العنوان ندبات في وجه الكويت
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1993
مشاهدات 24
نشر في العدد 1048
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 04-مايو-1993
عندما أثارت بعض وسائل الإعلام الأجنبية وبعض الصحف الغربية، بعد التحرير مباشرة موضوع حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان في الكويت المحررة، كان التبرير الواقعي والمنطقي آنذاك هو أن وجود عناصر مؤيدة للاحتلال، كان هدفًا للانتقام من المقاومة الكويتية وبعض المواطنين الذين عانوا أنواع البطش والهوان من الاحتلال، وأن ما حصل آنذاك قد حصل-وبصورة أكثر عنفًا وشدة- في دول كثيرة متحضرة بعد تحريرها من الاحتلال الأجنبي وأقرب مثال ما حصل في فرنسا المحررة من براثن الاحتلال النازي.
إلا
أن دوائر الإعلام الغربية وبالذات التلفزيون والصحافة عادت مؤخرًا لتضع الكويت مرة
أخرى تحت المجهر، لتكبير ما تعتبره انتهاكًا لحقوق الإنسان، وأبرز مثال كان ما
أثارته هذه الدوائر عن سوء معاملة الخدم لدى المجتمع الكويتي، ودوافع هذه الحملة
الإعلامية تتعدد بتعدد هويات من يقفون وراءها، فهناك من يتحرك بدافع الحرص الحقيقي
على حقوق الإنسان باعتبار الحفاظ على كيانه مهمة إنسانية عالمية، وتتمثل هذه
الجهات في منظمات حقوق الإنسان الدولية المختلفة، وبعضها الآخر يتحرك بدافع تشويه
المجتمع العربي والإسلامي عمومًا- بإلصاق أية صور بشعة وكريهة من سوء التعامل
الإنساني بأفراد هذا المجتمع، ويغذي هذه الحملة «اللوبي اليهودي» المتنفذ في
الولايات المتحدة وأوروبا، ويحرص على تتابع واستمرار وتنويع أشكال ومواضيع الاتهام
الذي يلصق بالعالم والمجتمع العربي والإسلامي، وأبرزها هذه الأيام تهمة التطرف
والعنف والإرهاب.
بين الإنكار الرسمي والواقع
المتابع
لرد الفعل الرسمي تجاه حملات التشويه الإعلامي الغربي يجد نغمة واحدة تتكرر وهي
النفي القاطع لوقوع أية مخالفات أو انتهاكات لحقوق الإنسان، ويكتفي بتصريح المسؤول
الرسمي وكأنه سوف يغسل من أدمغة ملايين المشاهدين والقراء عشرات البرامج
التلفزيونية والمواد الصحفية!
والحقيقة
أنه يزيد تأكيدها في أذهانهم، خاصة أنهم اعتادوا على سماع النفي القاطع للتهم من
الأنظمة القمعية وأبرزها النظام العراقي، الذي يكرر نفيه لوجود أسرى كويتيين لديه،
أو انتهاكه لأرواح وحقوق أفراد شعبه أنفسهم.
وهكذا
يبدو أن إعلامنا متأخر عن الإعلام الخارجي بشكل خطير للغاية، وإن كان الوزير
الحالي قد ابتدأ بخطوات بسيطة قد تثمر بعد وقت طويل وجهد جهيد، إلا أن المقام ليس
مقام الحديث عن الإعلام، وإنما عما يمكن أن يشكل أرضية خصبة لاتهام الكويت بحقوق
الإنسان من واقع بعض الممارسات والمظاهر الخاطئة والتي تصب في هذا الاتجاه.
صور سلبية لمعاملة الوافد
لن
نتطرق لما يمكن أن ينسب إلى أفراد الشعب الكويتي من تهمة إساءة معاملة الخدم على
اعتبار أن تضخيم الإعلام الغربي لها كان مقصودًا، فقد يحدث في أي مجتمع آخر يكثر
وجود الخدم فيه، ممارسات خاطئة وإساءة معاملتهم، غير أن الوضع في الكويت لا يشكل
ظاهرة ملموسة ومنتشرة بقدر ما هو حوادث وحالات فردية، تعتبر نسبية قياسًا إلى حجم
العمالة الخادمة في المنازل.
غير
أن الوضع يختلف بالنسبة للحكومة فقد يبرر حصول انتهاك وتعدٍ من مواطن على خادم
باعتباره حادثة فردية مخالفة لقانون، إلا أن الأمر الذي لا يمكن تبريره هو أن تكون
هناك نظم ولوائح وقوانين من الحكومة تشكل إجحافًا بحق الوافد.
إجراءات مجحفة بحق الوافد
لعل
الحمى التي انتابت الحكومة في تقليص عدد الوافدين لتحقيق الموازنة بينهم وبين
العنصر الوطني هي نتيجة طبيعية لأخطائها الكثيرة في بداية التحرير عندما سمحت
بدخول أعداد كبيرة من الوافدين إلى البلاد بحجة الحاجة إلى العمالة لإعادة
الإعمار.
وامتدادًا
لهذه الأخطاء فقد جاء فرض الحكومة للرسوم الباهظة على إقامة الوافد ليشكل محورًا أساسيًا
في سياسة غير حكيمة تجاه هذا الوافد وإشعاره بالتمييز البغيض، وإن وجوده في البلاد
سيصبح مكلفًا، خاصة إذا كانت معه أسرته مما قد يضطره في النهاية إلى الرحيل.
ومثل
هذه العقلية والسياسة غير الحكيمة في التعامل مع الوافد كأنها تريد للوافد أن يشعر
بحقد وكراهية تجاه الكويتي المرفه والذي يعيش بوضع أفضل منه دون أن يتحمل أية رسوم
من أي نوع، بل كأنها تريد أن تقول إن الكويت هي جنة الله الموعودة ولن تستطيع
البقاء فيها إلا بعد أن تدفع الثمن الباهظ لذلك.
وكأن
ما سخر له الإعلام العراقي إبان الاحتلال جميع أسلحته وقدراته من تشويه لصورة
المجتمع والفرد الكويتي وفشل في تحقيقه كاملًا جاءت الحكومة لتحققه بسياستها
التمييزية الجديدة.
تقدير الوافد عنصر قوة للمجتمع
في
مجتمع صغير كالمجتمع الكويتي هناك ارتكاز كبير على مقدرة ومجهود الوافد وإنتاجه
الخدمي والوظيفي والفني للمجتمع، وبالتالي فإن تقديره التقدير المقبول وإعطاءه
الوضع اللائق له سوف يشكل عنصر قوة واستقرار لهذا المجتمع، وليس بالضرورة أن تمر
سياسة تحقيق التوازن السكاني عبر «تطفيش» الوافد بإرهاقه في تحمل الرسوم المختلفة
مما يجعله يفكر بالرحيل، فالحكومة عليها أن تضبط عملية إدخال العمالة منذ البداية،
وحتى الآن لا يزال هناك خلل كبير، ولم يحصل أن تمت محاسبة العديد ممن تاجروا
بالإقامات على حساب مصلحة البلد.
نحن
لسنا ضد وضع رسوم إقامة على الوافد من حيث المبدأ فهذا موجود في جميع بلاد العالم،
وإنما يجب أن تكون هذه الرسوم رمزية أو في حدود المعقول لا أن تكون بهذا الارتفاع
الباهظ والمرهق جدًا للوافد إذا أردنا له أن يحب البلد التي يقيم فيها وأن ينتج له
عصارة مجهوده كما ينتج لها أحد أبنائها الأوفياء.
اقرأ أيضًا: