العنوان المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فى لندن يطرح: رؤية غربية جديدة لفهم الإسلام «السياسي»
الكاتب هشام العوضي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
مشاهدات 113
نشر في العدد 1122
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
·
بعض
الحكومات العربية الواقعة تحت ضغط المعارضة الإسلامية تستثمر التخوف الغربي من
الإسلاميين لتبرير استمرار رفض المشاركة الديمقراطية
·
تعتبر
الدراسة جماعة الإخوان المسلمين الحركة الإسلامية الأولى في مصر وتقدر أتباعها بحوالي
مليوني شخص
يعتبر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية من
المعاهد الجادة والبارزة في إصدار مختلف الدراسات عن الواقع الإستراتيجي والعسكري
والسياسي لدول العالم، وتعتمد عليه المراكز الأكاديمية والسياسية -بما يقدمه من
معلومات هامة وحساسة في أحيان كثيرة- إلى جانب مصادر أخرى في بلورة رؤية معينة من
الموضوع المطروح.
ورغبة من «المجتمع»، في تعريف القارئ بمختلف
التيارات الغربية، وكيفية استيعابها للإسلام في داخل إطار الحركة الإسلامية، فإنها
تنشر عرضًا لأهم ما جاء في الدراسة الأخيرة التي أصدرها المعهد عن الإسلام السياسي
في دوريته قضايا إستراتيجية ومع أن الدراسة تحمل في مجملها الطابع التوصيفي، إلا
أنها لا تعدم التناول التحليلي في ثنايا بعض السطور.
يتناول المعهد في دراسته عن الإسلام، الجانب
السياسي فيه بالتحديد -والمتمثل في الحركة الإسلامية عامة، ومع أن الدراسة الواقعة
في تسع صفحات تشير إلى مختلف التيارات الإسلامية الواقعة بين طيف التطرف والاعتدال،
إلا أنها تؤكد في معرض استعراضها لمجمل النشاط الإسلامي في دول كالجزائر ومصر
والأردن على فاعلية وتأثير الحركة الإسلامية المعتدلة في إشارة إلى أنها تمثل
التيار الأوسع والأهم، ثم تخرج الدراسة في نهاية مطافها من المحيط الإقليمي، لتوضح
انعكاس هذا التيار على الغرب – كفكر أيديولوجي أكثر منه واقعًا جغرافيًا.
تقول الدراسة في مطلعها: إنه أصبح من المعتاد
أن توصف الأصولية الإسلامية بالتهديد للاستقرار في المنطقة «العربية» إذا لم تعتبر
خطرًا كليًا وشاملًا على المصالح الغربية، ومصطلح «الأصولية» يثير عدة قلاقل لأنه
مرتبط في الذهنية الغربية بالعنف والتطرف، ويغض النظر عن صحة مضمون الفكرة نفسها،
فالمصطلح بحد ذاته يعتبر تبسيطًا لحالة معقدة، إضافة إلى ذلك فالحكومات العربية
الواقعة تحت ضغط جماعات المعارضة الإسلامية تستثمر التخوف الغربي من الأصولية
للمطالبة بالمزيد من المعونات الاقتصادية، ولتبرير استمرارية رفض توسيع القاعدة الديمقراطية
والمشاركة الشعبية.
وترى الدراسة في استخدام مصطلح الأصولية
محاولة سطحية لمزج الاختلافات والمتناقضات في إطار سياسي واجتماعي واحد، وتضع كل
الأنظمة والجماعات على اختلاف مناهجها وأولوياتها داخل منظومة معرفية واحدة، ومع
أن أول حركة إسلامية نادت بدمج الدين مع السياسة، كانت جماعة الإخوان المسلمين في
سنة 1928 إلا أن مصطلح «الإسلام السياسي» لا يزال غامضًا على العقلية الغربية التي
تربت على الواقع العلماني وهو فصل الدين عن الدولة، كما أن الغموض يكمن أيضًا في
محاولة فهم ذلك الانتقال الكبير للصحوة الإسلامية من جغرافية معينة وتحولها إلى
ظاهرة عالمية مواكبة للتقدم في الاتصالات الحديثة وتكنولوجيا المعلومات.
أيديولوجيتان أو منهجان مختلفان
إن الرغبة في تطبيق الشريعة تمثل القاسم
المشترك بين مختلف الأصوليين سواء كانوا حكومات (إيران والسودان) أو جماعات
إسلامية معارضة في شمال إفريقيا وغيرها، ولكن طريقة تطبيق الشريعة وأبعاد مناهجها
تختلف من جهة لأخرى، أضف إلى ذلك أن «ديناميكية» الإسلام السياسي تختلف في طبيعتها
من بلد إلى بلد، بحسب الظروف المحلية.
