العنوان نقوش على جدار الدعوة..نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي.. الأحزاب في البلاد الإسلامية
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يونيو-1997
مشاهدات 63
نشر في العدد 1254
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 17-يونيو-1997
طبيعة الأحزاب: الأحزاب والتوجهات والتجمعات المختلفة في أي وطن، لها مبادئ تؤمن بها وتنادي لها، وتعمل في سبيل نشرها بين الناس لعلهم ينضمون لهذا الحزب أو ذاك، فتزداد بذلك قوة الحزب، فإن لم تكن هذه، فليس أقل من أن ينشر الحزب فكرته، ويبين غايته، ويظهر وسيلته التي قد يقتنع بها الناس فيختارون ممثلي هذا الاتجاه، ليكونوا معبرين عن آمالهم وطموحاتهم ومطالبهم عند أصحاب السلطان في الحكومة أو في «البرلمان»، ولا بد لكل حزب من الأحزاب من مرجعية فكرية تستند إليها نظرته، ويستمد منها حركته، وبعض الأحزاب الناضجة في الفكر، الراسخة قدمها في الأرض، تتفق على تقديم أمثل خدمة للجماهير أو بعبارة أخرى إعلاء شأن الوطن، وإن اختلفت وسائلهم في سبيل تحقيق هذا الهدف «هكذا الأحزاب في بريطانيا مثلًا».
الأحزاب في بلاد المسلمين: وقد كنا ننتظر من الأحزاب في بلاد المسلمين أن تكون كذلك، بمعنى أن تكون مرجعيتها جميعها هي الإسلام تستند إلى أصوله، وتستمد حركتها من توجهاته، وإن اختلفت بينها الوسائل للوصول إلى الغايات واختلفت الأولويات، واختلفت سبل النهضة الداخلية وطرائق العلاقات الخارجية، وبمعنى آخر تختلف الوسائل وتتفق الأهداف والمقاصد دون خروج عن أن تكون المرجعية الإسلامية هي الركيزة وهي الأساس، لأن الله ارتضى لنا الإسلام دينًا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة، آية: 3)، وليس المسلم إلا أن يرضى بما رضي به الله، وليس له أن يقدم شيئًا آخر -مهما علا قدره- على ما ارتضاه الله، لكن الأحزاب والتوجهات والتجمعات في بلاد المسلمين اتخذت لها وجهات شتى، وطرائق قددا، بعيدة عن الإسلام، توغل أحيانًا في «الليبرالية»، أو تغوص أحيانًا في الاشتراكية، أو تحذو حذو هذا الحزب أو ذاك في البلاد الغربية أو الشرقية، وكلها تبتعد عن هدي السماء، وتأخذ من قوانين الأرض وحدها ما تشاء، فسار المقلدون في بلاد الإسلام على سنن المقلدين في البلاد الأخرى، فقامت في بلاد المسلمين أحزاب تنادي بما يخالف روح الإسلام، وتجعل مرجعيتها شيئًا آخر، وتتذرع بكل وسيلة شريفة أو غير شريفة للوصول إلى ما تريد، مما جعل الخلاف بين الأحزاب يشعل نار العداوة والبغضاء، لأنه يتعدى النظر في المصالح العامة إلى المقاطعة في كل الشؤون عامة أو خاصة، وأدى إلى أن نرى الحق في جانب خصومنا الحزبيين باطلًا، والباطل في جانب أنصارنا الحزبيين حقًّا، وتصدر عن هذا الشعور في كل تصرفاتنا وصلاتنا «انظر الحلول المستوردة د. يوسف القرضاوي».
الأحزاب الإسلامية: وأدى ذلك إلى محاولة بعض الغيورين من أبناء الإسلام العارفين بمنهجه إلى إيجاد أحزاب أو تجمعات ذات توجهات إسلامية خالصة في الغاية والوسيلة، في السلوك والأعمال والأقوال مرجعيتها الكبرى أصول الإسلام التي ينبغي أن يستمسك بها الناس أجمعون، وأما الفروع ففيها متسع لأن يأخذ الناس منها أو يتركوا ويقدموا بعضها أو يؤخروا إلى غير ذلك، ووجدت في بلاد المسلمين أحزاب أو تجمعات تعلن المرجعية الإسلامية، وأحزاب أو تجمعات أخرى تعلن توجهات غير إسلامية، وشتان ما بين التوجهين.
