العنوان نحو استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 08-ديسمبر-1991
مشاهدات 54
نشر في العدد 979
نشر في الصفحة 4
الأحد 08-ديسمبر-1991
يوم أن جثم العدوان العراقي الكافر على صدر الكويت الوديعة،
وشرع ينهش بمخالبه في أحشائها، وخيم الطغيان بوحشيته على شواطئها وبرها؛ ليخنق كل هبة
نسمة للحرية. وصارت البيوت والحرمات ميدانًا لمداهماته واقتحاماته، وصار الوحش
العراقي يلهو بتعذيب الإنسان الكويتي، ويسطر مجده بانتهاك الأعراض وتفتيت أفئدة
الصغار على تناثر أشلاء ذويهم أمام أبصارهم. في تلك اللحظات التي تضاءلت فيها
الأشياء، وتساوى فيها الموت والحياة لم يكن أعظم في قلوب الكويتيين سوى
الله – تعالى -، ولم يكن مغيث أمام الكويتيين سوى الله – تعالى -، ولم يكن نصير
يرتجى النصر منه سوى الله – تعالى -، وكفى به معينًا ونصيرًا. لقد كانت الكويت
كلها على استعداد لأن تعقد عهدًا مع الله - جل شأنه -؛ لئن أنجانا من
العذاب البعثي لنكونن من الصالحين، وكنا على استعداد حينها لأن نضحي بكل
مظاهر المعصية الرسمية والشعبية، الفردية والمؤسسية، وكنا لا نريد من الدنيا سوى
الخلاص من عذاب الطاغية العراقي وذله. ولقد فررنا إلى الله ولجأنا إلى بيوته نمد
الأذرع في كل صلاة ودعاء، قائلين: اللهم نجنا من العذاب إنا موقنون.
ولقد استجاب الله لنا وأنجانا من الكرب العظيم،
وخلصنا من حرب طاحنة يخوضها ألوف مؤلفة من الجنود والعساكر ملأت المنطقة من
كل حدب وصوب، وأنجانا من كل ما تفتق عنه العقل البشري من أسلحة الموت والدمار الكامنة
في أحشائها الكيماوي والذري والبيولوجي والهيدروجيني والإلكتروني وغيره، وخرجنا من
بين كل ذلك سالمين؛ لتعود الحياة وتمضي برغدها وهنائها كما كانت، والتقى الجمع
والتئم الشمل، واختلطت الدموع بالأفراح، وامتزج البكاء بالزغاريد. ولقد كانت
العودة أكثر مفاجأة من الاحتلال نفسه، كما كانت النجاة أكثر إثارة من الكارثة،
وكان لا بد لنا أن نتذكر صاحب الفضل والمنة في نصرنا، وفي كل ما نحن فيه، ونتذكر
واجبنا تجاهه تعالى شأنه وتجلت قدرته. كان لا بد أن نصدق الله كما صدقنا وعده
ونصرنا على عدونا، ولكن تلفتنا بعد التحرير لنجد أن الشكر والحمد استحالا سيلًا
ينبع من قلوبنا، ويصب في بلاد الغرب. لقد أخذ الرجال والصبيان والفتيات يلبسون فوق
صدورهم ما يمجد الغربيين ويعظمهم، كما تصدرت كلمات الثناء الرسمية في أجهزة
الإعلام لكل عين زرقاء وصاحب رطانة أجنبية، وشاهدنا مظاهر التقرب إلى الله
إبان الأزمة تتحول إلى مظاهر تحد لأوامر الرب جلت عظمته، ووجدنا الكل يقدم لفرحة
النصر نصيبًا إلا واهبه، وكدنا نأسى على أنفسنا عندما وجدنا بعضنا ينسى الله –
تعالى - في نشوة النصر؛ حتى جاءت كلمة أمير البلاد عن التحرير؛ لتؤكد أن البلاد في
حاجة للصدق مع الله والعودة إلى الله للتحاكم إليه. ولقد ظلت هذه الكلمات المضيئة
بيانًا لا يحمل إجراءً يعدل الميزان، ويصحح المسار حتى صدور مرسوم اللجنة
الاستشارية العليا؛ للعمل على استكمال تطبيق الشريعة الإسلامية؛ إذ نبارك للشعب
الكويتي صدور مثل هذه الخطوة المباركة وكل من وقف وراء صدورها. نود أن نسجل بعض النقاط في هذه المناسبة، وهي:
أولًا:
لقد
جاء هذا المرسوم الأول والمباشر في هذا الشأن، فلقد أصبح مطلب تطبيق الشريعة
الإسلامية مطلبًا مستمرًا ودائمًا في التاريخ السياسي لدولة الكويت، وهو يعكس رغبة
شعبية ملحة في دورات تشريعية مختلفة كان آخرها المجلس التشريعي، الذي تقدم بطلب
تحقيقها أكثر من 94% من ممثلي الأمة، وإذا كان هذا المطلب قبل التحرير بهذه
الأهمية عند الشعب، فإنه أصبح بعد التحرير شعارًا يلتف حوله كافة أهل الكويت،
وأجمع الشعب الكويتي بكل قواه السياسية وفئاته الاجتماعية - مرة في تاريخه - عندما
تقدم بمطالبه للقيادة السياسية بعد التحرير على ضرورة تطبيق الشريعة
الإسلامية في كافة شؤون الحياة، فهذا المرسوم ما هو إلا استجابة رسمية متواضعة
لمطلب كبير وعريق.
ثانيًا:
ومن
الواجب أن نعلم أننا لا نملك أن نمن على الله في استجابة لأوامره، وليس إنجازًا
مميزًا - في ميزان الله - أن نصدق ونفي بواجبنا إزاءه، فالله غني عن
العالمين، والتوجه لتطبيق الشريعة الإسلامية في الكويت ينفعنا، ولا يزيد في ملك
الله شيئًا، وأن النعمة التي سنخرج بها في دنيانا هي ضمان الأمن، وهو ما نبحث عنه
عند الشرق والغرب؛ ذلك لأن الله تكفل في كتابه الكريم بتوفير الأمن والطمأنينة لمن
سار على هديه، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ
آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ﴾ (سورة الأعراف:96)، كما قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ
لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (سورة طه:124)، وقال كذلك: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا
الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش:3-4).
وإذا كنا نحسب أن قوة دولة عظمى رادعة كفيلة بتوفير الأمن لنا، فهذه نظرة قاصرة،
إذ إن تلك الدول عاجزة عن التصدي للإرهاب في مجتمعاتها، فكيف تكون قادرة على تصفية
الإرهاب من مجتمعات غيرها.
ثالثًا: إن صدور مرسوم
بتشكيل هذه اللجنة يعتبر أولى البشائر في هذا الصدد، ولكنه في النهاية خطوة في
طريق طويل مليء بالتحديات، ويحتاج إلى خطوات أخرى تتمثل بضمانات تكفل إمكانية
تطبيق الشريعة، وتنفيذ قرارات اللجنة الاستشارية، فكم من قرارات محكمة الصياغة
قوية المضمون تفقد مفعولها عند التنفيذ، إما لعدم حماسة منفذها أو لعجزه عن
تطبيقها أو لجهله في كيفية العمل بها، وهنا يأتي العبء الأكبر في هذا المضمار على
مجلس الوزراء وجهاز الدولة، ونحن هنا نتمنى أن يتابع المجلس هذا المشروع الحضاري
بقرارات إدارية تشكل ضمانات لتطبيق وتنفيذ قرارات اللجنة، التي تُعتمد بالوسائل
المرعية في الدولة.
وأخيرًا:
إننا
نتمنى أن تختار اللجنة لنفسها مدخلًا حيويًّا لتطبيق الشريعة، وأن تبدأ خطواتها
ببحث الجانب الحيوي من نشاط المجتمع الكويتي، وهو الجانب الاقتصادي، الذي يمثل في
زوايا منه تحديًّا صريحًا للشريعة الإسلامية، وهي الزاوية الربوية من هذا الجانب،
ذلك لأن المجتمع الكويتي بين كل فترة وأخرى يدفع ثمن المقامرة الربوية بشكل باهظ
من المال العام، وحيث إن الربا يعد في الشريعة الإسلامية اعتداء على الشريعة
نفسها، جعلها تعلن الحرب على المتعاملين معه. نقول ذلك ونحن أمام خطر جديد
يتمثل في مشكلة المديونيات، التي ما هي إلا نوع من العقاب والحرب، الذي توعده الله
– تعالى - لمن يتحداه ويعمل بهذا المحرم. وإننا إذ نتقدم بجزيل الشكر لمن وقف وراء
هذا المشروع، نسأل الله لبلدنا وشعبنا التوفيق والسداد للحكم بكتاب الله كاملًا
دون نقصان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله الموفق.