ففي شمال إفريقيا ترتبط ظاهرة الصحوة
الإسلامية بالتفجر السكاني، والبطالة وازدحام المدن بالفقر.. إلخ، وهذا يعني إخفاق
الإستراتيجيات الحكومية في احتواء الظاهرة وتحقيق الرخاء الاقتصادي والسياسي، وهذا
هو «السر» في انجذاب الشباب إلى شعارات الإسلاميين في قضية تحقيق العدل الاجتماعي،
فهي تمنحهم احترامها للذات، وتعطيهم هوية اجتماعية معينة إضافة إلى أمل بالمستقبل،
ويحاول التيار الأوسع من الأصوليين تغيير الواقع وأسلمة المجتمع بالطرق السلمية،
والعمل من خلال مؤسسات الدولة القائمة، وتبرز قيادات هذا التيار من داخل الجامعات
العلمانية الحديثة، فضلًا عن أن الكثير منهم قد تلقى جزءًا صغيرًا من تعليمه على
الأقل في الغرب والكثير منهم إما طبيب أو مهندس أو محامٍ - مهتم بإقامة مجتمع حديث
البنية، قائم على المفاهيم الإسلامية، لا المفاهيم «اللاهوتية» على الطراز الكنسي
القديم، وعلى عكس التوجه «الشيعي» فلا يعول هذا التيار كثيرًا على رجالات الدين في
كيفية إدارة الدولة التي يحلم بإنشائها.
ومع ذلك فقد شكلت الثورة الإسلامية في إيران
الدافع الملهم والمحرك للجماعات «السنية» -لا كمثال يودون تقليده- ولكن كمثال لما
يمكن تحقيقه فعلًا في عصر السيطرة الغربية على العقول والأنظمة، وفي السنوات
الأخيرة أخذ التيار الواسع في الدفع الحاد نحو المشاركة السياسية، وفي حالة السماح
له بدأ في إقامة حملاته الانتخابية المحلية والرئاسية، كما أنه دخل الحكومات في
الأردن والكويت ولبنان واليمن وصار جزءًا من دافعها التشريعي والتنفيذي.
وتقارن الدراسة بين منهجين في الحركة
الإسلامية الكبيرة، المنهج -وتشير إلى حزب النهضة التونسي- الذي يتبنى العمل من
خلال الإطار الدستوري الموجود، والمنهج الذي يتبنى العنف والعمل المسلح لفرض
أهدافه فتقول: تميزت «الأيديولوجية» الخاصة بحزب النهضة التونسي بوضوحها، وتأكيدها
في «المانيفستو» على التزامها بحقوق الإنسان، والتعددية السياسية كما أن «الحركة» ترى
الدولة الإسلامية هدفًا طويل المدى يتحقق كنتيجة بطريقة تكسب أكبر قاعدة جماهيرية
ممكنة، فأكدت بوضوح على أن المكتسبات العلمانية التي حققها حكم بورقيبة لا رجعة
فيها.
أما «المتطرفون» -وهم قطاع محدود وصغير داخل
التيار الإسلامي العام- فيرفضون النظام القائم «ومؤسساته» ككيان غير إسلامي، كما
أنهم يريدون فرض الدولة الإسلامية على الشعب بالقوة، بحجة أنها إرادة الله ووحيه.
ويقوم التيار الواسع والمعتدل في الحركة
الإسلامية، على عكس المتطرفين - بتقديم الخدمات الاجتماعية للمجتمع، ولأهل المدن
الفقيرة خاصة «مستوصفات، مستشفيات، مدارس» كجزء من استراتيجية في خلق بديل جديد
للمجتمع الإسلامي، ووسيلة سلمية لكسب المتعاطفين والأنصار، فبعد زلزال مصر -على
سبيل المثال- في أكتوبر 1992 كان الإخوان المسلمون -وليست الحكومة المصرية- هم
الذين وفروا الخيام والأطعمة والأموال، وبالنسبة لجبهة الإنقاذ الجزائرية فقد كان
تطرقها للحاجات الاجتماعية والاقتصادية كإنشاء أسواق «إسلامية» بأسعار مناسبة
عاملًا مهمًا في نجاحها الانتخابي.