اختلاف الغايات: فالأحزاب والتجمعات غير الإسلامية تختلف في هدفها عن الأحزاب والتجمعات الإسلامية، فأفكار منظري الشيوعية «أيام أن كانت» هي أفكار الأحزاب الشيوعية الاشتراكية، في بلاد المسلمين وأفكار منظري الليبرالية هي أفكار أحزاب الليبراليين، وتعاليم الإسلام وأصوله هي التي تتبعها تجمعات وأحزاب الإسلاميين، لأن غاية الأحزاب الإسلامية هي أن يسود في بلاد المسلمين «أن الله هو الحاكم الأعلى والسيد المطاع والملك، وأن شريعته هي التي تقرر للإنسان نظام السلوك. وتقرر للدولة القانون الذي يطبق على الأرض» «الإسلام في مواجهة التحديات المعاصرة للمودودي».
تلك هي غاية الأحزاب الإسلامية، أما غير الأحزاب الإسلامية فغايتها منحصرة في «ألا يفكر المسلمون بعقل المسلم الذي رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن منهاجًا وبمحمد رسولًا»، بل بالعقل الذي صنعه لهم أصحاب مرجعيتهم «غربية أو شرقية»، تلك التي همها زحزحة المسلمين عن الإسلام والاعتداد به والتكتل تحت لوائه، وذلك بالتشكيك الخفي في صلاحية الإسلام لقيادة الحياة المعاصرة، وتنظيم المجتمع المتحضر وتوجيه الدولة الحديثة، وبتشويه صورة المعاصرة، وتنظيم المجتمع المتحضر وتوجيه الدولة الحديثة، وبتشويه صورة الإسلام -شريعته وحضارته وتاريخه- في أعين الناشئين وعزلهم عن الثقافة الإسلامية الأصيلة، مع إبراز وجه الحضارة الغربية جذابًا فاتنًا، مبرءً من كل عيب منعوتًا بكل جمال وكمال «الحلول المستوردة، بتصرف يسير»، ثم هم لا يعنيهم في شيء أن يكون مرجعيتهم هي الإسلام، بل إنهم يرفضون هذه المرجعية علنًا أو عملًا، وكل همهم أن يكون لهم في الساحة صوت وفي الحكم أو «البرلمان» مقعد، ومرجعيتهم قوانين الغرب أو الشرق، ولئن اشترك الجميع في الحزبية، فإن وسائل الإسلاميين مختلفة عن غيرهم، لأنهم يدركون أن الغايات الشريفة لا يمكن الوصول إليها بالوسائل غير الشريفة، فهم ليسوا ميكافيليين يهمهم الوصول إلى الغاية من أي طريق، بينما غير الإسلاميين يرون أن الغاية تبرر الوسيلة، وأن الأهداف إن تحققت من أي طريق وبأي أسلوب، فقد تحقق المطلوب، وتم الوصول إلى المرغوب.
الاختلاف في الوسائل وأسلوب العمل:
وجميع هذه الأحزاب «إسلامية وغير إسلامية» تعمل في ساحة واحدة هي دعوة جماهير المسلمين للانضواء تحت فكر حزب معين أو تأييده ومعونته ولكن أسلوب التعامل هو المختلف، فالأحزاب الإسلامية تتعامل مع مراعاة واقع المجتمع في ضوء تعاليم الإسلام، وغيرها يحاول أن يتعامل مع الواقع وحده، وافق الإسلام أم خالفه، ولتوضيح ذلك نذكر مثالًا واحدًا في التعامل مع قضية عامة تكاد تكون هامشية بالنسبة لغيرها من القضايا، وهي التي أثيرت قريبًا على صفحات الصحف، إنها قضية الحفلات الغنائية العلنية، تلك التي يؤيد الإسلاميون المطالبين بإلغائها لما لها من إفساد خلقي وتهتك اجتماعي، بينما غير الإسلاميين يطالبون بالإبقاء عليها ونشرها بحجةمحاربة التجمد والعبوس والدعوة إلى «الوناسة».
إن اتفاق الشكل بين جميع الأحزاب لا يعني الاتفاق في المضمون، لأن لكلٍ غايته ولكلٍ وسيلته، ولكل منهجه، ويبقى أن نقول: إن الأحزاب والتجمعات الإسلامية إنما تعبر عن أمنيات المسلمين أو كثير منهم على الأقل الذين يودون أن تسود بلاد الإسلام روح الإسلام، وأن ترفع فيهاراية القرآن، وأن تكون شريعة الله هي المقررة لسلوك الأفراد والقوانين الدولة على السواء ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين، آية: 26)..