الثلاثاء 12-يونيو-1979
أكتب هذا العنوان وأنا أعلم أن جميع أبناء العالم الإسلامي يقاسون العذاب من خلال مراجعتهم للدوائر الحكومية التي أصبحت تعيش على الرشوة والواسطات! ولكن أكتب عن أبناء قطاع غزة بالذات، ويعلم الله أنه لا يوجد في نفسي نزعة قومية، ولكن حتى أنصف الناس حقهم، ولأني عشت المشاكل بنفسي، لهذا أكتب عن أبناء القطاع. فهذا القطاع الذي يمتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط على مسافة طولها ٤٠ كلم تقريبًا وعرض من ٦-١٢ كلم تقريبًا، مزدحم بالسكان خصوصًا المهاجرين الذين لا مجال أمامهم متاح إلى فرصة التعليم، فيتخرج منه الأطباء والمدرسون والمهندسون، وغير هؤلاء من أصحاب الشهادات والحرف، هؤلاء جميعًا لا مجال أمامهم إلا: إما العمل داخل مصانع اليهود، أو الخروج إلى الدول العربية التي لا تدعمهم إلا بالكلام عبر الإذاعات أو الكتابة في الصحف!
والمدخل للدول العربية هي الأردن وكيف الخروج عبر الأردن؟
إن الخروج عبارة عن وضع عشرات المشاكل أمام الفرد، فمثلًا: الطالب على سبيل المثال عندما ينهي دراسته الثانوية ويريد أن يلتحق بإحدى الجامعات، فما عليه إلا أن يبذل جهدًا خلال مدة زمنية لا تقل عن سنة! حتى يمكن أن يلتحق بالجامعة التي يرغب الالتحاق بها وربما تكون النهاية الفشل! وذلك للاتي:
ا- عليه أولًا أن يخرج تصريح من مكتب السيد رشاد الشوا في غزة مقابل تأمين ٢۰۰۰ ليرة إسرائيلية، مع دفع مبلغ مضاف لهم مقداره ۱۰۰ ليرة إسرائيلية. كما يعمل الشخص تصريحًا إسرائيليًا بقيمة ١٥٠ ليرة ... أي ما يعادل حوالي ١٢٥ د.ك تقريبًا.
٢- ثم يتوجه إلى الأردن ليقدم معاملته إلى السفارة المصرية في عمان وكم يواجه من عذاب هناك، وشتم، وضرب! نعم! لأتفه الأسباب.
ثم تطلب منه السفارة المصرية ما يشبه المستحيل، فإن كان طالبًا، يطلبون منه قبول من الجامعة التي يرغب الالتحاق بها، فإن قال لهم: أريد أن أسافر لكي أحصل على القبول بنفسي، رفضوا منحه وثيقة السفر! وتكون النتيجة الرجوع إلى العمل داخل مصانع اليهود! وإن كان عاملًا رفضوا منحه وثيقة سفر حتى يحصل على بطاقة عمل مع «فيزا» دخول للدولة التي يرغب أن يعمل فيها وإلا فمصير الرجوع إلى العمل داخل مصانع اليهود دون الحصول على وثيقة سفر! مع ملاحظة أن بطاقة العمل والقبول في الجامعة لا يتم إلا بعد الحصول على وثيقة سفر!
فأصبح الأمر شبه مستحيل، وإن توفر ذلك، فيطلبون منه أمور أخرى، فيبقى يسافر بين جبال عمان وينام في الفنادق إلى ما شاء الله! وفي النهاية يقولون له راجعنا بعد عشرين أو أربعين يومًا! فيقف الشخص في حيرة، فإن رغب في الرجوع إلى فلسطين فلا يستطيع، لأن هناك قانونًا من اليهود، إن الذي عمره أقل من ٢٦ سنة لا يسمح له بالرجوع إلا بعد ستة أشهر، ولهذا يبقى في الفندق ينتظر والله يعلم بحالته المادية، ويبقى ينتظر ويراجع السفارة وبعد أن يمل من كلمة بتراجعنا بكرة أو بعد أسبوع يحصل على وثيقة سفر وقد لا يحصل وهذه الوثيقة على النحو التالي:
أولًا: المدة الزمنية هي سنة واحدة.
ثانيًا: الدول الموجودة فيها هي: الأردن, والدولة التي حصل منها على بطاقة عمل أو قبول جامعة فمثلًا يكتب فيها «الأردن- الكويت فقط». فإن راجعهم وقال أريد إضافة العراق حتى أتمكن من السفر عبر البر لأني لا أملك ثمن تذكرة السفر بالطائرة. قالوا له لا!
وبعد أخذ الوثيقة لابد أن يرجع إلى قطاع غزة حتى يكتب له في التصريح الجديد أنه يرغب في السفر مثلًا إلى الكويت.
ويعود إلى الأردن، ويراجع وزارة الداخلية حتى يأخذ تأشيرة عودة إلى الأردن حيث لا يسمح له بالعودة بدونها وإلا فإنه يدفع تأمين للسفارة الأردنية في الدولة التي يعمل بها أو يدرس فيها، حتى يتمكن من دخول الأردن. ماذا يعني الحصول على وثيقة سفر؟
بعد التعب والجهد السابق، فإن الشخص الذي يحمل وثيقة سفر, فإنه يعامل كمجرم نازي، وعلى سبيل المثال، فخريج الجامعة عندما يقدم معاملته لقسم البعثات، فإن كان حاصل على تقدير امتياز ومعه وثيقة سفر وأخر من دولة أخرى حاصل على تقدير جيد فيقدم هذا الفرد على المتفوق، ولا ذنب له إلا أنه يحمل وثيقة سفر، بل يكاد يكون الحصول على وظيفة شبه منعدم! فإن حصل عليها بأي وسيلة وبعد مشقة، فإنه عندما يصل إلى حدود أي دولة عربية أو إلى أي معاملة رسمية تتطلب وثيقة السفر فيعامل كأنه مجرم نازي!
وكم تتعذب أمهات، وكم يتعذب آباء، للحصول على بطاقة زيارة ليتمكن الأب من رؤية ابنه الذي لم يره منذ سنوات، وهذا يقع خصوصًا بالنسبة لدول الخليج ولا ذنب له إلا أنه فلسطيني، الذين يعقدون من أجلهم المؤتمرات! ويدعون لمساعدتهم، هذا الفلسطيني الذي يبلغ من العمر ٦٠ عامًا والذي بكى طويلًا أمام سفارات دول الخليج لكي يرى ابنه وربما فقد نصف بصره وهو يبكي عليه! ويراجع سفارات الدول العربية التي تدعمه بالكلام فقط! بينما نجد النصراني الذي يحارب المسلمين تتيسر له الأمور بكل سهولة وقد يكون يهوديًا ولكنه يحمل جنسية أوربية.
إن هذه حقائق أذكرها ويعلم الله أنني لا أبالغ فيها وتحصل مع كل من يحمل وثيقة سفر سواء أكانت صادرة من مصر أو العراق أو سوريا.
ولا أدري هل يوجد مخطط بالفعل لهذا العمل من الدول العربية؟ التي تدعي أنها تدعم الشعب الفلسطيني أم ماذا؟
لقد التقيت بدبلوماسي كبير في إحدى السفارات قبل سنوات وقال لي بالحرف الواحد: إن هناك مخطط للمضايقة على الفلسطينيين حتى يرضخوا للحل الاستسلامي!
وهذا يظهر جليًا عند أبناء قطاع غزة، فلقد كان الفرد منهم قبل سنوات يرفض اليهود على أي شبر فوق أرض فلسطين، ولكن بعد هذا العذاب أصبح الفرد منهم يقبل بأي حل استسلامي! ولقد سمعت الكثير منهم يقول: كفى عذابًا، نريد أي حل، فهو مخطط مدروس بدقة مثل ما خططوا للشعب المصري وصوروا لهم أن الفقر سببه الحرب مع إسرائيل وإن كل مشاكل الشعب المصري نتيجة الحرب! فالشخص الذي يواجه ضربًا من الشرطة، وإهانة من الموظف، والتحقيق من المخابرات، والمضايقة عند أي دائرة حكومية، وإضاعة المال والوقت والتعب والسفر.. إلخ من أجل الحصول على معاملة قد لا تستغرق دقيقة أو دقائق لابد له أن يرضخ للحل الاستسلامي، إذا لم يتداركه الله برحمته.
فهل هناك مخطط بالفعل لأبناء القطاع، الذين لا يستفيدون بأي شيء لو أصبحت لهم دولة فلسطينية من قطاع غزة والضفة الغربية، حيث قطاع غزة وكما وضحنا أن مساحته قليلة ومكتظ بالسكان، فلو أصبحت لهم دولة من الضفة الغربية وقطاع غزة لما حصلوا على فائدة من أرض أو غير ذلك! سوى الحصول على جواز سفر ينقذهم من هذا الجحيم.. أم ماذا؟
ولما لم يمنحوا جواز سفر أردني مثل أبناء وطنهم في الضفة الغربية؟ قد يقول قائل إن نتيجة منحهم جواز سفر أردني هو أن شخصيتهم تذوب!
وأقول لهؤلاء: وهل ذابت شخصية أهل الضفة الغربية؟ وسلمنا جدلًا أنها تذوب فأيهما أشد خطرًا الرضوخ للحل الاستسلامي نتيجة العذاب الذي براه مع حصوله على وثيقة سفر، والهجرة إلى البرازيل والأرجنتين للحصول على جنسية أم الحصول على جواز سفر أردني!
وقد يقول قائل: المنظمة لا تملك حل مشاكل هؤلاء؟
وأقول لهؤلاء: إن الذي يتوسط في حل مشاكل الدول، والذي يريد أن يمثل أبناء قطاع غزة ويدافع عن حقوقهم، والذي يساعد ثورات بعض الشعوب ويدعمها عسكريًا بإمكانه أن يحل مشاكل أبنائه الذين يمثلهم، وكفى تعذيبًا حيث عندما يحصل خلاف بين مصر والمنظمة فإن أول ما تنعكس نتائجه إلا على من يحمل وثيقة سفر مع ملاحظة أن الذي يحمل هذه الوثيقة وهي صادرة من مصر لا يمكن له زيارة مصر إلا بموافقة الأمن الداخلي بمصر والمخابرات المصرية!
وفي النهاية أدعو الله- عز وجل- أن يغير هذه الأحوال لما فيه الخير والبركة، والسلام عليكم ورحمة الله.
أخوكم في الله
أبو خالد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل