العنوان نحو قانون أفضل.. وقفة مع: الدستور
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-1977
مشاهدات 78
نشر في العدد 338
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 22-فبراير-1977
وقفت في العدد الماضي بالحديث عند الشطر الأول من نص المادة الثانية من دستور دولة الكويت، الذي يقول صراحة بأن «دين الدولة الإسلام»، وأوضحت في جلاء بأن هذا النص ملزم للدولة إلزامًا لا فكاك منه، ولا مجال فيه للتأويل، بالأخذ بالإسلام عقيدةً ونظامًا للحكم وإن الإبقاء عليه إبقاء على هذه الحقيقة، وإن حذفه كفران بها.
ثانيًا: وأعود هنا إلى مناقشة الشطر الثاني من تلك المادة الدستورية العميقة الأثر والخطر، والتي حاول أن يفسرها واضعوها تفسيرًا، منشعب الحقيقة، متعدد الوجوه، في محاولة جادة منهم لالتماس الطريق أمام المشرع الكويتي للخروج عن المدلول الثابت للنص، ولفتح الطريق واسعًا أمام التشريعات الوضعية المجانية والمنافية صراحة للإسلام لتأخذ مكانها في التطبيق، ولإعطائها الشرعية بالنص عليها في صلب الدستور!! كما سيتبين ذلك من هذا التحليل: يقول الدستور الشق الثاني من مادته الثانية: «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع». وفي شرح مفهوم هذه المادة عند واضعي الدستور، تقول المذكرة التفسيرية: «لم تقف هذه المادة عند حد النص على أن «دين الدولة الإسلام» بل نصت كذلك على أن الشريعة الإسلامية -بمعنى الفقه الإسلامي -مصدر رئيسي- مصدر للتشريع، وفي وضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشرع وجهة إسلامية أساسية، دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى، من أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكمًا لها، أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشيًا مع ضرورات التطور الطبيعي، على مر الزمن». والتفسير على ظاهره في هذه العبارات يوحي بضرورة التركيز على «إسلامية القوانين»، خاصة حين اقترن في هذا التفسير النص على الشريعة الإسلامية مع النص على أن دين الدولة الإسلام. وكان هذا وحده كافيًا لإظهار نية واضعي النص، بجعل الشريعة الإسلامية -بمعنى الفقه الإسلامي، كتابًا وسنة واجتهادًا وقياسًا- هي مصدر التشريع.
ولكن يبدو أن النية شيء والحقيقة شيء آخر. ذلك أن واضع الدستور، قد عمد إلى التحليل الذي يقتلع هذه الحقيقة من أساسها حين أشار إلى أن النص لا يمنع «من استحداث أحكام من مصادر أخرى»!! في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكمًا لها»، وكان يمكن لهذا التفسير أن يظل منطقيًا ومستقيمًا لو أن واضع الدستور أشار إلى أن استحداث الأحكام في المسائل التي سكت عنها الفقه الإسلامي، كان أيضًا سيتم داخل إطار الإسلام لا يحيد عنه ولا يتعارض معه لا كما هو ظاهر في التفسير. بل كان علينا حينذاك أن نقول بأن نية واضع الدستور قد انصرفت إلى هذا المعنى حقيقة، لو أنه وقف عنده لم يتجاوزه، ولكنه زاد عليه في معرض دفاعه عن صيغة «النكرة» التي جاءت عليها المادة، قائلًا: «... أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشيًا مع ضرورات التطور الطبيعي، على مر الزمن»!! وهنا ينفضح الأمر كله في هذه العبارة المضغوطة الماكرة الناعمة الملمس، والتي تضع الشريعة الإسلامية في مرتبة ثانوية، لتبقى واهية مسلوبة الإرادة، مجردة عن حقيقتها، خاوية من معناها، فالشارح يقصد في غير ما خفاء من عبارة «تطوير الأحكام» الواردة بهذا النص، يقصد الأحكام الشرعية المتعلقة بأمور وردت بشأنها نصوص ثابتة من الفقه الإسلامي، ويرى المشرع أن يخرجها من دائرتها الشرعية هذه، إلى دائرة قد تقتضيها ضرورات التطور الطبيعي!!
والدليل على مقصد الشارح فيما سبق، هو عبارة صريحة وردت فيما بعد تفسر هذه الحقيقة، مما سوف نشير إليه في حينه.
وليت واضعي الدستور وشراحه وقفوا بتفسيرهم لهذا النص عند هذه الحدود، إذن لحفظوا للشريعة بعضًا من مكانها، ولما أهدروا حقها إلى هذا المستوى الظالم، ولما استخفوا بعقول الذين يجيزون هذا الدستور.. ولكنهم لم يلبثوا بعد كل هذا، إن وضحت لديهم النية المبيتة لإفراغ هذه المادة من كل أثر يعطيها هذه القوة الإسلامية الحقيقة، التي تجعل المشرع الكويتي يؤسس قوانينه كلها تبعًا لما جاء فيها، فعمد أولئك الشراح إلى الموازنة اللغوية، التي تبرز الفرق واضحًا بين عبارتي: «الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع» و«الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع».
ففي التعبير الأول ينفسح المجال لكل ما هب ودب من مصادر وأحكام لتجلس جنبًا إلى جنب مع الشريعة الإسلامية بلا مفاضلة ولا حياء، أما التعبير الثاني، فهو تعبير مانع، لا يسمح بهذا الخلط والعبث والهوى وهو عند واضع النص تعبير مرفوض رفضًا مسببًا. وهذا يبدو واضحًا بغير التواء فيما أورده النص بالتفسير الآتي بحروفه حيث يقول: «إن في النص -الأول- ما يسمح مثلًا بالأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة «مع» وجود الحدود في الشريعة الإسلامية، وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل «والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»»!
لماذا؟ وهنا يجيب واضع الدستور ويوافقه على ذلك المشرع الوضعي الذي أجاز هذا النص، إجابة أظهرت الحقيقة البينة، التي ما استطاع أن يخفيها طويلًا حيث يقول في عبارة يقشعر منها ويهتز لها أسى ونقمة وتبرمًا وجدان كل مسلم يؤمن بالله وبشريعته وبألوهيته، حيث يقول معللًا: «إذ مقتضى هذا النص هو عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر في أي أمر واجهته الشريعـــة بحكم»!! وهذا التعليل أمر خطير، ووجوده في صلب الدستور يعني تمامًا أن المشرع الكويتي قد قبل صراحة الخروج على الشريعة الإسلامية، وأنه قد اختار النص الذي يحقق هذه الغاية؟ قصدًا بينًا، وإنه لهذا السبب يرفض النص المعرف بالألف واللام: «المصدر الرئيسي» ويقبل النص النكرة: «مصدر رئيسي»!! وفرق هناك شاسع كبير، بين نص يعطي الحكم كله للشريعة الإسلامية، وأخر يسلبها كل هذا الحق.
ولكن هل توقفت المحاولة لإقصاء الشريعة الإسلامية في هذا النص الخطير الذي ما يزال يوجه القوانين في دولة الكويت، عند هذا الحد؟ ذلك ما سوف نكشف عنه مستقبلًا، حتى ينهزم الظلام، وينتشر الضوء، وتطمئن القلوب.
«ص. ع.»
في العدد القادم الحلقة السادسة من سلسلة نحو إصلاح جذري في جامعة الكويت