; نحو نظرية في الأدب الإسلامي. . | مجلة المجتمع

العنوان نحو نظرية في الأدب الإسلامي. .

الكاتب محمد هدى قاطرجي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978

مشاهدات 70

نشر في العدد 403

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 11-يوليو-1978

  الالتزام ومفهومه لدى شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث

ليس غريبًا أن يتلون الأدب بتلون الحياة، ذلك أن الحياة تضع مياسمها على كل ما تصادفه، وقبل أن أباشر قضيةالالتزام عند الشعراء الإسلاميين أود أن أشير إلى الأدب العالمي وتقلبه وكنه تدرجه في ألوان مختلفة، لأقف على ما تميز به الشعر الإسلامي عن غيره مما يسمى ىشعرًا. 

أما الآداب العالمية ومنها الشعر عربيًا كان أم غير عربي فقد مر بمراحل أطلق على كل واحدة منها اسمًا من أسماء المذاهب والمدارس الفنية المعروفة كالمدرسة الكلاسيكية والمذهب الرومانسي، والرمزية والطبيعية والسريالية وأخيرًا الواقعية وقد ميز النقاد بين ما أدرجوه في هذه المدرسة أو تلك شكلًا ومضمونًا، والملاحظ أن هذه المدارس باستثناء أصحاب الواقعية أجمعت على عزل الفن والأدب عن الواقع، ونادت بتجريده عن كل قيمة اجتماعية وإبعاده عن كل اتجاه سياسي، وطاب لهم حصر الأدب في نطاق واحد هو الذاتية الفردية التي أصمت السمع عن كل ما حولها، وصدرت عن وجدان ضيق بعيد عن التفاعل والانفعال بأية قيمة اجتماعية أو سياسية، وإزاء تجنب التفاعلات الحضارية للمدارس الأدبية فقد غضت البصر عن رؤية الأسباب الحقيقية للمأساة التي يعيشها الإنسان على مر الزمان، وقد مثلت تلك المذاهب الأدبية موقفها وصلفها هذا حيث شكت بنتاج الفكر وطاقاته ونادت بضرورة إبعاده عن الفن والأدب، وقد فسر المنظرون لهذه المدارس موقفهم بدعوى أن العقل يتصادم والمعطيات الفنية التي يقذف بها اللاشعور. ومن هنا كانت مهمة الشاعر والأديب في الحياة غائمة في أذهان أصحاب هذه المدارس الأدبية.

ولما جاءت الواقعية نادى أصحابها بقيمة العقل ودوره في العمل الأدبي، وتنبهوا لدور الشاعر والفنان في الحياة إلا أن هؤلاء لم يرتكزوا في مفهومهم على خلفيات من العقيدة والإيمان، لذا فإن قضية الالتزام عندهم لم تتبلور بحيث تقدم نفعًا إلى مجتمع ما. 

وإذا كان الالتزام يعني الاتكاء في التعبير على دفة الواقع الحياتي التي تعيشها الأمة والصدور في التعبير عن فكر نابع من ذلك الواقع، فإن الشعراء والأدباء الإسلاميين قيدوا مفهومهم للالتزام بالمعتقد الديني خلافًا لأصحاب المدارس الواقعية على اختلاف أنواعها وأشكالها والتي لم ترتكز على أي معتقد بل إنها سعت لمحاربة المعتقدات والمفاهيم الدينية.

لقد تبنى الشعراء الإسلاميون أفكار الدعوة الإسلامية ونافحوا عن معتقدهم وربطوا الملكة الفنية بالفكر الاعتقادي وحاضر الأمة فعاشوا بفنهم كل الحدث السياسي والحدث الاجتماعي والحدث التاريخي، وصدروا عن وجدان متفاعل ومنفعل بحركة الأمة مع الزمان، ولم يغفل الشاعر الإسلامي عن النقد والإصلاح ولو كلفه ذلك دمه، فكان أكثر الشعراء التصاقًا بما آمن به وارتباطًا بحركة الدعوة التي يناضل ويجاهد من أجل انتصارها وضمن كل ذلك لم يفرق الشاعر الإسلامي بين الشكل والمضمون، ذلك أنهما متلاحمان عنده مما يشير إلى صدقه في معتقده وفنه بآنٍ واحد، وأحب أن أعلل هذا الالتزام عند الشعراء الإسلاميين ووضوح الواقعية عندهم بأن الفن والأدب والشعر عندهم وسيلة وليس غاية، إن العملية الشعرية عند أي من هؤلاء حالة وجدانية تنبع من التفاعل بين الذات والمعتقد والحياة فتكون العملية الشعرية إذن تحمل بين طياتها التوجيه العقائدي الإسلامي المرتبط بالحياة وشئونها، لذلك فإن العقيدة الشعرية كعمل أدبي أداة من أدوات الدعوة الإسلامية وحركتها، ويتضح هذا من موقف الشاعر المسلم نجيب الكيلاني الذي حدد مفهومه للفن في ديوانه عصر الشهداء، فهو يطالعنا من خلال الفن بسلاح له وظيفته الحياتية ومهمته الحركية والدعوية، يقول في قصيدته: الفن -:

