العنوان نحو وعي سياسي
الكاتب ا. محمد سالم الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980
مشاهدات 87
نشر في العدد 484
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 10-يونيو-1980
- انعدام الوعي السياسي أو ضعفه أهم خلل في الصف الإسلامي.
- بعض المصلحين خدموا المعتدين على حق الله في الحكم من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
- الفهم الشامل للإسلام وللواقع السياسي أصلان للوعي السياسي.
- لا بد من التقاء الجماعات الإسلامية حول هدف مصيري.
لا يخفى أن العالم الإسلامي يشهد صحوة دينية شاملة تبدو آثارها واضحة في مختلف المجالات، ولا يخفى أن هذه الصحوة الإسلامية يكيد لها الأعداء من الكفرة والمنافقين بشتى السبل والأحابيل، ومع ذلك فإن مكمن الخطر الحقيقي ليس في عداوة الأعداء، بل في كيان العالم الإسلامي بعامة، وكيان المتصدرين للإصلاح الديني بخاصة، وإذا كان الوضع السياسي في العالم الإسلامي متدهورًا إلى درجة أنه لم يعد خافيًا على أحد، فإن وضع العاملين لاستئناف الحياة الإسلامية أدعى للدراسة والتأمل.
ونحن نرى أن أهم خلل في الصف الإسلامي يستوجب الطرح والمناقشة، هو انعدام الوعي السياسي أو ضعفه وعدم اكتماله في الغالب، والأدلة على ضعف الوعي السياسي لدى المتصدرين للعمل الإسلامي كثيرة.. أولها وأصدقها الواقع المؤلم للجماعات الإسلامية، ومن حيث تباعد آرائها من جهة وعدم التقائها على هدف مصيري واحد، بل لقد بلغ الأمر ببعض هذه الجماعات إلى مناقشة مبدأ العمل السياسي!! من حيث وجوبه أو عدم وجوبه!! ومن حيث توقيته في أحسن الآراء! والذين يمارسون العمل السياسي -وأعني هنا العاملين في حقل الدعوة الإسلامية- تجدهم يختلفون إلى آراء متعددة في قضية واحدة. وقد عايشنا بأنفسنا كيف أن كثيرًا من الشباب المسلم سارع إلى إعلان التأييد والرضا عن حكم القذافي، لمجرد رفع بعض الشعارات الإسلامية! ثم تبين لهم أن الرجل يفرق بين الله والرسول، بين الكتاب والسنة، ويجتهد في الكتاب على نحو لم يسبقه إليه أحد ولن يصل إليه أحد!
وكذلك كان الرأي في كل حدث كبير أو نازلة عظيمة.. في حادثة الكلية الفنية العسكرية، وجماعة «التكفير والهجرة»، وحادث الحرم المكي الشريف، والثورة الأفغانية والثورة الإيرانية وغيرها من الأحداث البارزات. ونحن لسنا هنا بصدد استعراض وتحليل مواقف الجماعات الإسلامية حيال هذه القضايا، إنما الذي يعنينا منها كونها شهادة لا تقبل النفي والإثبات، على أن العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ينقصهم الوعي الإسلامي.
- وما يحز في النفس أن عدم الوعي السياسي قد أدى في كثير من الأحيان إلى تعميق الهوة وزيادة الشقة في الصف الإسلامي، حتى إنه لم يعد صفًا! على أنه فوق ذلك وبسبب عدم الوعي السياسي أيضًا جيرت جهود كثير من المصلحين، لصالح المعتدين على حق الله في الحكم وحق الشريعة في السيادة! ولا يزال أناس ممن يتصدرون الدعوة الإسلامية، يقفون -من حيث يشعرون أو لا يشعرون- في صف المتعدين على حق الله في الحكم، أو يقبلون أحيانًا أن يكونوا أدوات بأيدي هؤلاء، يستخدمونها في الأوقات العصيبة لتهدئة الجماهير الغاضبة بحجة مصلحة الدعوة حينًا! وبحجة أن الوضع هنا أو هناك خير من غيره! بل وبحجة التركيز على البناء العقدي! أو عدم استعجال تفجير الصراع مع الباطل!
ونحن هنا لا نعني شخصًا بذاته ولا جماعة معينة، إنما نسوق ذلك لمجرد العظة والعبرة، وللتوضيح نقول إن ظاهرة عدم الوعي السياسي لا تستثنى منها جماعة من الجماعات القائمة على الدعوة.
ولكن ما هو الوعي السياسي، وكيف يتكون لدى الفرد أو لدى الجماعة؟
وبالطبع فإن مقالة واحدة ولا حتى كتاب واحد كفيل بتكوين الوعي السياسي لدى القارئ، ولكنها إشارات لمبادئ عامة عسى الله أن ينفع بها.
في معنى الوعي السياسي
- والوعي هو الإدراك والاستيعاب.. والقدرة على الربط والاستنتاج واتخاذ المواقف. والسياسة في اللغة تعني القيام على الشيء بما يصلحه فيقال سائس الخيل، وفي الحديث «كان بنوا إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم». والسياسة في المصطلح لها معان متعددة، ولكن جميع هذه المعاني تلتقي حول مفهوم الدولة ونظام السلطة فيها، ولكل دولة نظام سياسي.
ويعرف النظام السياسي بأنه مجموعة من القواعد والأجهزة المتناسقة المترابطة فيما بينها، تبين نظام الحكم ووسائل ممارسة السلطة وأهدافها، ومركز الفرد منها وضماناته قبلها، كما تحدد عناصر القوى المختلفة التي تسيطر على الجماعة، وكيفية تفاعلها مع بعضها، والدور الذي تقوم به كل منها».
وإذا كان الفهم والوعي من مستلزمات الفرد في المجتمعات البشرية المختلفة، سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية، فإن الوعي يلزم المسلم أكثر من غيره باعتبار أن شكل النظام السياسي بالنسبة إليه ليس اجتهادًا بشريًا، بل هو عقيدة دينية. والذين يتصدرون الدعوة الإسلامية هم أولى الناس بالوعي السياسي، باعتبارهم جماعة سياسية تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية، في مجتمعات فيها جماعات وأحزاب وقوى سياسية تناهض عقيدة الإسلام، أو تناهض الحكم بالإسلام.
ولو شئنا تحديد تعريف للعبارة الوعي السياسي، لقلنا إنه الإدراك والاستيعاب لطبيعة القوى والجماعات والحكومات، وكيفية الترابط فيما بينها من جهة، وطبيعة علاقتها مع الجماعات الإسلامية من جهة أخرى، ومن ثم تحديد الموقف السليم الذي ينبغي على الجماعات الإسلامية اتخاذه في ضوء الظروف والملابسات الواقعية، وهي في طريق عملها لاستئناف الحياة الإسلامية.
- وأصول الوعي السياسي للمسلمين اثنان:
الأول هو الفهم الدقيق والعميق للإسلام على أنه منهج شامل للحياة، ليس من حيث الشكل فحسب، بل باعتباره نظرة كلية كاملة نحو الحياة والكون والاجتماع والسياسة والاقتصاد والأخلاق.
وإذا كان العاملون في حقل الدعوة الإسلامية يتفقون على ضرورة هذا الفهم الشامل للإسلام، إلا أنهم في عالم الواقع لا يطبقون ذلك، فمناهج التربية لدى الجماعات الإسلامية بلا استثناء تغلب جانبًا على جانب.
فقد تجد شابًا مبحرًا في عالم التفسير ولا يعرف من علم الحديث إلا قليلًا، وقد تجد آخر مستغرقًا في العبادة ولا يدري ماذا يدور حوله.
وقد تجد ثالثًا يحفظ البخاري ومسلم، بل يتقن علم الحديث، ولكنه لا يفهم في السياسة شيئًا. وقد يقول بعضهم إن العمل السياسي يتنافى مع أخلاق الإسلام! أليس الشهرة نوعًا من الرياء! بل قد يقول أحدهم ناصحًا لا تضيع وقتك في قراءة الصحف ومتابعة الأخبار وتحليل الوضع السياسي، فهذا عمل لا تؤجر عليه!!
على أن موضوع العمل السياسي الذي يختلف عن مفهوم الوعي السياسي، يحتاج إلى معالجة أخرى.
ولذلك فإننا نطالب الجماعات الإسلامية بتغيير مناهج التربية فيها، لتؤمن لكل فرد الفهم الشامل الكامل للإسلام كمنهج حياة، وأن تكون مدار الدعوة حول ذلك. ومن أراد بعد ذلك التزود أو التخصص فشيء حسن ومطلوب.
ونحسب في هذا الجانب أن ما ينقص الجماعات الإسلامية هو التركيز على بناء الدولة الإسلامية حتى يكون الدين لله، وواجب الدولة الإسلامية هو تربية الإنسان على فكرة الإسلام وطبعه في اتجاهه وأحاسيسه بطابعها، ثم مراقبته من خارج وإرجاعه إلى فكرة الإسلام إذا انحرف عنها عمليًا.
والأصل الثاني: من أصول الوعي السياسي هو الإلمام الشامل والإدراك التام للواقع وطبيعة القوى المتحكمة فيه.. ماذا يريد وإلى أين يسير، وذلك حتى يمكن تحديد الموقف السليم الذي ينبغي للحركة الإسلامية أن تتخذه، سواء كانت في مرحلة البيان والدعوة، أو الاختيار والبناء، أو الصراع والتنفيذ.
وواقع الدعاة اليوم، مع إيمان كثير منهم بأهمية ذلك، لا زال محدودًا. ومن عجب العجب أن يهرع المسلم الملتزم إلى اللاهي أو المنحرف ليسأله عن الوضع السياسي!! وآفاق المستقبل السياسي؟!
ومتطلبات هذا الأصل كثيرة تحتاج إلى موضوع مستقل، ولكن باختصار لا بد من معرفة القوى الجاهلية المناوئة للإسلام، وطبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة، وارتباطها بمصالح الدول الكبرى وقنوات السياسة الدولية.
- وأخيرًا فإن هنالك مسائل سياسية كثيرة لا تزال معلقة! الدولة الإسلامية وكيفية بنائها، العمل النيابي والأحزاب السياسية.
ومن مقتضيات الوعي السياسي توحيد العمل الإسلامي على أساس من فهم أصلي الوعي السياسي في الإسلام، فهل من مدرك لذلك وهل من مجيب؟!
﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. (ق: 37)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل