; نحو إنسانية بلا أطماع ولا وثنية | مجلة المجتمع

العنوان نحو إنسانية بلا أطماع ولا وثنية

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1974

مشاهدات 62

نشر في العدد 197

نشر في الصفحة 23

الثلاثاء 23-أبريل-1974

إن أخوة البشرية شيء تتكلم عنه فطرة الإنسان وبشريته؛ فأخوة النوع شيء بدهي.

فكل نوع من الحيوان وكل جنس له بأفراده علاقة الأخوة والاشتراك في الأصل، وكذلك النبات والجماد، وقد حدثنا القرآن الكريم عن مراحل أخوة الإنسان، فذكر أصله في الخلق والمادة، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون: 12).

ثم بيّن اشتراكه في مراحل الخلق وطريق هذا النمو فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: 13 . 14).

ثم كانت روحه واحدة وطبيعته واحدة وإحساسه واحد، عقل وشهوة وعاطفة وفرح وحزن وأحاسيس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1) ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: 189). إذًا فأخوة البشرية شيء أصيل أصالة الخلق، قديم قدم البشرية لا تؤثر فيه عوارض زائلة، أو إشکال عارض، من تنوع لقبيلة أو تعدد الشعوب او تغير للون او اختلاف للسان ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13) لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ (الروم: 22) ثم اشتراك في التدرج ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ (الروم: 54). 

إذًا، فمن الذي فرّق بين الإنسانية، وجعلها متدابرة متقاتلة متناحرة، وأي جرم هذا الذي قلب تلك الفطرة رأسًا على عقب.

إن حفنة من المناكيد الذين ركب الشيطان رؤوسهم تآمروا على إخوانهم فقتلوا تلك الأخوة ومزّقوا هذا الرباط ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة: 30).

وهؤلاء، كان حتمًا أن ينبذوا وأن يطردوا من رحمة الإنسانية وأن يواروا التراب ولكن لجهالة البشرية ونكدها تسنموا على القمة وطفوا على السطح وملكوا زمام الأمر، فربوا الذئاب المفترسة التي ساعدت على التهام الحملان الوديعة وأقيمت الأفراح والأعراس لمذابح تلك البشرية وإذلالها حتى نسيت البشرية أن هناك رباطًا اسمه الأخوة فأصبحت تذكر به ويستغرب وقعه في الآذان ولمسه للنفوس وصار الداعون إليه غرباء يتهمون بالتمرد و الفتنة والتحريض والخروج على النظام والقانون، يطاردون ويخرجون ويقتلون ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: 1 ) ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز﴾ (هود: 91) ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (إبراهيم: 13 ).

أو مخرجي هم فقال ورقة بن نوفل ذلك الفاقه المجرب لرسول الله «نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يأتيني يومك أنصرك نصرا مؤزرا»، فكان لا بد من جهد شاق وكفاح مميت ليتوقف ذلك الدمار الماحق لهذه الروابط والأواصر، ولا بد من مثل حي يرجع إلى فطرته ويعود إلى إنسانيته فيتذوق حلاوة الأخوة، فيطلع نورها ويظهر ثمارها حتى يفيء الناس إليها وتأوي إلى ظلها الظليل فيكون السلام والرحمة والشفاء، ويسمع ذلك النداء مجلجلا ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (البقرة: 208).

ولا بد من رواد جردوا أنفسهم لهذه الغاية لا يأبهون بنصب ولا مخمصة ولا عرض وإن كان الدنيا كلها، يحملون طاقات ونفوسًا لا تقاس بمثلها نفوس الظالمين ولا عقولهم ولله در الشافعي إذ يقول:

عليه ثياب لو تباع جميعها بفلس 

لكان الفلس منهن أكثرا

وفيهن نفس لو تقاس بمثلها

نفوس الورى كانت أعز وأكبرا 

ولا أخال شيئا يحتاج إلى إنقاذ مثل ما تحتاج البشرية اليوم حيث يوجد الحقد والهجر وفي كل مكان قطيعة، وفي كل يد رصاصة.

حتى مل الناس هذا الصراع الذي لا ينتهي .. القوي يبقى المسيطر على الضعيف، والضعيف يحاول جهد المستميت الفكاك وإبعاد الذل عنه فتارة يتحالف الأقوياء ويقسمون قوت الجياع، وتارة تباع التركة بواسطة سماسرة محترفين غلاظ، وتارة تخدر الفريسة بالشعارات والوعود والأحلام والمنى حتى تساق إلى حتفها المرسوم. وأعود فأقول إن الدنيا تحتاج إلى رواد حاني القلوب، صادقي الوعود، صافي النفوس. وقد تشعر وتحس في كلام سيد المرسلين وفي قلبه ونفسه وفؤاده هذا الدفء مع قومه في هذا الحديث «إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو ضللت الناس جميعا ما ضللتكم». 

