العنوان نحو إصلاح جذري في.. جامعة الكويت الحلقة «٥»
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يونيو-1971
مشاهدات 128
نشر في العدد 63
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 08-يونيو-1971
نحو إصلاح جذري في.. جامعة الكويت
الحلقة «٥»
مشكلات مستوى الطلاب ونظام القبول ومستوى الخريجين
· الدراسة الجامعية ليست امتدادًا للدراسة الثانوية!
· الامتحان النهائي للدراسة الثانوية لا يؤهل -وحده- الطالب لدخول الجامعة!
· في مشكلات القبول.. وُضِع الطالب بين مأزقين: الانتظام في كلية تصادم استعداده، أو الاضطرار إلى السفر ومعاناة متاعبه!
والحصاد المر لكل هذه الأخطاء ضعف مستوى الخريجين.
· في الحلقات الثلاثة الماضية تناولت «المجتمع» في دراستها عن الجامعة، نظام الجامعة الأساسي وسلطات الإدارة، واقترحت استقلال القسم في الإدارة والمال والبحث العلمي، وتفتيت السلطات المركزية وتوزيعها؛ بحيث تتفتح كل الكفاءات وتنشط دون عوائق، فكان ذلك موضوع الحلقة الأولى.
· وتناولت طريقة اختيار الأساتذة ونظام الترقيات، واقترحت أن يتم اختيار الأساتذة بالطريقة السليمة المتعارف عليها عالميًّا في الإعلان والتقييم واختيار الأفضل، كما اقترحت -في نظام الترقيات- أن يرقّى الأستاذ على أساس إنتاجه العلمي كمًا ونوعًا، وأن يعود إلى الجامعة حق تكافؤ الفرص، فلا تتدخل أي عوامل أخرى لترفع أستاذًا يجب -بالعدل- أن يبقى حيث هو، وتؤخر أستاذًا من حقه -بمقياس العلم والعدل- أن يتقدم ويرقى، وكان ذلك موضوع الحلقة الثانية.
· وتناولت «المجتمع» في دراستها المناهج الدراسية ونظم الامتحانات في الجامعة، وأثبتت أن نظام الامتحانات في جامعة الكويت مستورد وفاشل، ويقوم على عدم الثقة بالأستاذ، واقترحت إلغاء نظام الامتحانات بشكله الحالي، واستبداله بنظام أنفع وأرشد يقوم على
الثقة بالأستاذ وتقدير حكمه على طلابه، وعلى التفاهم بين الطالب وأستاذه، وكان ذلك موضوع الحلقة الثالثة.
· وتناولت «المجتمع» مشكلات البحث العلمي في جامعة الكويت، وخلصت إلى أن طريقة البحث العلمي بوضعها الحالي تعيق انطلاقه وتهبط بمستواه، وأن العلاج الحقيقي هو أن يمنح القسم استقلاله الكامل في إدارة شئونه كلها بعيدًا عن تحكم الجامعة وقيودها الروتينية المثبطة، وكان ذلك موضوع الحلقة الرابعة.
· وفي هذه الحلقة الجديدة تتناول «المجتمع» في دراستها هذه مستوى الطلاب ومشكلات القبول ومستوى الخريجين.
مستوى الطلاب
لم تعد الدراسة بالجامعات امتدادًا طبيعيًّا للدراسة الثانوية كما كان سائدًا في الماضي، بل تحولت الدراسة الجامعية في هذه الأيام إلى تخصص عميق لا يقبل عليه إلا نوعية خاصة من الطلاب، لهم من الملكات الشخصية والاستعداد الفطري والإعداد المسبق ما يمكنهم من خوض مجال الدراسة الجامعية بكفاءة ونجاح.
ولذا فإننا نجد أن نسبة من يدخل الجامعات ممن يحصلون على شهادة إتمام الدراسة الثانوية في الدول الأوروبية مثلًا يتراوح بين ٣ إلى ٥ ٪ فقط، ويوجه باقي خريجي المدارس الثانوية:
· إما إلى الدراسات التكنولوجية المختلفة التي تحتاج إلى مهارة يدوية عالية، وقد لا تحتاج إلى تفوق ذهني غير عادي، وهؤلاء يشكلون بعد تخرجهم الطبقة الثانوية تحت خريجي الجامعات، وبدونهم لا تتم أعمال كثيرة.
· وإما أن يوجه عدد من خريجي المدارس الثانوية إلى الدراسات الإدارية، بما في ذلك أمور السكرتارية والأرشيف والصرافة والمحاسبة والاختزال والترجمة.. إلخ، وهؤلاء أيضًا يشكلون طبقة خاصة في المجتمعات المتقدمة.
اختيار الطلاب
ويتم اختيار طلاب الجامعات لا على أساس من الامتحان النهائي للدراسة الثانوية فقط - كما هو الحال في البلاد العربية- ولكن أيضًا على أساس من اختبار شفهي مطوَّل يختار فيه أساتذة كل مادة من مواد الدراسة في الجامعة طلابهم بعد تقييم عملي دقيق، ونتيجة لدقة هذا الاختبار؛ لا يدخل أبواب الجامعة إلا إنسان له من الثقافة العامة والاستعداد الفطري والمقدرة العقلية ما يصنع منه عجينة طيعة بين أيدي أساتذة الجامعة، يشكلونه في الصورة اللائقة بالمستوى الجامعي المعاصر، ولذلك فإن نسبة النبوغ في خريجي الجامعات المتقدمة عالية جدًّا.
· أما في جامعة الكويت وفي كثير من الجامعات العربية، ونستطيع أن نعمم فنقول إنه في مختلف البلاد العربية؛ أصبحت الدراسة الجامعية مظهرًا اجتماعيًّا أكثر منه رغبة أصيلة يقبل بها الدارس على العلم في شغف وتطلع وحب في الاستزادة، وأصبحت الشهادات الجامعية ترخيص عمل، يستخدمها حاملها في الحصول على وظيفة مناسبة، سواء كان أهلًا لهذه الوظيفة أم لا، وسواء استطاع أن يقوم بأعبائها بكفاءة أو لم يستطع، ومن هنا انهارت رسالة الجامعات في البلاد العربية بصفة عامة، وانحط مستوى خريجيها بشكل ملموس، باستثناء أفراد معدودين بنوا أنفسهم بأيديهم وسط زحام الحياة الجامعية الصاخبة في بلادنا، وهؤلاء شواذ لا تقاس بهم الأمور ولا تُقَيَّم على أساس منهم الجامعات التي خرجتهم.
وجامعة الكويت تقلد
وجاءت جامعة الكويت الناشئة، وسارت على نفس الدرب، واقذفت نفس الأثر، فلم تمايز بين الطلاب المتقدمين إليها، ولم تحاول إقامة اختبار شخصي يلتقي فيه الإنسان مع الطلاب ليشرحوا لهم ماهية التعليم الجامعي، ويساعدونهم في اختيار التخصصات الملائمة لهم، وفي توجيههم إلى الوجهة الصحيحة، وكم من طالب أساءت إليه الدراسة الجامعية وأضرت به، وكان بالإمكان أن يكون شيئًا مذكورًا لو أنه وُجِّه وجهة أخرى! وكم من طالب دخل الجامعة دون أن يدري حقيقة التخصصات التي انتظم في سلكها، ولم يتبين ذلك إلا بعد فوات أوان التغيير!!
وليس معنى ذلك أننا لا نشجع التعليم الجامعي ولا نحرص عليه، فإننا نعيش في عصر عرف عنه أنه عصر العلوم وعصر التخصص الدقيق، وأن الأمة العربية في يقظتها من سباتها الذي طال لَهِيَ أحوج ما تكون إلى جيش من المتعلمين في أعلى درجات العلم، والمتخصصين على أرفع مستويات التخصص لَيأخذوا بيدها من الهوة السحيقة التي تردت فيها.