أريد الفن أن يلهب روح الغضبة الكبرى

 يشكل جيلنا الحيران. يذكي فكره الحرا

يطارد خيبة الآمال والاتحاد والفقرا

والشاعر يوضح مفهومه للفن فيطالب بأن يكون الفن ترجمان العقيدة والإيمان، يقول :

أريد الفن يومض. . من أهاننا الحرى

يترجم عن هدى الإيمان في أيامنا الحيرى

 لكن كيف للشعر أن يحقق نفسه كوسيلة دعوية؟ إن عليه وعلى صاحبه أن يخوض معمعمة الحياة وعندها يبنع ثمره ويؤتي أكله، أما غير هذه السبيل فهي سبيل رفضها الشعراء الإسلاميون الذين تصدر موقف الرفض فيهم الشاعر محمد منلا غزيل في قصيدته- الله والطاغوت- يقولفي هذا المقام: 

والشعر إن لم تلح في التيه جذوته

نورًا مبينًا فلا كانت عطاياه

 وإذا كان التزام الشاعر المسلم يكون بربط موقفه الفني بموقفه الحياتي الذي توجهه العقيدة فإن الشاعر وليد الأعظمي يحدد ذلك الالتزام ببعده عن الهوى وجهره بالحق بعيدًا عن العصبية القاتلة التي تحيد بالإنسان عن جادة الحق، فالالتزام عنده موجه بالعقيدة، يقول في قصيدته- يا ليلة القرآن

أستغفر الرحمن ما أنا شاعر

 (يهوى) ولست مع الهوى أتقلب 

أنا لا أقول الشعر إلا صادعًا 

بالحق أفضح من يروغ ويكذب

إني لغير الله لا أتعصب

 هذه هي سبيل الالتزام عند الشعراء الإسلاميين، والالتزام بقضايا الأمة واجب ديني عند هؤلاء وتركه جريمة لا تغفر، فالشاعر المسلم الذي يعايش أحداث أمته يحمل عبء مجتمعه ومسيرته، فينصب من نفسه الحارس الأمين والموجه الصادق لأبناء عقيدته، أما الفتور عن هذا الواجب فليس من شأن هؤلاء الملتزمين، وقد عبر الشاعر الأديب محمد محمود الحسناوي عن هذا المفهوم بدقة ووضوح، يقول في ديوانه- ربيع الوحدة. 

أنا مجرم كالآخرين إذا تملكني الفتور         

 أنا حامل عبء الجميع فكيف أتركه يفور

إن الشاعر الإسلامي أذاب نفسه في معايشة قضايا أمته ومصير شعبه فوجدانه قلما يتسع لغير صيحات أمته، وريشته لا تسطر حرفًا إلا إذا كان ينبض بحياة الأمة ومعركتها من أجل المصير، والشاعر محمد أحمد الصديق يجيش منفعلًا بكل رعشة من جراح أمته وآلامها، فتنبري قصائده تلقائيًّا لتؤدي ما عليها من التزام أمام الحدث الذي استثارها، والشاعر هنا لا يستطيع الوقوف مكتوف اليدين أمام أحداث أوطانه الرهيبة، والتزامه هنا ليس التزامًا صادرًا عن تفكير، بل هو التزام يتميز بالتلقائية والفورية، وهذا شأن المسلم، يقول:

من رعشة الجرح بل من وطأة الألم     يجيش بالشعر في ليل الأسى قلمي

ويرسل الصيحة النكراء محتدمًا            يصب بين ضلوعي ثائر النقم

كيف القعود وفي الأوطان مذبحة     رهيبة قد جرت من أدمع ودم

عصابة الغدر عاثت في مرابعنا              ومزقت حرمات الله في الحرم

والشاعر في مثل هذا الموقف المؤلم ينسى نفسه فيرتبط عن سلاح الشعر بسلاح النار والبارود. وهنا تتجلى قمة الالتزام، فالشاعر محارب بلسانه ومقاتل يحمل رشاش القتال ومدفع الحرب، وهو يود لو حشا مدفعه بقذائف النار المختزنة في صدره وهذا واضح فيما قاله الشاعر أحمد محمد صديق ضمن قصيدته- أنشودة الغداء. 