الأصولية في المغرب العربي
تستعرض الدراسة في بقية صفحاتها واقع الحركات
الإسلامية في عدة بلدان عربية تبدأها بمنطقة المغرب العربي فتقول: تفاعلت الأنظمة
العربية مع التحدي الإسلامي بالاستيعاب أو الرفض، وكان الرفض هو السمة التي ميزت
أنظمة الشمال الإفريقي وفي التجربة الجزائرية قواسم مشتركة بدرجات متفاوتة مع جميع
دول المنطقة «باستثناء ليبيا» وأوضح هذه القواسم هي نمو المشكلة الديموغرافية فـ
45% من سكان الجزائر تقريبًا تحت سن 14، و75% أقل من 25 سنة، وتتقاسم الجزائر مع
جيرانها أيضًا النخبة الفرانكفونية الحاكمة، والسلطة القوية «الديكتاتورية» ذات
التوجه العلماني الواضح، كل هذه القواسم: الديموغرافية وسوء الإدارة والفساد ترك
هذه النخب غير قادرة على توفير الحد الأدنى من العمل والخدمات.
تعاني الجزائر من كارثة في «الهوية» فالتأثير
التغريبي كان أقوى من أي مكان آخر في تدمير البنية الاجتماعية التقليدية «فيما عدا
البربر الذين يمثلون 30% من حجم السكان»، ولكن الإسلام كان هو السلاح الوحيد في
حرب الاستقلال، وتطور فيما بعد كي يكون المعارض القوي لسياسة البلد الاشتراكية
والتي تبلورت في عهد هواري بومدين.
وفي فترة رئاسة بن جديد وإدخاله لنظام
التعددية السياسية في 1989 ظهرت جبهة الإنقاذ كأكبر حركة سياسية مؤثرة كسبت لها
أرضية صلبة في الانتخابات المحلية في يونيو 1990، ولأن الجبهة لم تكن حركة متناغمة
فيما بينها بل تحمل تحت مظلتها العديد من الجماعات والأفراد بآراء مختلفة، فقد انقسمت
في مايو - يونيو 1991 حول استراتيجية ردة الفعل على ما قام به النظام من إدخاله
التعديلات في قانون الانتخابات لصالحه.
وتضيف الدراسة القول إن تطورات الكارثة
الجزائرية تؤثر على الدول المجاورة التي ظهرت فيها الجماعات الإسلامية تحت نفس
الظروف، من هذا المنطلق رحبت كل من مصر وتونس بالإجراء الجزائري الصارم ووقف تقدم
الجبهة التي لو وصلت للحكم لأعلت من الروح المعنوية للجماعات الإسلامية في هاتين
الدولتين.
أما موقف الملك الحسن «الذي يبدو أكثر
إيجابية» والذي يدعو إلى السماح للجبهة بتطبيق منهج إصلاحها فقد صيغ من منطلق
التوتر الموجود بينه وبين الحكومة الجزائرية حول قضية الصحراء المغربية، وإضافة
إلى أن الملك الحسن يستوعب نفسه كرمز ديني، فموقفه من الجبهة يأتي وفق سياسته
الداخلية لاحتواء الجماعات الإسلامية في بلده.
أما النخبة الحاكمة في تونس، فلديها أسباب
أقوى للقلق، فشهر العسل الذي بدأه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مع حزب
النهضة في بداية حكمه في نوفمبر 1987 قد انتهى مع بروز الحزب كأقوى معارضة في
الانتخابات العامة في إبريل 1989، وكان الرفض التونسي للاعتراف بشرعية وجود النهضة
بداية لنشوء سلسلة من المواجهات والتذمرات أدت في النهاية إلى اعتبار الحزب حركة
إرهابية يتوجب تدمير بنيتها التحتية، وإلغاء وجود مؤسساتها، وعلى الرغم من «مظاهر»
التعددية السياسية في تونس فالحقيقة تبقى أنها بلد الحزب الواحد، ويلاحظ في الوقت
الحالي ظهور تعاون ثلاثي - أمني بين كل من القاهرة وتونس والجزائر على ما يراه
حكام هذه البلاد من تهديد مشترك من قبل جماعات "الإرهاب السياسي"..
الأصولية في مصر
تعتبر الدراسة جماعة الإخوان المسلمين الحركة
الإسلامية الأولى في مصر وتضيف: فعلى الرغم من أنها تعرضت للاضطهاد في عهد عبد
الناصر في الخمسينات والستينات، إلا أن لها أنصارًا من مختلف الشرائح الاجتماعية،
وأعضاء يصلون- بحسب ما تشير مصادر الجماعة - إلى مليوني شخص، وعلى الرغم من أنها
جماعة محلولة منذ عام 1945 إلا أنها شاركت في الانتخابات البرلمانية في 1984 و
1987 عن طريق تحالفها مع بعض الأحزاب العلمانية، ولكنها قاطعت -كما فعلت الأحزاب
الأخرى– الانتخابات عام 1990 على أساس أن قوانينها وضعت لمصلحة الحزب الوطني.