ولكننا نطالب بألا يدخل الجامعة إلا من كان أهلًا للدراسة الجامعية بعمقها وتشعبها وضخامة مسئوليتها، ويمكن أن يتم ذلك بعد لقاء سنوي في مطلع كل عام يلتقي فيه أساتذة الجامعة بالطلاب المتقدمين للامتحان بها، حيث يتم اختبار قدراتهم وتفهم ميولهم ورغباتهم وتوجيههم إلى أرشد طريق.
الضعف في اللغات
وبذلك يمكن تلافي كثير من العيوب التي تعانيها جامعة الكويت، من ضعف ظاهر في مستوى طلابها قد يكون سببه بعض التساهل في مرحلة الدراسة الثانوية وما قبلها، مما أدى إلى وصول طلاب إلى أبواب الجامعة وهم أقل من ذلك المستوى بكثير، ولا عجب في ذلك؛ فإن كثيرًا من طلاب جامعة الكويت على قدر من الضعف في اللغات العربية والإنجليزية، لا يُمَكِّنهم من التعبير عن أفكارهم في سلاسة ووضوح، بل لا يُمَكِّنهم من تلقي دروسهم، خاصةً في الأقسام التي يجرى التدريس فيها بلغة أجنبية، فيقف الطلاب أمام المُحاضر في عجز واضح يجابهون مشكلتين رئيسيتين: مشكلة تَفَهُّم اللغة كلغة، ومشكلة تَفَهُّم المضمون العلمي بما فيه من عمق وتشعب، والجامعة بذلك تدفع بالطالب ليقف أمام حائط مسدود يفقده الثقة في نفسه والإيمان بمقدرته على تخطي هذه الحواجز.
والمشكلة الآن هي الطلاب المتقدمون للجامعة بصفة عامة في اللغات وفي العلوم الأساسية، مما يجعلهم يعانون طوال الدراسة الجامعية من قصور يُقعِد بهم عن الوصول إلى الدرجة المطلوبة، ومن ثم فإن الجامعة مطالبة بالتحرك لملافاة هذا العجز، ويمكن أن يتم ذلك في صورة من الصور التالية:
مقترحات للإصلاح
١- مساهمة الجامعة في تطوير التعليم في مراحله المختلفة، خاصةً في المرحلة الثانوية من ناحية المناهج والارتفاع بها إلى المستوى المطلوب، والكتب المدرسية التي تعاني عجزًا ملحوظًا، وتطوير أساليب التعليم والتربية بصفة عامة؛ لكي تغرس في هذه المرحلة مفاهيم سليمة تُبنَى على أساسها علاقة الأستاذ بالطالب، ويعاد بواسطتها النظر في طريقة الامتحانات الحالية كأساس لتقييم الطلاب.
٢- عقد امتحانات قبول للجامعة غايتها الحفاظ على مستوى ذهني وعلمي معين لا يهبط عن مستوى طالب الجامعة، ويتم فيه توجيه الطلاب إلى الدراسات المناسبة لاستعداداتهم.
٣- إذا لم تفلح الوسيلتان السابقتان فيمكن إضافة سنة إعدادية إلى المرحلة الجامعية؛ ليتمكن الطالب خلالها من الحصول على المعلومات الأساسية اللازمة لدراسته الجامعية، والارتفاع بمستواه في اللغات التي تحتاجها دراسته إلى المستوى اللائق، وليس ذلك بالأمر المستغرَب؛ ففي كثير من جامعات العالم نجد سنين الدراسة تتراوح بين الخمس والسبع سنوات حسب طبيعة المادة المدروسة.
وبغير هذا الإصلاح فإن الطالب يفد إلى الجامعة ضعيفًا، ولا تزيده مواد الدراسة الجامعية إلا ضعفًا فوق ضعف، فتظل خطاه متعثرة سنة بعد سنة حتى يصل إلى المرحلة النهائية، سواء نجح في الدور الأول أو الثاني، وحينما يصل إلى هذه المرحلة النهائية يصبح من العسير عليه ألا يكمل الشوط رضى أم أبى، ورضيت الجامعة أم أبت!!
مشاكل القبول
وليس ضعف مستوى الطلاب المتقدمين للجامعة هي المشكلة الوحيدة التي تواجهها الجامعة، فهناك مشاكل أخرى عديدة نوجزها فيما يلي:
١- عدم وجود التخصصات المختلفة في جامعة الكويت؛ فالجامعة لا يزال ينقصها كليات الطب البشري والطب البيطري والهندسة والصيدلة والزراعة... وغيرها من الكليات التي قد يجد طالب من الطلاب المتقدمين للجامعة في نفسه استعدادًا فطريًّا للانخراط في علومها، وفي حالة عدم وجود هذه الكليات؛ فإن الطالب يجد نفسه أمام أحد أمرين:
• إما أن ينتظم في كلية أخرى مخالفة لاستعداده الفطري ورغبته الشخصية، فلا يستطيع أن يبرز فيها ولا أن تتفتح خصائص نبوغه كما يجب.
• وإما أن يضطر للسفر إلى الخارج؛ مما يعرضه لمشاكل عديدة متنوعة أوجزناها في الحلقة الماضية أثناء نقاش مشكلة المبتعثين.
وفي كلتا الحالتين يضيع على الأمة طاقة جيدة لو أحسن توجيهها لأفادت وأعطت.
شعار مردود
وهنا نود أن نشير إلى أن الشعارات المرفوعة بأن احتياجات البلاد من التخصصات الهندسية المختلفة والطبية والصيدلية والزراعية لا يمكن أن تبرر إقامة مثل هذه الكليات في الوقت الحاضر على الأقل.
والرد على ذلك أن الجامعات هي في حقيقتها مراكز للمعرفة تقيمها الأمم لاحتضان المعارف الإنسانية المختلفة، وتبنيها لإيجاد مراكز لمختلف المعارف الإنسانية في الأمة؛ لحاجتها إليها سواء في حل مشاكلها، أو رعاية البحث العلمي في مجالها، أو تعليم أبنائها وتخريج ما تحتاجه من المتخصصين فيها.
والسؤال هو: متى كانت الكليات المختلفة في الجامعات تبنى على أساس من عدد الوظائف المطروحة في السوق؟ وهل يعني عدم وجود وظائف في مجال الهندسة الإلكترونية في الكويت -مثلًا- أن تحرم الأمة من معهد علمي عالٍ يرعى هذا الفرع من فروع المعرفة الإنسانية وينميه؟ خاصة وإنه لا يوجد بالكويت سوى جامعة واحدة، وأن هذه الجامعة ذاتها أمل مشرق ومرتقب، لا للكويت وحدها ولكن بالنسبة للخليج العربي كله، وإذا جاز ذلك بالنسبة لجامعات الدول الأخرى التي يزيد عددها في الدولة الواحدة عن الخمسين أو الستين كما هو الحال في دول أوروبا الغربية، أو يتعداه إلى المئات كما هو الحال في الولايات المتحدة وروسيا -وهو أمر ليس بقائم هناك حيث توجد كل الكليات في كل جامعة من الجامعات-، فإنه حتمًا لا يجوز في جامعة مثل جامعة الكويت التي تنفرد وحدها بالتعليم الجامعي في منطقة الخليج العربي المترامية الأطراف المتباينة الاحتياجات.
والتعلل بالأسباب المالية لا يمكن قبوله في دولة قد أفاء الله عليها من فضله، وأسبغ عليها نعمه؛ حتى وصلت ميزانية جامعة الكويت في وضعها الراهن إلى ستة ملايين ونصف مليون من الدنانير، وهو مبلغ ليس باليسير إذا قورن بميزانية جامعة القاهرة وعدد طلابها فاق الخمسين ألفًا وبها جميع التخصصات، أو جامعة لندن التي بها أكثر من عشر كليات جامعية تضم كل منها جميع التخصصات في مختلف المعارف الإنسانية النظرية منها والعملية.
ضرورة حضارية لمواجهة العدو الصهيوني
وهذا المطلب ليس من قبيل الترف العلمي، بل هو ضرورة قومية وحضارية تحتمها ضرورة المواجهة مع العدو اليهودي الغاصب الذي استطاع أن يقيم في بضع وعشرين سنة من الاحتلال والاغتصاب على أرض ليست أرضه أربع جامعات كبرى تضم جميع التخصصات من الدراسات الإنسانية إلى دراسات العلوم والطب، بالإضافة إلى ستة من المعاهد التكنولوجية العليا وغيرها من المؤسسات العلمية العديدة كمؤسسات الطاقة الذرية، والمساحة الجيولوجية، والدراسات البترولية، وتعمير الصحاري، والمقاييس والمعايير، وهي تنتظم آلافًا من العلماء المتخصصين الذين يقومون بدور رئيسي في تدعيم الكيان الصهيوني الغاصب في أرضنا المحتلة.
ولا بد لمواجهة هذا الجيش الضخم من علماء العدو من المبادرة بإعداد جيش من العلماء العرب أكثر استعدادًا أو أقوى عدة.
الطلاب غير الكويتيين
٢- ومن المشاكل التي ينبغي إيرادها هنا.. مشكلة تحديد نسبة قبول الطلاب العرب غير الكويتيين بـ ١٠ ٪ فقط من عدد الطلاب الكويتيين، فهذا في حد ذاته حرمان لشباب عرب يقيمون بهذا البلد الطيب من فرصة التعليم الجامعي، ونحن لا نعلم جامعة على وجه هذه الأرض توصد أبوابها لاعتبارات علمية فقط في وجه شبان متطلعين إلى المعرفة والعلم والتحصيل، ولهم من تفوقهم العلمي واستعدادهم الشخصي ما يمكنهم من الإبداع لو أتيحت لهم الفرصة.
وربما كان لوضع الكويت من حيث وجود عدد كبير من الأجانب الذين يعملون فيه مبررًا لذلك، ولكننا لا نظن من وجهة النظر الإسلامية بصفة خاصة، ومن الناحية الإنسانية بصفة عامة أنه من العدل حرمان أبناء العاملين في هذا البلد من فرصة الدراسة الجامعية إذا كانت لديهم الاستعدادات العلمية لذلك، ويمكن للجامعة أن تفرض رسومًا معقولة على الطلاب من غير الكويتيين لأكثر من اعتبار، فمن الخطأ أن يعمل الوالدان في الكويت وأن يضطرَّا إلى إرسال أولادهما إلى مواطنهم الأصلية أو إلى دول أخرى؛ لكي لا يحرموا من فرصة التعليم الجامعي بسبب وجود والديهم في الكويت، ناهيك عما في ذلك من مخاطر يتعرض لها الشباب العربي المسلم في هذه السن.
وهنا أكثر من حالة حرم فيها شباب من التعليم الجامعي بسبب ذلك، إن كثيرًا من جامعات العالم تفسح المجال لأكبر عدد ممكن من الطلاب الأجانب؛ اقتناعًا منها بأن وجود الجنسيات المختلفة في قاعة الدرس هو إحدى الوسائل الهامة لشحذ الهمم وإذكاء المنافسة الشريفة، مما يرتفع بمستوى التعليم الجامعي بصفة عامة، ويساعد على تكوين عقليات متميزة بين الطلاب، هذا بالإضافة إلى تعريف أبناء البلد بغيرهم من أبناء الدول الأخرى، تعريف يوجِد بينهم كثيرًا من معاني الود والإخاء، ما أحوجنا نحن العرب المسلمين إليها!
مشاكل التدريس
قبل أن نخوض في ذلك، نود أن نؤكد معنى جد مهم، هو: إن رسالة التعليم الجامعي تختلف تمامًا عن رسالة التعليم في المراحل السابقة له، فليست رسالة التعليم الجامعي أن يدخل أستاذ على طلابه فيملي عليهم أو يشرح لهم قدرًا من العلم قل أو كثر؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لأصبح التعليم الجامعي امتدادًا للدراسة الثانوية، وحينئذ يفقد مدلوله ومعناه، بل يفقد حقيقة رسالته وجوهرها.
إن رسالة التعليم الجامعي كما يدل عليها اسمه تنحصر في أن مجموعة من الشباب في طور التكوين الفكري والعقلي تلتقي بأساتذة لهم من العلم والفضل والتجربة ما يجعلهم قادرين على نقل تجربتهم إلى الجيل الصاعد في صدق وأمانة وحرص ورعاية، فيتعلم الجيل الجديد من جيل سبقه في مجال العلم وحده، بل في مجال الحياة كلها من القيم والمعاني ما يساعده على تكوين فكر ناضج، ونظرة انتقادية متفحصة، لا يخدعها ضلال ولا يعبث بها باطل، انطلاقًا من الحكمة السائدة التي تقول: «اجعل من أخطاء غيرك عِبَرًا لك؛ فليس في العمر متسع لكي تجعل من أخطائك عِبَرًا لنفسك»، وإذا استطاعت الجامعة أن تقوم بهذا الدور فقد أدت رسالتها على الوجه الأكمل والأمثل.
إن مشاكل التدريس في جامعة الكويت كثيرة متشعبة تعرضنا لبعضها في الحلقات الماضية، وسوف نتعرض لها بإسهاب في مقام آخر إن شاء الله، ويكفي هنا أن نوجز منها أهمها.
إرهاق الطلاب وحرمانهم من فرص نافعة
١- ضعف مستوى الطلاب صفة عامة -كما مضى القول في مطلع هذه الحلقة-، وعدم بذل محاولات جدية للارتفاع بمستواهم.
٢- إرهاق الطلاب بكثير من المواد التي تفتقر إلى التنسيق فيما بينها، وبساعات طويلة جدًّا من الدراسة إذا قورنوا بغيرهم من طلاب الجامعات الأخرى، وهذا وضع يحرمهم من:
· فرصة الاطلاع على المراجع المختلفة، مما يحد نظرتهم بما يستمعون إليه في قاعة الدرس فقط.
· فرصة الالتقاء بأساتذتهم والتعرف إليهم، وهو أمر جد حيوي في الوسط الجامعي.
· فرصة الالتقاء في حلقات علمية أو فكرية تساعد على تجديد أفكارهم وشحذها ومداومة الارتقاء بها.
· فرصة القيام ببحوث ميدانية أو تطبيقية قد يفتقد إليها الطالب في دراسته.
· فرصة عيش الحياة الجامعية في الحقل، بما فيها من مناظرات فكرية، ومطارحات علمية تربي العقول وتشحذ الهمم.
· إرهاق الأساتذة بساعات طويلة جدًّا من العمل تحرمهم من فرصة اللقاء بطلابهم، وتعوقهم في كثير من الأحيان عن الاستمرار في مواصلة بحوثهم.
· عدم اتباع نظام البحوث التي يقوم بها الطلاب بصورة دورية للتمرين على التعبير عن أفكارهم بأسلوب منطقي واضح، يمكنهم في السنة النهائية من التقدم برسالة صغيرة تكون جزءًا من استيفائهم للدرجة العلمية، وبدون ذلك التمرين في مجال الكتابة الأصيلة يتخرج الطالب الجامعي في وضع لا يتيح له التعبير عن أفكاره بوضوح وجلاء.
مستوى الخريجين
نتيجة للأخطاء المتراكمة في نظام جامعة الكويت «وسلطات إدارتها» وطريقة استقدام الأساتذة، وحرمانهم من مقادير من الحرية ينبغي أن تمنح لهم، والتحكم في ترقياتهم، وفي مناهج الدراسة ونظم الامتحانات بها، ومشكلات البحث العلمي، ووضع المعيدين المتبقين والمقيمين، وفوضى اختيار الأساتذة الزائرين، ومشكلات مستوى الطلاب والقبول، ومشكلات الدراسة المتعددة، ولغة التدريس.
كل هذه العوامل مجتمعة أدت في النهاية إلى ضعف مستوى الخريجين بصفة عامة، وهنا نود أن نؤكد على معنى سبقت الإشارة إليه، وهو: أن الشاذ لا حكم له، وأن التعميم هذا يشمل الجمهرة الغالبة من خريجي جامعة الكويت.
على أنه ينبغي أن يكون واضحًا جدًّا أننا ما قصدنا -أبدًا- الإساءة إلى خريجي جامعتنا؛ فهم لا ذنب لهم فيما وصلوا إليه، وإنما نقوم بمحاولة للإصلاح لوضع الأمور في مكانها الطبيعي والسليم، ونحسب أن الخريجين يرون ما نرى ويقترحون ما نقترح من إصلاحات؛ لأنهم يحسون بالمشكلة كما نحس بل أكثر؛ لارتباطهم الأوثق بها، ولأن لهم من المستوى الثقافي ما يجعلهم يضيقون بالأخطاء، وينزعون إلى الإصلاح.
خطاب ثمنه ألف دينار!
متانة الوضع الداخلي في الجامعة، ومستواها الجيد في الإدارة والبحث العلمي، ونظمها العادلة والرشيدة في تقدير الكفاءة العلمية، هذا هو المعيار الفذ لقياس تقدم جامعة الكويت، وتجاوز هذا المعيار إلى غيره عملية تخدير تغيب وعي الجامعة عن رؤية الحقيقة والواقع، وتجعلها تستمد قيمتها من مدح الآخرين لا من واقعها الحقيقي.
واعتبار المدح معيار تقدم الجامعة، كما هو عملية تخدير لهذه المؤسسة الكبيرة هو كذلك مجال واسع يمارس فيه الأجانب استغلال إمكاناتنا بانتهازية لا تشبع قط.
إن الأجانب -عمومًا- ينظرون إلى العرب على أنهم شعوب مسرفة لا تحسن تقييم المال، وأن المال الذي تملكه هذه الأيدي المسرفة المتلفة يجب أن يذهب -هكذا يعتقدون- إلى الأيدي التي تعرف قيمة المال أي أيديهم هم!!
وبهذه النظرة لا يدع الأجنبي فرصة ينتقل فيها المال العربي من أيدي أصحابه إلى يده هو إلا انتهزها بإتقان وحرص.
وأنهم يفعلون ذلك مع جامعة الكويت!!
مثلًا: يأتي أستاذ أجنبي زائر -والتبعة ليست عليه وحده، وإنما على الذين استقدموه كذلك- يأتي وراتبه في بلاده لا يكاد يبلغ ٢٠٠ دينار لينهب ٢٥٠ دينارًا كويتيًّا في الأسبوع الواحد، وألف جنيه في الشهر بالإضافة إلى الخدمات الأخرى.
ثم يعود إلى بلاده بهذه الصفقة الكبيرة ليقوم بجهود ضخمة يستطيع أن يرد بها الجميل لجامعة الكويت.
وتتمثل هذه الجهود الهائلة في كتابة خطاب مدح وثناء لجامعة الكويت!! ما أسهله من كسب! وما أبرعها من انتهازية تبذل القليل القليل، وتأخذ الكثير الكثير!!
وتفرح الجامعة بهذا المدح المغرض المخدر، وتنصرف عن التقييم الحقيقي إلى الاستزادة من هذا التقييم السهل، ويفرح الأستاذ الأجنبي بالكسب الضخم والسهل، وتتم بذلك عملية تبادل المنافع السهلة على حساب الحقيقة والعلم ومصلحة المجتمع، فأي تفكير هذا؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل