأكبر الشيخ لطف الله العليكرهي، وأرسلوا دعوتهم إلى جمع كلمة العلماء، ورفع الشقاق والنزاع من بينهم، وإصلاح المدارس القديمة، والتغيير اللائق في منهاج المدارس.

اجتهد أعضاء الندوة في ذلك واجتمعوا وتشاوروا وكاتبوا وراسلوا وخطبوا وكتبوا في هذا الموضوع، ولكن علموا بعد الاختبار أن ذلك لا يتم إلا إذا أسسوا مدرسة خاصة تكون مثلا عمليا للمدارس الأخرى.

فأسسوا في لكهنؤ عاصمة الولايات المتحدة في الهند- على دعوة السري المخلص الشيخ أطهر على الكاكورى- م ١٣٢٦هـ -دفين البقيع- مدرسة دينية عربية هي دار العلوم التابعة لندوة العلماء وكان ذلك سنة ۱۳۱۲هـ تولى إدارتها والإشراف على شئون مدرستها رجال يمتازون بمتانة في الدين مع تسامح في الخلافات والفروع، ورسوخ في علوم الدين مع اطلاع واسع على شؤون العصر. 

ومحافظة على الشرع والتقوى مع حب الجمع بين طبقات الأمة، وهم من بيوتات علم ودين، فكان مولانا السيد محمد علي المونكيري «م ١٣٤٦ هـ» خليفة الشيخ الكبير مولانا فضل رحمن الكنج مراد آبادي أول مدير لندوة العلماء، وخلفه مولانا مسيح الزمان الشاه جهان بوري «م ۱۳۳۱ هـ» أستاذ سمو نظام حيدر أباد السابق وخلفه مولانا خليل الرحمن السهارنبوري- م ١٣٥٥ هـ- ابن المحدث الكبير مولانا أحمد علي السهارنبوري صاحب حاشية البخاري وخلفه مولانا السيد عبد الحي الحسني- م ١٣٤٢ هـ -صاحب- نزهة الخواطر، والمؤلفات العربية الجليلة من بيت السيد الإمام أحمد بن عرفان الشهيد، وخلفه مولانا السيد على حسن خان- م ١٣٥٥ هـ- نجل الأمير المؤلف الكبير السيد صديق حسن خان ملك بهوبال، وخلفه الأستاذ الدكتور السيد عبد العلي الحسني نجل مولانا السيد عبد الحي مدير ندوة العلماء الأسبق. 

وكان الإشراف على شؤونها التعليمية إلى الأستاذ الكبير والمؤرخ الشهير الشيخ شبلي النعماني- م ۱۳۳۲ هـ- ثم إلى تلميذه النابغة الأستاذ السيد سليمان الندوي. 

تمتعت الندوة بحماية كبار الصالحين ورجال العلم والدين من أول يومها، كمولانا ظهور الإسلام الفتح بوري، ومولانا نور محمد البنجابي ومولانا تجمل حسين البهاري من كبار أصحاب الشيخ سليان البهلواروي، والسري الفاضل مولانا حبيب الرحمن الشرواني رئيس الشؤون الدينية في إمارة حيدر أباد سابقا من أقدم أعضاء الندوة ومن كبار حماتها، والشيخ رحيم يخش وصي إمارة بهاول بور سابقا، والعلامة عبد الحق الحقاني صاحب التفسير المشهور، والشيخ سليمان المنصور فوري، والمنشي احتشام على الكاكوروى وغيرهم.

وتولى التدريس في دار العلــوم علماء كبار من مشاهير علماء الهند وخارجها، كالشيخ محمد فاروق الجرياكوتي والشيخ عبد الله التونكي والشيخ حمد طيب المكي والشيخ شير على الحيدر آبادي والشيخ محمد بن الحسين اليماني والشيخ أمير علي اللكهنوي والشيخ حفيظ الله البندولي والشيخ شبلي الأعظمي، والشيخ تقي الدين الهلالي المراكشي. 

تأسست ندوة العلماء على مبدأ التغيير والإصلاح في نظام التعليـم الديني وفي منهاج الدرس العربي. فحذفت وزادت وغیرت وأصلحت في منهاج التعليم. 

حذفت المقدار الزائد من كتب المنطق والفلسفة اليونانية التي ضعفت الحاجة إليها في هذا العصر، وأعطت القرآن حقه من العناية فقررت دراسة متنه الشريف حرفا حرفا لغة ونحوا وأدبا واجتماعا وفقها وكلاما، هذا ما عدا التفاسير المقررة في الصفوف العالية، وألزمت تدريس القرآن والحديث بالتدريج في سنيها التعليمية 

زادت مقدار دراسة اللغة العربية وآدابها لأن اللغة العربية والأدب العربي مفتاح كنوز الكتاب والسنة والرابطة الأدبية في الشعوب الإسلامية، ووجهت عنايتها إلى تعليم اللغة العربية كلغة من لغات البشر وكلغة حية يكتب بها ويخطب لا كلغة أثرية عتيقة ميتة، وألفت لذلك كتبا تساعد على ذلك، وقد أقر الناس بفضل الندوة في هذه الناحية 

قررت تدریس اللغة وبعض العلوم والعلوم الرياضية والسياسة وعلم الاقتصاد، ليطلع العلماء علـى مقتضيات العصر، ويتسلحوا بالأسلحة الجديدة للدفاع عن الدين. 

أنست ما كان بين أهل المذاهب والطوائف الفقهية كالحنفية والشافعية وأهل الحديث من المشاجرات ودواعي العصبية ونجحت في ذلك نجاحا تاما فلا تشم في دارها رائحة الخلاف والحقد المذهبي وترى الطلبة من كل مذهب اخوانا متقابلين في قاعة درسهم ودار اقامتهم جنبا لجنب. 

مبدأ الندوة وشعارها أن تخرج من مدرستها رجالا مبشرين بالدين القديم لأهل العصر الجديد، شارحين الشريعة الإسلامية بلغة يفهمها أهل العصر وبأسلوب يستهوي القلوب أمة وسطا بين الجامدين والجاحدين. 

وقد أنجبت في مدة قليلة رجالا هم خير مثل للعالم المسلم العصري الذين قد قامت بهم حجة العلوم الإسلامية على أهل العصر الجديد، ورفعوا رأس علماء الدين عاليا بين طبقات المتعلمين، ولهم آثار جميلة خالدة في الأدب الإسلامي وعلم التوحيد لأهل العصر الجديد، والسيرة النبوية والتاريخ ككتاب- سيرة النبي- في ستة مجلدات كبار وهي موسوعة إسلامية وأكبر كتاب ألف في السيرة النبوية ومهمات الدين في هذا العصر للعلامة سليمان الندوي، وكتب في تراجم الصحابة وسيرهم للمتخرجين من دار العلوم ورسالة قيمة في الدين والعلوم العقلية للأستاذ عبد الباري الندوي، إلى غير ذلك من الكتب والرسائل. 

وقد أشأ المتخرجون من الندوة جمعية دار المصنفين في أعظم كره وهي من المؤسسات العلمية الكبيرة في الهند تصدر مجلة علمية راقية شهرية باسم -معارف-. 

ولدار العلوم بناية عظيمة على شاطئي نهر كومتي في مدينة لكهنؤ، ومكتبة كبيرة تحتوي على ۸۰ ألف كتاب أكثرها غير مكرر و۲۰۰۰ من الكتب الخطبة النادرة، ودار لإقامة الطلبة ومسجد جميل.

الرابط المختصر :