ولقد تجلت قوة «الإخوان» في سيطرتهم على معظم
النقابات في مصر (الأطباء، المهندسين، المحامين... إلخ) إضافة إلى قوة الجماعة في
الجامعات، وكان فوزهم في انتخابات نقابة المحامين «وهي النقابة التي سيطر عليها
العلمانيون «لزمن طويل» بمثابة الصدمة القوية للنظام الذي سارع بإجراء تعديلات
إضافية في قوانين الانتخابات النقابية للحيلولة دون استمرارية نجاحهم وانتشارهم.
ويرى الرئيس حسني مبارك الإخوانَ على أنهم
التحدي الأكبر له في الفترة الحالية وعلى المدى الطويل، ولهذا لا يسمح بوجودهم
قانونيًا على المستوى السياسي، وتعتبر الجماعة الإسلامية المتطرفة وممارساتها الاعتداءات
على الأجانب والأقباط والوزراء ورموز الأجهزة الأمنية، القلق الأساسي والطارئ
لرئيس النظام المصري.
من جانب آخر، فعلى الرغم من أن الحكومة
المصرية قد انتهجت مؤخرًا سياسة إصلاحية فيما يتعلق بالبطالة، وتحسين مستوى
الخدمات الاجتماعية، فإن قمع الجهاز الأمني للمواطنين، بما في ذلك الاعتقال
الجماعي، وتعذيب المرتهنين يثير العديد من الانتقادات الواسعة من مؤسسات حقوق
الإنسان المحلية والعالمية، وعلى صعيد «الجماعة الإسلامية» فمع أن أحداث العنف
الأخيرة لم تهدد استقرار الحكومة بشكل واضح، إلا أنها أثرت وبقوة على الحركة
السياحية التي تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية لمصر.
انعكاسات الأصولية على الغرب
وفي الختام، فإن الدراسة تشير إلى أهم
انعكاسات تنامي الصحوة الإسلامية في الغرب فتقول: لقد ربطت المجموعة الأوروبية
مساعداتها الاقتصادية لدول المغرب العربي بمدى التقدم الذى تحققه هذه الدول في
مجال الحريات العامة والديمقراطية الليبرالية، ويأتي هذا الربط على فرضية: وهي أن
أوروبا لا ينبغي أن تعين على استقرار هذه الأنظمة على حساب القمع، وانتهاك حقوق
الإنسان ولكن عكس هذه السياسة حدثت في الحالة الجزائرية، فصحيح أن المنطق يقول بأن
الغرب ليس على استعداد لدعم حركة شعبية مثل جبهة الإنقاذ لا تؤمن بالديمقراطية إلا
بالقدر الذي يمكنها من الوصول إلى الحكم، ولكن هذا المنطق يثير بحد ذاته عدة
تساؤلات حول الشرعية التي تتمتع بها الأنظمة الحالية ومدى إيمانها بالديمقراطية؟
وتحدثت الدراسة باختصار عن التخوفات الغربية
من تيار الصحوة الإسلامية فقالت بأن هناك تخوفًا غربيًا على حقوق المرأة والأقليات
وعلى مدى استعداد الحركات الإسلامية -فيما لو وصلت إلى الحكم- للسماح باستمرارية
العملية الديمقراطية، بما فيها التعددية السياسية، وحق تداول السلطة، فالواقع
السوداني والإيراني لا يمثلان الأمل المنشود كواقع ديمقراطي بالنسبة للغرب مع أن
أيًا منهما لم يصل إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع.
وهناك تخوف آخر من النتائج السياسية
والاقتصادية على دول أوروبا الجنوبية «فرنسا وإيطاليا، وإسبانيا» فيما لو وصل
الإسلاميون إلى الحكم في الشمال الإفريقي، فمثل هذا التطور -لو حدث- سيخلق حالة من
تدفق الهجرات إلى أوروبا، وهذا سيزيد بحد ذاته من ظاهرة العنصرية، وظاهر تنامي
«الأصولية» الإسلامية في قلب هذه البلاد الأوروبية.
وتشير الدراسة إلى أن معظم الأنظمة العربية
«المشاغبة» مثل ليبيا والعراق، ليست إسلامية وإنما علمانية التوجه، وتدعو الدراسة
إلى محاولة فهم حركات «الإسلام السياسي» بصورة أعمق، حيث الحاجة للتفريق بين
التيار الإسلامي المعتدل «وهو الغالب» وبين الآخر المتطرف من حيث الأسباب
والمسببات.
وإذا كانت معاداة الغرب تمثل جزءًا من الفكر الإسلامي، فهي -أي هذه المعاداة- ليست حكرًا على المسلمين فحسب، وإنما تشمل أيضًا غير المسلمين في بقية دول العالم الثالث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل