; هل الإسلام هو البديل القادم؟ بحث جديد لـ «جراهام فوللر» يحذر الغرب من قوة جديدة تهدد وجوده | مجلة المجتمع

العنوان هل الإسلام هو البديل القادم؟ بحث جديد لـ «جراهام فوللر» يحذر الغرب من قوة جديدة تهدد وجوده

الكاتب صالح محمد نصيرات

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1995

مشاهدات 60

نشر في العدد 1157

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 11-يوليو-1995

الحضارة الغربية في مرحلة تقهقر.. والصراع الحضاري تغذيه قيم ومنطلقات عقدية وأيديولوجية

قيام الولايات المتحدة بحل مشاكل العالم من خلال نظرتها الخاصة سيؤدي لمشاكل أكثر تهدد الاستقرار

يبدي كثير من الكتاب الغربيين تخوفًا واضحًا من تراجع الديمقراطية الغربية أمام التحديات التي تبديها الحركات الإسلامية، حيث من الممكن في نظر هؤلاء الكتاب أن يكون الإسلام هو الوريث لهذه الحضارة المتقهقرة، وقد أشار بعضهم صراحة إلى الإسلام كبديل ولكن البعض الآخر يحاول إخفاء ذلك التخوف تحت ستار الحديث عن بديل ينطلق من دول العالم الثالث إسلامية وغير إسلامية.

ففي بحثه المنشور في عدد فصل الربيع لعام 1995م، من مجلة «السياسة الخارجية» عرض جراهام فوللر - العالم المتخصص في العلوم السياسية في مؤسسة «رائد»، والرئيس السابق للمجلس القومي للاستخبارات في الـ «سي.أي.إيه».. لما أسماه باللحظة المتميزة التي يشهدها العالم ألا وهي سيطرة النظرة الغربية في الاقتصاد والسياسة بطريقة لا قبل لأحد بتحديها، ولكن بالرغم من هذه السيطرة المطلقة للقيم الغربية إلا أن قيام الولايات المتحدة بالسعي لحل مشاكل العالم من خلال نظرتها الخاصة سيؤدي إلى مشاكل أكثر من الاستقرار والنظرة الغربية في رأيه تستند إلى القيم الثلاث التالية:

1 - الاقتصاد الحر وسياسة السوق الحرة وحقوق الإنسان.

2 - الديمقراطية العلمانية الليبرالية.

3 - الدولة القومية على صعيد العلاقات الدولية.

ولكن الحقيقة المُرة هي أن هذه النظرة قد تخلق مشاكل لدول العالم الثالث أكثر من الحلول، ولذلك فالأيديولوجيا القادمة التي ستظهر ستتمثل في معارضة هذا التحدي الغربي من قِبَل أنظمة العالم الثالث التي لن تتمكن من مجاراة آثار التغيير.

يتساءل الكاتب عن خصائص هذه الأيديولوجية القادمة خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي فيقول: «لن يكون البديل واضحًا تمامًا، ولكن تحدي الأيديولوجية القادمة للنظرة الغربية سيمثل معارضة لقيم الغرب ومؤسساته، ورفضًا للحداثة والعصرنة، وفي أسوأ الحالات سيؤدي هذا الواقع إلى إيجاد كتلة جديدة من الدول غير الغربية».

هذا الإحساس من الكاتب برفض العالم للقيم الغربية ناتج بالدرجة الأولى في رأيه عن عدم جدِّية الغرب في مساعدة العالم الثالث ولهذا فإن النظرة إلى القرن القادم هي نظرة سوداوية متشائمة، والحقيقة هي أن الكثيرين من الكُتاب والمحللين الغربيين لا يتحدثون عن فشل النظام الرأسمالي الغربي في تحقيق سعادة الإنسان، فليست القضية في عدم جدية الغرب في المساعدة، بل إن هناك تحديًا حقيقيًّا لهذا النموذج الحضاري ويتمثل بالدرجة الأولى في الإسلام، وحتى لا يكون الحديث عن الإسلام فقط، فقد حوَّله إلى الحديث عن دول العالم الثالث.

ويستطرد الكاتب فيقول: «إن الفراغ الناجم عن سقوط الشيوعية سيؤول من خلال أيديولوجيات يسارية ويمينة، فاليسار لن ينتهي بمجرد سقوط الرمز البطل، كما أن اليمين المتطرف سيقدم نظرة إحيائية تقوم على أساس الخصوصية العرقية والدينية والقومية، ولعله يشير بذلك إلى ما تجتاح الغرب من حركات يمينية مثل حركة جيرونفسكي في روسيا، والدعوة لإقامة صربيا الكبرى».