لا شيء يطربني ويشجي مسمعي          كأزيز رشاشي وصولة مدفعي

 من غرفتي أحشو القذيفة من لظى        روحي أعبئ نارها من أضلعي

 وأمام عمق المعايشة لأحداث الأمة وبدافع العقيدة والإخلاص، صار من الصعب على الشاعر المسلم أن ينعتق من التزامه ولو شرب كؤوس الموت أو التشرد أو غير ذلك مما عاناه كثير من الشعراء الإسلاميين بل إن أحدهم ليرفض كافة متع الدنيا ويتمسك بالتزامه ليحقق هدفه الذي يعتبره جزءًا لا يتجزأ من عقيدته وهذا الالتزام من أشبه المواقف بالتزام رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته، ولا غرابة في ذلك، فالشاعر المسلم الذي فهم دعوته وعرف هدفه في هذه الحياة فإنه يرفض عروض الدنيا ومتاعها البخس، فهو لا يطلب إلا ربه، وغير ذلك سراب لا قيمة له بين القيم، إن هذا النوع من الاستعلاء على الدنيا نجده في التزام الداعية الكبير الذي صب عصارة قلبه وروحه أمام الدعوة، إنه عصام العطار في قصيدته- من مشكاة القلب يقول:

ولو ملكت خياري والدنا عرضت         بكل إغرائها في فنها العجب

لما رأت غير إصراري على سنني                وعادها اليأس بعد الجهد والتعب

قلبي خلي عن الدنيا ومُطَّلبي                ربي فليس سراب الأرض من أربي

والهدف عند الشاعر الإسلامي الذي يسعى إليه بهذا الالتزام شيء واحد من اثنين: النصر أو الشهادة في سبيل الله، وميدان ذلك هو الجهاد في ميدان القتال، وهذا الهدف جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلم، يقول الشاعر محمد أحمد مصطفى في قصيدته- الموت في درب الفداء:

والموت في درب الفداء عقيدة              موصولة بالخالق الغفار

أقسمت أني سوف أغسل عارنا            أو أن أموت. . فميتة الأحرار

على أن الالتزام العقائدي الإسلامي التزام واضح ولا يحيد صاحبه عنه وهو التزام متميز مستقل لا يتأثر بالميول والأهواء، كما أنه لا يتأثر برغبات القادة الذين يتخذون من الطاغوت حكمًا وسندًا ومعينًا، وفي قصيدة- صدى الكفاح- لوليد الأعظمي نقف على هذه الاستقلالية لالتزام الشاعر المسلم، يقول:

ولم نتخذ مسلكًا أعوجــــا

ولم نتبع قائدًا أهوجا

يميل بنا عن طريق الجدود

بهذا القدر يستطيع الإنسان أن يقف على ملامح الالتزام الفني لدى الشاعر الإسلامي، فهو موجه بالعقيدة، ملتزم بالصدور عن أفكار الدعوة، صادق فيما يدعو إليه، وهو فوق ذلك يعتبر نفسه جزءًا لا يتجزأ من حاضر أمته وماضيها يرفض الانعزال والقوقعة والسكوت على الباطل، كما أنه شاعر متميز مستقل عن المؤثرات ولو كلفه ذلك حياته، وإذا كان لشعراء المذاهب الواقعية التزام فهو ليس كالتزام الشاعر المسلم، إذ أنه يخلو منذ البدء من الموجه الديني والرقيب الرباني، فقد كفر أصحاب الواقعية الحديثة بذلك واندحروا منحطين في براثن المادية العمياء، إن العقيدة هي الروح والإطار والمحرك الوجداني والدفع الحركي لدى الشاعر المسلم ولما التحم وجدانه بهذه الأطر فإنه لم يعد له انفكاك عن التزامه الفني هذا لأن الالتزام وفق هذا المفهوم هو الحياة كلها، وهو الوجود بشتى صوره ومعانيه، يقول الشاعر عبدالله عيسى السلامة:

فإذا تسربلتُ الزمان فإنما                     أنا فيه مثل النور للأسلاك

قلب الوجود أنا وزهر حقوله                وشذاه نفح من شذاي الزاكي

إن هذا الموقف الشعرى موقف ملتزم بكل ما في الحياة، وهو موقف نابع من العقيدة الإسلامية التي تشمل الحياة كلها، وهذا شأن كل شاعر ملتزم بالإسلام . 

الرابط المختصر :