; نحو مجتمع أفضل أزمة السكن والإيجارات في الكويت | مجلة المجتمع

العنوان نحو مجتمع أفضل أزمة السكن والإيجارات في الكويت

الكاتب مشاري البداح

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1975

مشاهدات 0

نشر في العدد 269

نشر في الصفحة 10

الثلاثاء 30-سبتمبر-1975

نحو مجتمع أفضل

أزمة السكن والإيجارات في الكويت

بقلم: مشاري محمد البداح

لقد تطرقت في مقالتي السابقة إلى أزمة التخطيط الكويت ووعدت القراء الأعزاء بأن لحديثي ذلك بقية.

موضوع الحديث هذه المرة فرض نفسه على كل مواطن ألا وهو أزمة المساكن والارتفاع الفاحش في الإيجارات. ولا أحد يستطيع أن ينكر أن هذه المشكلة ما هي إلا نتيجة حتمية لسوء التخطيط في البلاد على مستوى الدولة والأفراد.

فنتيجة لسوء التخطيط وانعدام الرؤية المستقبلية لتطور البلاد وظروفها واحتياجاتها حدثت أزمة المساكن وارتفاع الإيجارات خصوصًا بالنسبة للشقق التي هي المسكن الملائم للإخوة الوافدين من الدول العربية الشقيقة.

فبلد كالكويت يشكل فيه الوافدون نسبة تزيد على نصف عدد السكان وتتزايد حاجته إلى هؤلاء الوافدين عامًا بعد عام يوجب علينا وضع خطة طويلة الأمد لتوفير السكن المناسب لهم من ناحية مستوى السكن ومستوى الإيجار.

إنه لأمر محزن جدا أن تحدث الأمور في هذا البلد الصغير بشكل عشوائی يهدد استقرار الحياة فيها.

فالمتتبع لتطور البلاد من جميع النواحي يرى بمنتهى الوضوح مدى التخبط في مسيرته.

     لقد سمحت الدولة لوزاراتها بطرح مناقصات عديدة لمشاريع ضخمة منها على سبيل المثال مشاريع بناء مستشفيات الفحاحيل ومبارك الكبير والأميري والجهرة والفروانية وقبل ذلك مشروع بناء مبني الركاب لمطار الكويت الدولي ومجمع التلفزيون والإذاعة وفي المستقبل القريب ستطرح مناقصات أخرى كبيرة كمشروع مبني مجلس الأمة وجامعة الكويت هذا بالإضافة إلى المشاريع المحلية العديدة التي يصعب حصرها هنا. ولكن من أين لنا بالأيدي العاملة الكافية لإنجاز هذه المشاريع؟؟ وإذا نحن الزمنا المقاولين كما هو متضمن بشروط هذه المناقصات بتوفير الأيدي العاملة لإنجاز هذه المشاريع فمن أين لنا بالسكن المناسب الكافي لإيواء هذا العدد الضخم من العاملين. ومن أين لنا بالغذاء المناسب سعرا ونوعا لإطعام هؤلاء من أين لنا بالخدمات الأخرى كالعلاج والتعليم والمواصلات لسد حاجة هذه الجموع الكثيفة التي تساهم في تنمية الوطن وتطويره.

إنه حقًا لمدعاة للعجب أن تسير أمورنا بهذه العشوائية.

     نعود فنقول إن كل هذه المشاكل هي نتيجة حتمية لسوء التخطيط والارتجال في تصريف أمور حياتنا. فلماذا يحدث هذا ومن هو المسؤول عن ذلك.

لا شك أن الدولة هي المسؤولة في الدرجة الأولى عن حالة عدم الاستقرار التي نعيشها. وإذا استمرت الأمور على هذا المنوال- لا قدر الله- فإن البلاد ستمر بأزمات اجتماعية واقتصادية لا يمكن حلها أبدًا.

     السؤال الآن هو أين مجلس التخطيط وما هو موقفه تجاه هذا الاضطراب الاجتماعي والاقتصادي الذي تتردي فيه البلاد؟ حسب علمي وبحكم بعض الصلة التي تربطني ببعض العاملين في هذا الجهاز الهام والحساس أقول بأنه ليس من العدل إن نضع اللوم بكامله على مجلس التخطيط فأنا أعلم أن مجلس التخطيط بذل جهودا لا بأس بها كبداية وكمحاولة لوضع سياسة تخطيطية لهذا المجتمع. ولكنه اصطدم بواقع غريب هو أن ما يقدمه هذا الجهاز من محاولات لوضع خطط للتنمية الاجتماعية والاقتصادية تذهب أدراج الرياح.

إذ أن معظم الأجهزة والمؤسسات في الدولة لا يستسيغ مثل هذا التخطيط العلمي لأن الأمور في النهاية تخضع لاعتبارات أخرى لا علاقة لها بالتخطيط.