  • إن الرحمة شيء لا تستطيع صناعته المصانع ولا إنتاجه الشركات ولا اختراعه المعامل؛ ولذلك ما وفرته الحضارة ولا أثمرته المدنية.
  • إن الرحمة نتاج روحي رباني يحول القلوب من القسوة إلى اللين والحب، ومن البغي إلى العدل، ومن القطيعة إلى الأخوة، ومن الظلم إلى الرحمة والعطف، ومن الضيق إلى السعة والأمن، شعاع إلهي من الرحمن الرحيم ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ (آل عمران: 159).

والذين يبعدون البشرية عن الله يبعدونها عن مصدر الحنان وعن مصدرها الوحيد ونبعها الصافي، ويدخلونها في دروب الضباع ويصنعون لها غابًا تزأر فيه وكهوفا وصحاري قاحلة تعيش فيها حياة مفترسة، وإن استبدلوا بالغابات ناطحات السحاب وبالصحاري الطرق الممهدة، ولكن المناخ لم يتغير، والحقيقة لم تتبدل وإنما الذي غير وبدل هو «المكان والزمان».

  • والذين يخربون الروحانية إنما يخربون الإنسان من داخله ويهلكون حقيقته التي هو بها إنسان ويحيون حيوانيته بكل معانيها البهيمية بغرائزها الجامحة وبشهواتها المفترسة وبأهوائها العاصفة وبلطونها الملتهمة.
  • فإذا به يعجبك قوله ويسوؤك فعله، يسرك منظره ويخيفك مخبره، يعطيك سلامًا ولكنه الدمار، يدّعي الحق وهو الكذوب ويدعي الصدق وهو المنافق ويدعي الأمن وهو بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد..
  • ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (البقرة: 204 . 205 .206).
  • إن تخريب الروحانية تقطيع للعلاقات الاجتماعية في الأمم والشعوب، وتمزيق للروابط وبذرللحقد، وحصاد للشقاق؛ لأن القلوب التي خوت من الإيمان قلوب لا تعرف إلا الغرض ولا تبغى إلا الأخذ، تبتعد عن العطاء وتنفر من السخاء، ولا دواء لهذه القلوب إلابالإيمان الذي يزرع الثقة ويعلي المثل ويرفع الخلق ويبعد عن الأوحال. وكم كان فعل الإيمان سريعًا في أقسى قلوب عرفتها البشرية وشاهدتها الصحراء العربية، فإذا بها تليق حتى تصير ماء يروى الخواء ويثبت الزهر، ويخرج الثمر التي ما ذاقت البشرية ولن تذوق أشهى منه فأشرقت الأرض بنور ربها فكانت ربانية سامقة عالية مشعة ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾(النور: 35).. وصارت حبًا وسلامًا وأمنًا وإخلاصًا وأخوة وايثارًا ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرً﴾(الإنسان: 9 . 10). إن هذه النفوس المنتصرة الظاهرة التي قهرت الضعف، وطوعت الشهوة، وعدلت السلوك، وصارت أستاذة للبشرية بالعمل والمثل والسلوك في صبر وأناة وجهد لجديرة بالمجد حقيقة بالرفعة.
  • جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتكي قسوة قلبه «فقال له إن أردت تليين قلبك؛ فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم» رواه أحمد بسند صحيح. 
  • كيف غابت هذه الدروس عن الإنسانية في هذا العصر النكد وأين ظلالها في دنيا الحضارة والعقول الالكترونية. إن المحاصيل الزراعية الوفيرة تلقى في البحار وتعدم بآلاف وملايين الأطنان ولا تعطى للشعوب التي تموت جوعا، ولكن يقوم لها الحرب والسعير والشقاق والحرمان وتسخر كما يسخر الحيوان ولا تطعم حتى ما يسد الرمق. إن هؤلاء نسوا وتناسوا بديهات الأخوة الإنسانية التي تبنى عليها حضارة الإنسان في كل عصر تحترم الإنسانية فيه نفسها وتود العيش في سلام ووئام. فقل لي بربك أهؤلاء يصلحون أن يكونوا أساتذة للبشرية؟ ألا ما أكثر المخدوعين وأسفه المقلدين؟!!!
  • إن الغذاء الفكري الذي يقدم للإنسانية صباح مساء كريه فاسد تغص بـه الحلوق وتنقطع منه الأمعاء. فما الشعارات التي تملأ الأجواء وتحيط بالأسماعوتحملها أمواج الأثير وتطفح بها أنهار الصحف إلا دعوة للعداوة وبذر للشقاق وإنبات للمخالب المفترسة وتخدير لقوى الشر في الانسان. إن المناداة بالمذاهب المتعددة والأفكار المختلفة التي تلقي بها شياطين الشرق والغرب في طريق التائهين الذاهلين عن أنفسهم من أحياءللشعوبيات والقوميات والإباحيات لدليل أكيد على الرجوع بالبشرية إلى عصور الهمجية الجاهلية التي تخلص الإنسان منها على يد المصلحين الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 2627 . ).

إن طرح الشعوبيات والقوميات والمذاهب المختلفة التي تفتق عنها العقل الدعي والتي تتسولها اليوم كثير من الشعوب المقلدة، تقليد القردة، وتعض عليها بالنواجذ ونرى فيها الأسلوب الأخير من التفكير وآخر ما وصل إليه العقل البشري من وسائل التنظيم والتخطيط مع أنها من بقايا عصر البداوة والحياة القبلية المحدودة في صورة موسعة. فإن الاعتزاز بالجنس والقبيلة والتفاخر بهما وادعاء المتفاخر بأنه لا مثال لقبيلته في العز والشرف وأن لها السيادة والرياسة دون الجميع كان من سمات المجتمعات الجاهلية، انظر إلى عمر بن كلثوم في قوله:

ونشرب إن وجدنا الماء صفوا 

ويشرب غيرنا كدرا وطينا 

ثم يقول:

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما

تخر له الجبابر ساجدينا 

ويقول جرير في ذم غيره:

فغض الطرف إنك من نمير           

فلا كعبا بلغت ولا كلابا 

ثم يمدح الشاعر قومه:

أحلامكم لسقام الجهل شافية           

كما دماؤكم تشفي من الكلب 

وهذه أشياء خلعها الناس على يد المسلمين من زمن بعيد، وقد بدأ مفكرو الشرق والغرب من العقلاء بعدما سفعت بنواصيهم الحروب ينظرون الى القومية والشعوبية نظرة احتقار وازدراء ويعتبرونها دليلاً على الرجعية والتزمت وعنصرًا هدامًا للإنسانية والسلام العالمي - ويدعون إلى الوحدة الإنسانية وفكرة الأسرة العالمية. وهذا المؤرخ الشهير أرنولد توينبي يكتب في مستقبل الإنسانية بعد ما أجهدته التجربة وأنهكه البحث فيقول: «إن مستقبل الإنسانية يتوقف على أخوة روحية لا يمنحها غير الدين، وهو الشيء الذي يحتاج إليه النوع الإنساني في هذا الوقت».

  • الشيوعية تزعم أنها تستطيع أن توحد النوع البشري ولكن الإسلام أثبت ويثبت صلاحيته كقوة موحدة للإنسان كما فعل في إفريقيا.. ثم يقول. ولكن القومية لا تستطيع أبدا أن توحد الإنسانية،  بل إنها توزعها وتشتت شملها.
  • ومن أجل ذلك ليس لها مستقبل، وإنها لا تستطيع إلا أن تدفن الإنسانية في ركامها، إنه يجب علينا أن نختار إحدى النتيجتين في عصر الذرة، وأننا إذا أردنا أن ننقذ أنفسنا من الهلاك والدمار فينبغي لنا أن نحتضن اإنسانية كلها من غير استثناء ونتعلم كيف نعيش كأسرة واحدة.

وكذلك نادى الدكتور - رادھا کرشنان - بتبني فكرة الأسرة الواحدة على وجه الأرض حتى يسلم العالم من عواقب القومية العسكرية، فقال: «إن الوطنية والقومية ليست المثل الأعلى للإنسان بل إن مثله هو فكرة الأسرة العالية الواحدة. إننا نعيش في عالم حديث ولكن أفكارنا قديمة عتيقة».

فهل سيفيق التائهون، ويرجع الحائرون، ويقف المقلدون، وينظر المبصرون إلى نداء ربهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). 

اللهم وفق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 33

105

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

أسامة بن زيد  الحب بن الحب

نشر في العدد 35

147

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

أفكار مستوردة - الديمقراطية