يتساءل الكاتب عن ماهية القيم الغربية الثلاث السابق ذكرها، فيقول: «هل القيم غربية أم عالمية؟» ويجيب على هذا السؤال بقوله: «إن التغييرات التي يشهدها العالم نتيجة رفض القيم الغربية سيؤدي إلى ظهور حركات متطرفة وديماغوجية، ولكن لأن العالم يسير نحو سياسة السوق المفتوحة في الاقتصاد والدولة القومية في التنظيم السياسي، فإن هذه القيم ستصبح عالمية بالرغم من كونها نتاجًا غربيًّا، هذا الجواب حقيقة واقعة، فالحركات التغييرية خصوصًا في العالم الإسلامي والتي تتمتع بشعبية ساحقة ترفض هذا النموذج وما دامت ترفض النموذج الغربي فهي متطرفة ولكن الجزء الثاني من الجواب يشير إلى حتمية لا تقل عن حتميات الماركسية أو نهاية التاريخ عند فوكوياما، وهو في الواقع غير صحيح ومتناقض.

ففي البداية رأيناه يلوم الغرب لفرضه القيم الغربية على دول العالم الثالث، ثم يجيب بنفسه هنا بقوله: «إن العالم يتوجه إراديا نحو تلك القيم».

أين موقع الإسلام من هذا التغيير؟

يقول الكاتب: «إن الأوضاع الاقتصادية السيئة في العالم الثالث ستؤدي إلى تقوية الأجنحة الإسلامية المتطرفة، وستؤدي بالتالي إلى خلخلة الأوضاع العالمية، ويحرص الكاتب على عدم الإفصاح عن نيته الحقيقية في ورقته بقوله: «إن الصدام الحضاري لن يكون حول المسيح أو كونفوشيوس أو الرسول محمد ﷺ بل على سوء توزيع الثروة والقوة والتأثير»، أي جعل الصدام الحضاري مرتبطًا بالخلاف حول السيطرة الاقتصادية والتوزيع غير العادل للثروة، وهذا صحيح جزئيًّا، ذلك أن النظرة الرأسمالية قائمة على احتكار الثروة والقوة بأيدي قلة قليلة، وهي هنا الغرب، وهذا الأمر دليل على عدم قدرة النظام الرأسمالي على التكيف مع المتغيرات العالمية التي تدعو إلى مزيد من الاهتمام بدول العالم الثالث، ولكن لأن الغرب يريد الاحتفاظ بسيطرته المطلقة، فإن على دول العالم الثالث أن تتكيف مع الأوضاع الجديدة، فتحدد نسلها وتغير قيمها لتناسب القيم الغربية، والجزء الآخر من الجواب والذي أخفاه الكاتب هو أن الصراع الحضاري تغذيه قيم ومنطلقات عقدية وأيديولوجية.

ما هو البديل؟

يرى الكاتب أن هناك أربع دول يمكن أن تكون مرشحة لتكون البديل، وهي: الهند ومصر وإيران.

ففيما يتعلق بمصر يرى الكاتب أن حجم مصر، ودورها التاريخي يرشحانها لدور قادم وفي رأيه أن مصر المعتدلة الآن لن تستمر نظرًا للأوضاع المتردية والتي تزداد سوءًا. ولهذا فإن ظهور نظام إسلامي في هذا العقد يمثل إمكانية كبيرة، وقيام نظام إسلامي في مصر سيؤدي إلى عرقلة دور مصر خارج المنطقة، ولكن قيادتها للعالم العربي قد تؤدي إلى دور متميز على الصعيد العالمي.

أما إيران فإنها تتوفر على ملامح قيادية تساعد في القيام بدور متميز منها حضارتها التقليدية وعداؤها للغرب، وتميزها الإقليمي ولكن كونها دولة شيعية فإنها تعاني من مشاكل تاريخية مع الدول السنِّية، وهذا الخلاف يمنع من قيام علاقات حسنة مع دول إسلامية أخرى، كما أن حجمها الصغير نسبيًّا يؤثر سلبًا على الدور المرتقب، ولكن الكاتب يستدرك بقوله: «إن مشاركة دول أخرى لإيران في هذا الدور سيمكنها من القيام بدور طليعي في العالم».

أما عن غرض البحث فهو ليس تقديم قائمة من الأعداء الجدد بل تحذير الغرب من قيام كتلة جديدة معادية، ويبدو واضحا من البحث أن الرجل يريد فعلا وضع قائمة بالأعداء المحتملين للغرب، حيث يصر على حشر الإسلام في هذه القائمة، ولما كانت الحركات الإسلامية «المتطرفة» هي التي تمثل الإسلام، فالحديث عن الإسلام كصديق للغرب لا يعود مُجديا، وفي نهاية المقال يصرح بأن هدفه هو تنبيه الغرب لاحتمالات التغيير القادمة فليستعد لها.

إن حاجة المسلمين للتعرف على الطريقة التي يفكر بها «الآخر» -وهو هنا الغرب- حاجة ماسَّة لأن التغيير قادم لا لشيء إلا لأن الأوضاع العالمية تزداد سوءا، والحضارة الغربية وقيمها في مرحلة تقهقر، حيث أشار الكاتب إلى ضرورة تصحيح تلك القيم بما يناسب المرحلة - وقد حرص الكاتب على استخدام كلمة «تصحيح». ليشير إلى الحالة التي أشرنا إليها، وهذا يعطي المسلمين الفرصة لتقديم النموذج الإسلامي المتميز الذي يعالج الأوضاع العالمية دون أن يكون نسخة أوروبية كما يريد العلمانيون العرب.

الرابط المختصر :