فمجلس الوزراء مثلًا وهو السلطة العليا -والذي يسير كل صغيرة وكبيرة تتعلق بمصائر الناس- عندما يتخذ هذا المجلس أي قرار ينسى أن هذا القرار مرتبط بأمور عديدة يلزم ربطها ببعضها البعض ودراسة تأثير بعضها على بعض. فمثلًا عندما يقرر مجلس الوزراء دفعة واحدة توزيع آلاف القسائم على المواطنين من ذوي الدخل المحدود لبناء مساكن لهم هل تذكر المجلس توفير الأيدي العاملة لبناء هذا العدد الضخم من المساكن وهل دار بخلده توفير المواد الإنشائية لتغطية حاجة هذه المساكن الجديدة. وهل وضع في اعتباره توفير السكن الملائم والقوت والخدمات اللازمة لهذه الأعداد الهائلة من العمال وماذا عن مشاريع هيئة الإسكان والمشاريع الضخمة الأخرى التي سبق ذكرها آنفا كيف سنوفر لها احتياجاتها؟   

إنه فعلًا لأمر يدعو الإنسان للعجب.

أين التخطيط العلمي المسبق؟ وكيف يمكن أن نتخذ قرارات بدون أن نحسب حساب نتائجها.

     إن أزمة الإيجارات التي تهز البلاد. كيف يمكن أن تترك برمتها وحجمها الكبير وتعقداتها المختلفة لملاك العمارات ليضعوا الإيجارات كيفما يشاؤون وحسبما يرغبون دون اية ضوابط.

نحن لا ننكر بأننا نعيش في بلد له نظام اقتصادي حر ارتضيناه لانفسنا. ولكن هل يعني ذلك ان نقف بجانب مصلحة اقلية من ملاك العمارات على حساب غالبية الشعب هنا في الكويت خصوصا إذا كان واقع الحال أن غالبية هذا الشعب من الوافدين الذين لا يملكون إلا مرتباتهم المتواضعة جدًا التي لا يمكن أن توفر لهم العيش الكريم في ظل هذه الظروف المعيشية الصعبة. إن ديننا الإسلامي لا يرضى بذلك. فمصلحة الأغلبية هي دائما فوق مصلحة الأقلية.

وتوفير العيش الكريم والحياة المستقرة هو من مسؤوليات الدولة الرئيسية. وهؤلاء الوافدون ما قدموا إلى البلاد إلا بناء على احتياجاتنا الماسة إليهم كي يساهموا معنا في نهضتنا. فكيف تأتي بهم إلى هنا ونتركهم يواجهون هذه الحياة الصعبة ؟ إنه أكرم لهم أن يبقوا في بلادهم حيث يتوفر لهم السكن والعيش المناسب. وهم طبعًا لم يتحملوا المشاق ويتغربوا عن أوطانهم وأهليهم لمجرد التطوع لخدمة الكويت. فلا يعقل أن نتوقع ذلك من أي عاقل. فالإنسان لا يترك بلده مهاجرًا إلا للكسب فكيف يمكن أن يتحقق الكسب لهؤلاء إذا كنا ندفع لهم أجورا محدودة يبتلع معظمها الإيجار وغلاء المعيشة.

هذا حتمًا ليس بالعدل الذي يقوم عليه ديننا. وليس للدولة مناص من مواجهة هذا الأمر المهم الذي هو من أكبر مسؤولياتها.

نحن لا نعيش في أمريكا وأسلوب حياتنا لا يسير وفق مبادئ الرأسمالية الأمريكية..  هناك طبعًا صاحب المال أو العمل هو المتحكم الأول والأخير في حياة الناس ولكننا هنا نعيش في بلد إسلامي دينه الإسلام ونظمه وسياساته يجب أن تسير وفق مبادئ هذا الدين. وهذا الدين لا يسمح لنا مطلقًا بمحاباة فئة قليلة على حساب الغالبية العظمى من المجتمع. لأن مثل هذه المحاباة بكل بساطة ستؤدي بالبلاد إلى كارثة.

فيجب أن تتدخل الدولة رسميًا في وضع الحل المناسب لمشكلة الإيجارات في الكويت على الأقل أسوة بما اتخذ من إجراءات في بلاد عربية إسلامية مجاورة، ونحن لا نريد أن نبخس ملاك العمارات حقوقهم المشروعة التي توفر لهم الكسب المناسب الحلال. وأيضًا لا نريد اتباع سياسة من شأنها عرقلة الاستثمار في البناء بسبب عدم جدوى الاستثمار كما هو متبع في بعض الدول العربية.

نريد حلًا مناسبًا يحفظ للمستثمر الكسب المعقول الحلال وللمستأجر السكن المناسب الذي يتلاءم مع دخلة. وإلا فالنتيجة معروفة وهي عزوف الأيدي العاملة والكفاءات العلمية التي نحن بأمس الحاجة إليها عن القدوم إلى الكويت..  وعندما ستقع الكارثة. ويفوت وقت الاستدراك.

* ونظل نكرر أن التخطيط العلمي هو أساس وعصب الحياة في هذا العصر. فبالتخطيط العلمي السليم تتقدم البلاد وتتجنب الأزمات. وبدونه لا يمكن أن نصل إلى أهدافنا في بناء كويت عصري متطور، فهل من مجيب وهل من متجاوب؟

نرجو الله ذلك وندعوه التوفيق والهداية.

الرابط المختصر :