; نحو تصور سليم وتوحيد خالص.. قضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة | مجلة المجتمع

العنوان نحو تصور سليم وتوحيد خالص.. قضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1974

مشاهدات 77

نشر في العدد 210

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 23-يوليو-1974

نحو تصور سليم وتوحيد خالص قضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة الملك • الله يملكنا... ذاتًا... وتصرفًا... و عبودية، وملك غيره استخلاف وابتلاء • وواجبنا: • الإقرار بملك الله. • والاعتراف بأن له الأمر والحكم. • وليس لغيره معه شيء. • والإنسان مسؤول أمام الله. • سمى الله سبحانه وتعالى نفسه بـ«الملك» كما جاء في قوله تعالى:﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجمعة: ١). وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الحشر: ٢٣). وقال جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ﴾. (الناس: ١- ٢). • وكانت هذه التسمية لله- تبارك وتعالى- لأن له ملك السموات والأرض فهو خالقها وفاطرها- سبحانه وتعالى- كما قال جل وعلا:﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ١٨٩). وقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة: ١٠٧). وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: ٢٦). • وهذا الاسم الذي يطلق على الله- تبارك وتعالى- «الملك» والذي يتضمن وصفه- سبحانه وتعالى- بالتملك للسموات والأرض ومن فيهما وما فيهما قد يطلق على الإنسان، ولكن معاني الملك الثابتة للإنسان غير معاني الملك التي تثبت لله- تبارك وتعالى- كما ستفهم من التفريق بين هذا وهذا. فقد سمى الله باسم «الملك» بعض خلقه كما قال جل وعلا عن ملك مصر في عهد يوسف:﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف: ٥٤). وقال في الكهف: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف: ٧٩). وقال عن بني إسرائيل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ ﴾. يعني عين لنا حاكمًا يحكمنا وملكًا يتولى شئون الحرب فينا. وقال:﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٤٧). وإن كان الله- سبحانه وتعالى- قد عاب الملوك بوجه عام كما جاء في قوله تعالى على لسان بلقيس: ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (النمل: ٣٤). فعقب على هذا بقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (النمل: ٣٤). وإن كانت هذه العبارة من تمام كلام ملكة سبأ فإن الله قد أقرها على ذلك بعدم نقضه- سبحانه وتعالى- لكلامها: والشاهد أن الله- سبحانه وتعالى- قد أطلق هذا اللفظ على بعض خلقه، ولكن الثابت لهم من معاني الملك غير الثابت لله سبحانه وتعالى. فالثابت لمن ملك شيئًا من متاع أو أرض أو تصرف في مجموعة من الناس أنه مستخلف ومورث ومختبر ومبتلى! فقد قال- سبحانه وتعالى- في شأن من أعطاه الله مالًا: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. (الحديد: ٧). وقال: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ (الأعراف: ١٠٠). وقال: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: ٢٤٧). وقال: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ (ص: ٢٦). فالمال من عطاء الله- سبحانه وتعالى- وهو استخلاف لمن شاء الله استخلافه، وهي أمانة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى ما عليه فيها» ولذلك قال العبد الصالح والنبي الصالح والملك الصالح سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم، لما جاءه عرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس في أقل من لمحة عين: ﴿ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾. فجعل الملك وأسبابه وهذا التيسير الذي يسره الله له من الابتلاء الذي يبتليه الله به ليعلم أيشكر أم يكفر! وهذا الأمر علمه الله- سبحانه وتعالى- لعبيده ونبيه داود الذي آتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء حيث قال له:﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾. وكان ذلك لأنه تعجل الحكم في قضية سمع طرفها من أحد الخصمين ولم يسمع من الآخر، ولما كانت القضية صارخة في الظلم حيث قال أحد الخصمين وهو ملك أراد الله اختيار داود وتعليمه به: ﴿ إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾. أي غلبني في الخصومة. فحكم فورا قائلا:﴿ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ ﴾ (ص: ٢٤) . فعاتبه الله- سبحانه وتعالى- على ذلك. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له حتى ترى الآخر فربما فقئت عيناه جميعًا»، واستخلاف الله لداود في الأرض إنما هو كما سلف ابتلاء له بإعطائه الملك، وتمكينه من التصرف في أعناق الناس وأموالهم وفق الشريعة التي أنزلها الله- سبحانه وتعالى- على موسى. فقد كان داود نبيًّا وملكًا في بني إسرائيل بعد موسى. وهذه الخلافة هي أيضًا للرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- وإن كان قد رفض أن يكون ملكًا رسولًا ورضي بأن يكون عبدًا رسولًا، فصلوات الله وسلامه عليه، ولذلك كانت الخلافة في الأمة بالشورى ولم تكن وراثة في عقبه- صلى الله عليه وسلم- كما كانت في بني إسرائيل وراثة في نسل الأنبياء. فقد أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأن ينفذ حكم الله وشرعه في الأمة فكان حاكمًا كما كان نبيًّا مرسلًا داعيًا إلى الله- سبحانه وتعالى- ولذلك قال له الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ (المائدة: ٤٨) . وقال أيضًا سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ (المائدة: ٤٩) . ولذلك نفذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحكام الله- سبحانه وتعالى- وكان حاكمًا كما كان نبيًّا، فأعلن الحرب على من بغى على المسلمين وقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وعقد ألوية الجيوش، ووحد الكيل والميزان وعقد النكاح وأمضى الطلاق، وألحق النسب عند ثبوته وقتل القاتل وقطع يد السارق، ورجم الزاني وأقام الحدود وولى الأمراء وبعث السفراء، وأرسل الكتب إلى الملوك وهددهم بالحرب وكل هذه من أعمال الملك، وقد قام بها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأمر ربه- تبارك وتعالى- كما قام بمهمة النبوة والرسالة من إبلاغ كلام الله- سبحانه وتعالى- وبيانه وتبشير المؤمنين بالجنة والكافرين بالنار. ولذلك فخلفاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- خلفاء له في الحكم بشرع الله- سبحانه وتعالى- وتنفيذ أوامره. وإن كانوا في الجملة خلفاء لله في الأرض بالمعنى السابق لمعنى الخلافة الذي مضى في داود، وهي الابتلاء بتنفيذ أوامر الله- سبحانه وتعالى- وليست خلافة مطلقة عن الله كالمعنى الذي فهمه الفرس من معنى السلطان وأنه ظل الله في الأرض، ونائب عنه في الحكم بما يشاء والتصرف كما يريد، وإن كان هذا المعنى قد سرى في الفكر الإسلامي، ولذلك تهاون كثير من الخلفاء والأمراء والملوك من المسلمين في مسائل الحكم، وظنوا أن المال العام الذي هو مال الأمة مال لهم يعطون منه من شاءوا ويمنعون منه من أرادوا؛ فأفسدوا البلاد والعباد، وأفسدوا معنى الخلافة في الأرض. وخلاصة هذا الأمر هي أن نعلم أن «الملك» النائب للبشر إنما هو مُلك استخلاف وعارية وابتلاء واختبار، وليس مُلكًا حقيقيًّا بمعنى التصرف المطلق والتملك الدائم وانتفاء المسئولية والابتلاء والاختبار. • وأما المُلك الثابت لله- سبحانه وتعالى- فغير ذلك فإن الله هو «الملك» والمالك مُلكًا حقيقيًّا، فالله يملك كل ما سواه من شيء، ذاتًا لأنه الخالق سبحانه وتعالى، وتصرفًا فهو المعز المذل يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وعبودية فالجميع عباده وفي قبضته وتصرفه سبحانه وتعالى، ولذلك قال ابن القيم- رحمه الله- «إن الله يملكنا ذاتًا وتصرفًا وعبودية»، وأما ملك غيره فإنما هو استخلاف وابتلاء بتنفيذ أوامره ونواهيه سبحانه وتعالى، فهل يعقل هذا الملوك وأشباه الملوك؟ • ولم يرضَ الله- سبحانه وتعالى- ولا يرضى أن يكون له شريك في ملكه لا على وجه الخلق- سبحانه وتعالى- عن ذلك ولا على وجه التصرف المطلق، وأعني بالتصرف المطلق التصرف بهوى النفس ودون تقيد بأوامره ونواهيه- سبحانه وتعالى- فقال عز وجل:﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ (الإسراء: ١١١). ولذلك فمن أعتقد أن له نصيبًا في ملك الله أي في خلقه أو تصرفه برأيه وهواه فقد کفر وأشرك. ولذلك كفّر الله- سبحانه وتعالى- من دعا غيره من الأموات والملائكة والأصنام، وغير ذلك ممن يدعوهم المشركون للنفع ودفعًا للضرر. قال تعالى عن نفسه:- ﴿ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ (فاطر: ١٣- ١٤). فالذين دَعَوا الأموات ظانين أن لهم شيئًا من الملك يستطيعون به نفع الداعين أو دفع الضر عنهم مشركون، وكذلك من ظن من ملوك الأرض سواء حكموا باسم الإسلام أو باسم غيره من الأنظمة أن لهم التصرف بما يشاءون ويشرعون لأنفسهم فهم بهذا الظن مشركون کافرون. بل لو ظنوا أن لهم حقًّا في التصرف في الأموال العامة التي جعلهم الله- سبحانه وتعالى- أمناء عليها فهم كذلك؛ لأن هذا خلل في العقيدة وباطل في الإيمان، فالملك لله كله- سبحانه وتعالى- وله وحده ولا يملك الملوك من ملك شيئًا إلا وفق أمره واستخلافه- سبحانه وتعالى- وأما من تصرف منهم تصرفًا بهواه دون أمر من الله- سبحانه وتعالى- فإن اعتقد بطلان هذا فهو مؤمن عاص ومن زعم أن هذا من حقه فهو كافر مشرك، فالملك لله- سبحانه وتعالى- كله، والعباد كلهم عبيد مستخلفون، وهذه الحقيقة كان يوضحها كل نبي لقومه لأنها أساس العبودية التي تقوم على التفريق بين الرب المالك، والعبد المملوك، ولذلك كما قال شعيب لقومه: ﴿ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (هود: ٨٥- ٨٦). ورد قوم شعیب على رسولهم قائلين:﴿ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ (هود: ٨٧). فقد ظن أولئك الكافرون أنهم بكسبهم أموالهم قد ملكوها، وبملكها فإنه يحق لهم التصرف فيها سواء كان موافقًا لأمر الله وشرعه أم مخالفًا لذلك. ولذلك أيضا عاب الله على قارون الذي خوله الله المال فتصرف فيه تصرفًا سيئًا، حيث جعل قسًما كثيرًا منها يُهدر على إبراز الزينة والخروج في المواكب، فأرشده قومه إلى أن هذا لا يجوز بل يجب عليه أن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، وألّا ينسى نصيبه من الدنيا، فنفى التقيد بهذا زاعمًا أنه قد كسب المال بجهده واجتهاده وعلمه، ومعنى ذلك أنه يصح في حقه التصرف كما يشاء ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ . وكانت هذه مقالة إجرام عاقبه الله عليها بالخسف والدمار والخلود في النار. والشاهد في هذا المقال وسابقه أن نعلم يقينًا أن المال عارية، وأن الملك والسلطان أمانة واختيار وابتلاء، لكن ملك الله- سبحانه وتعالى- غير ذلك تمامًا؛ فلا يخشى أحدًا- سبحانه وتعالى- ولا يُحاسب على تصرف لأنه المالك الذي لا مالك غيره ولا رب سواه؛ ولذلك لما أهلك الله قوم ثمود لظلمهم قال:﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ (الشمس: ١٤) . فلا يخافُ الله- سبحانه وتعالى- عاقبة تصرف له، تعالى الله أن يكون له ند أو معقب. خصائص الإيمان بهذه الصفة إذا عرف العبد ما سلف من وصف الله نفسه بـ«الملك» فإن أول واجب عليه أن يقر بهذا وأن يعترف به؛ لأن هذه صفة كمال ومدح لله سبحانه وتعالى، وأول التوحيد أن تشهد لله بما شهد سبحانه وتعالى به لنفسه، ولذلك كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول صباحًا ومساء: «أصبحنا وأصبح الملك لله، أمسينا وأمسى الملك لله» وهذا اعتراف وذكر منه- صلى الله عليه وسلم- أن الله هو المالك لكل شيء سبحانه وتعالى، وهذا الذكر يملأ القلب نورًا وأمنًا وطمأنينة وحبًّا لله رب العالمين، مالك كل شيء سبحانه وتعالى. وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا قام الليل يفتتح صلاته بقوله: «اللهم لك الحمد.. أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن»، وبذلك يشعر المؤمن وهو قائم في صلاته أنه أمام من ملك أمره وملك أمر الناس جميعًا؛ فلا يرهب جبارًا في الأرض ولا يخاف غير ربه تبارك وتعالى. • وأما الخصيصة الثانية التي ينشئها اسم «الملك» في النفس فهى الاعتراف بأن لله الأمر والحكم؛ لأن الأمر والحكم من خصائص الملك. فالملك يملك ومن ملك حكم. والرب هو المالك الحقيقي إذن فهو الحاكم الحق سبحانه وتعالى. وكان هذا مما أنكره العرب الكفار على الرسول- صلى الله عليه وسلم- لما دعاهم إلى امتثال أمر الله ونهيه؛ فاستعظموا هذا واستكبروا أن يأتمروا بغير ما تمليه أهواؤهم وعقولهم، وإن كانوا معترفين بوجود الله، وبأنه مالك الملك فقال لهم الرب تبارك وتعالى:﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ (المؤمنون: ١١٥- ١١٦). قال الحسن البصري: (عبثًا: أي لا تؤمرون ولا تنهون). ثم عقب الله على «عبثًا» بقوله: فتعالى الله الملك الحق؛ أي إن الملك وملكه وحكمه حق- سبحانه وتعالى- فكيف يجوز في حقه أن يأمر ولا ينهي ولا يحكم، بل يكون عاطلًا عن أمر عباده وتصريف شئون حياتهم، تعالى الله- سبحانه وتعالى- عن ذلك. فإن المسمى بالملك والمتصف بهذه الصفة يستحيل أن يترك عباده، ولذلك قال مخاطبًا الكافر المكذب بالجزاء:﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ (التين: ٧- ٨). أي ما يحملك على التكذيب بيوم القيامة؟ أليس الله- سبحانه وتعالى- هو أحكم من حكم؟! فكيف يصح في حقه سبحانه ألّا يجازي كل إنسان بما عمل؟! • ولذلك أيضًا رفض- سبحانه وتعالى- أن يكون لغيره معه شيء من الأمر والحكم كما قال تعالى:﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(يوسف: ٤٠) . وجعل هذا من العبادة فقال بعد ذلك ﴿ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ﴾ (يوسف: ٤٠). وأخيرًا إن هذا هو الدين الصحيح القويم، فقال بعد ذلك ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الروم: ٣٠). وأخبر بعد ذلك أن أكثر الناس في عماية وجهل عن هذا فقال: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الروم: ٣٠). ﴿ ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (غافر: ١٢) . شعار للمؤمن ينادى به في كل مكان وفي وجه كل طاغوت يظن أن له من الأمر شيئًا وأن له في ملك الله شيئًا وأنه يملك شيئًا من التصريف بنفسه دون رجوع إلى شرع الله وحكمه. والكفر بهذه الطواغيت التي تدعي أن لها أن تحكم بما شاءت سواء كان هذا تحت شعار «إرادة الشعب» أو «حكم الشعب لنفسه» أو تحت شعار ﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ واجب شرعي؛ فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (البقرة: ٢٥٦). وأعني الطواغيت وأطغاها من ادعى لنفسه التشريع للأمة، وترك تشريع الله- سبحانه وتعالى- ومن وافقه على ذلك فقد اتخذه إلهًا وربًّا وملكًا من دون الله سبحانه وتعالى. والإيمان بأن الله هو المالك يناقض هذا تمام المناقضة، فإما أن يؤمن المؤمن بأن الله هو الملك والمالك فيذعن لتشريعه ويرضى بحكمه ويكفر بملوك الأرض الذين يتصرفون في عباد الله ومال الله كما يشاءون ويهوون، وإما أن يؤمن بملوك الأرض ويعطيهم حق التشريع والسلطان والتصريف في عباد الله ومال الله بما يشاءون، وعند ذلك فإنه يكون كافرًا بالله- سبحانه وتعالى- الملك الحق، ويكون من الذين آمنوا بالباطل وكفروا بالحق، لأن كل ملك غير ملك الله فهو باطل زائل، والله هو الملك الحق الذي لا يزول ملكه وتصرفه وقهره سبحانه وتعالى. وهذه القضية من قضايا التوحيد هي أهم قضية في عصرنا الحاضر، وسيأتي لها تفصيل آخر إن شاء الله تعالى». • وأما الخصيصة الثالثة مما ينشئه اسم «الملك» في النفس فهو الإيمان بالمسئولية أمام الله سبحانه وتعالى، وهذه المسئولية المباشرة ستكون يوم القيامة؛ ولذلك فنحن نقرأ في كل ركعة من صلاتنا «ملك يوم الدين»، وكان رسول الله يقرؤها تارة «مالك يوم الدين» وتارة «ملك يوم الدين» وكلا اللفظين متضمن للآخر؛ فالملك يملك، ومن ملك حكم والمالك ملك والملك حاكم. وخص الله- سبحانه وتعالى- يوم الدين هنا بالملك والحكم وإن كان قد جاء في القرآن وصفه- سبحانه وتعالى- بالملك دائمًا وأبدًا فسببه أن الملك يكون ظاهرًا للناس جميعًا يوم القيامة، فالكفار والطواغيت ينفون عن الله أن يكون ملكًا ومالكًا في الدنيا، وأما يوم القيامة فقد جاء الحدیث الصحيح أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك.. أين ملوك الأرض؟» (البخاري باب التوحيد)، وعندئذ يعترف الجميع لله رب العالمين بأنه الملك وحده. هذه العقيدة التي اعترف المؤمن لربه بها في الدنيا ففاز برضوانه يوم القيامة يعرفها الطواغيت وعبادهم في ذلك الوقت، عندما لا تفيدهم المعرفة والتصديق شيئًا. وفي هذا اليوم يكون الحساب والجزاء مباشرًا كما جاء في حديث عدي بن حاتم في البخاري أنه قال: «ما منكم إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان»، فالله سيكلم كل إنسان بلغته وسيسأله عن عمله وكسبه، والشعور بهذه المسئولية يلغي الحب والاحترام لكل طاغوت يشرع من عند نفسه، ويُبقى في القلب الحب والتعظيم والتقديس والطاعة المطلقة لله وحده رب العالمين وملك الناس سبحانه وتعالى.
الرابط المختصر :