; نحو أسلمة القضية الكردية | مجلة المجتمع

العنوان نحو أسلمة القضية الكردية

الكاتب إبراهيم العفريني

تاريخ النشر السبت 14-ديسمبر-2002

مشاهدات 84

نشر في العدد 1531

نشر في الصفحة 28

السبت 14-ديسمبر-2002

حل القضية ممكن إذا تنازلنا قليلًا عن كبريائنا الزائفة واعترفنا أولا بوجود مشكلة تحتاج إلى حل.

ولم لا أليس الأكراد مسلمين ألا يشكل المسلمون السنة أكثر من ٧٥% منهم والباقون متوزعون بين الشيعة والفرق الأخرى التي تنتسب إلى الإسلام مثل اليزيدية والعلي إلهية والشبك والصارلية، مع وجود أقليات دينية ضئيلة تنتسب إل إلى المسيحية واليهودية؟ هل الإسلام طارئ على الأكراد أليسوا شركاء الشعوب الإسلامية الأخرى في المنطقة منذ نحو أربعة عشر قرنًا من الزمان؟

أيهم أولى بالأكراد واحتضان قضيتهم المسلمون إخوانهم في العقيدة والمصير أم إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبا التي اقل ما يقال فيها إنها تكيد للعرب والمسلمين ولا تريد أن تقوم لهم قائمة؟

ولماذا لا تتم أسلمة القضية الكردية ألم تلاق الحلول الشيوعية والقومية والاستئصالية معهم كل إخفاق وفشل هل أجدت معهم سياسات التعريب والتتريك والتفريس؟ أليس لهم حق - كباقي شعوب المنطقة - في أن يتمتعوا بحقوقهم الثقافية وبتحقيق ذاتهم؟ هل العرب - والأتراك والفرس أيضًا - بحاجة إلى المزيد من الأعداء والتشرذم وإيجاد المسوغات للدول والجهات المعادية لهم للتدخل في شؤونهم باسم حقوق الأكراد والقضية الكردية إلخ.. من الأسئلة التي لا جواب عنها سوى الاعتراف بأهمية أسلمة القضية الكردية وضرورة أن تبقى قضية هذا الشعب المسلم في إطار الدول العربية والإسلامية، وأن يتم حل هذه القضية داخل البيت المسلم، بعيدًا عن التدخلات الخارجية وعن رسم المخططات المستقبل هذا الشعب، ولشعوب المنطقة بأسرها في مطابخ السياسة في تل أبيب وواشنطن ولندن وغيرها.

لقد وقع ظلم شديد على هذا الشعب المسلم الأصيل، ذي الجذور العميقة في المنطقة، بعد انهيار الدولة العثمانية، وقسمت بلاده بين كيانات ودول قامت على أنقاض الدولة المنهارة ومورست ضده سياسات عنصرية شوفينية غاية في القسوة، فالكماليون اتبعوا معهم سياسة التتريك، وحرموا عليهم استعمال لغتهم والتسمي بأسماء كردية، وحاولوا تتريك مدنهم وقراهم بإطلاق أسماء تركية عليها بدلًا من أسمائها الكردية الأصلية، ورحلوا قسمًا كبيرًا منهم إلى أقاصي الأناضول وإلى الحدود البلغارية واليونانية وغيرها، إثر القضاء على كل ثورة تنطلق من مناطقهم، مع اتباع سياسة التجهيل والإبقاء على التخلف والإهمال على كل الأصعدة الاجتماعي والصحي والسياسي.

وقد مضى نحو قرن من الزمان على المشكلة الكردية في تركيا، وقضى مئات الآلاف من الناس من الطرفين الكردي والتركي وأنفقت عشرات المليارات من الدولارات في هذا الصراع المزمن الشعبان الكردي والتركي بأمس الحاجة إليها، وما زال كل من الطرفين متمسكًا بأهدافه وطموحاته، بل ما زال الأكراد مصرين على ضرورة الاعتراف بحقوقهم الطبيعية التي منحهم إياها الخالق  وما قيل عن أكراد تركيا يقال أيضًا عن الأكراد في العراق وإيران، أما في سورية فالوضع أسوا، إذ إن الحكومات السورية المتعاقبة منذ الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة عام ١٩٦١ تتبع مع الأكراد السوريين سياسة عنصرية بغيضة، من مصادرة للأراضي العائدة لهم وتوزيعها على القبائل العربية المرحلة إلى مناطقهم، بهدف التغيير الديمغرافي لها، وحرمان مئات الآلاف، نعم مئات الآلاف من الجنسية السورية، لا سيما في مناطق القامشلي وعامودا وديريك المالكية الآن بعد إطلاق هذه التسمية مكان الاسم الكردي القديم.

وعلى ذكر تعريب أسماء البلدات والقرى الكردية في سورية، فقد جرى استبدال أسماء المدن الآتية على سبيل المثال لا الحصر فسميت «سري كعنية برأس العين»، و«تربي سبي» بـ «تل أبيض» و«ديريك به المالكية».

كما جرت محاولة لإطلاق أسماء، مثل: ۷۰ نیسان و۸ آزار و۸۰ شباط وغيرها على قرى في منطقة عفرين الكردية، لكن هذه السياسة أصيبت بالإخفاق الذريع، وكانت موضع تندر واستهجان من قبل السكان. إزاء هذه السياسات غير العادلة وغير الحضارية، لجأ قسم من الأكراد إلى أحضان الشيوعية لعلهم يجدون في طروحاتها وشعاراتها بعض الإنصاف لقضيتهم، إلا أنهم لم يقبضوا سوى الريح، وكانوا قد جربوا الحلول القومية فلم يجدوا فيها أيضًا غير الإخفاق والمزيد من التشرذم والمآسي فما الحل إذن؟ هل الحل أن تبقى الحروب سجالًا وأنهار الدم وسياسة الأرض المحروقة هي سيدة الموقف في هذه الدول التي يوجد فيها أكراد؟ هل الحل في إيجاد ذرائع للدول الطامعة في التدخل في شؤون هذه البلدان وإيجاد المزيد من المشكلات والألغام السياسية القابلة للانفجار في أية لحظة؟ أم أنه في هدر الطاقات والإمكانات المادية والبشرية في حقول ومجالات بعيدة كل البعد عن التنمية والتطوير ورفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي والصحي والعلمي أم الحل في تمكين أعداء الأمة التاريخيين من فرض الحلول التي تتفق ومصالحهم ورسم خريطة المنطقة بما يوافق هواهم وأغراضهم أيهما أجدى وأسلم أن نتوصل لحل مع الأكراد الذين تجمعنا بهم عوامل العقيدة والتاريخ المشترك والمصير الواحد؟ أم يصبح الأكراد أداة في يد أعدائنا وتصبح قضيتهم ذريعة للأعداء في التدخل في شؤون أوطاننا ومنطقتنا وفرض واقع تجزيئي صنعناه بأيدينا وسياساتنا وأيهما أحفظ لبقاء المودة والرحمة بين الأكراد من جهة والعرب والترك والفرس من جهة ثانية أن يتوافقوا على حل يرضي الأطراف جميعًا في ظل راية الإسلام التي تظلهم جميعًا أم يفرض عليهم حل أمريكي أو إسرائيلي أو أوروبي؟

إنني أرى أن حل القضية الكردية ممكن إذا تنازلنا قليلًا عن كبريائنا الزائفة واعترفنا أولًا بوجود مشكلة تحتاج إلى حل، واعترفنا ثانيًا بأن هذا الحل ممكن في إطار البيت المسلم وفيما يأتي ملامح هذا الحل فيما أرى.

۱ – الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للأكراد على قدم المساواة بالأكثرية التي يوجدون بينها.

٢ - منح الأكراد الحكم الذاتي الحقيقي في المناطق التي يشكلون فيها أكثرية.

٣- تمكينهم من حكم أنفسهم بأنفسهم في مناطقهم، بعد أن تفرز انتخابات حرة نزيهة في مناطقهم الحكام الذين يختارهم الشعب الكردي.

٤- إشراك الأكراد في المناصب والوظائف المركزية، بما يتناسب ونسبتهم في كل بلد يسكنونه.

ه - منحهم نسبة من عائدات الثروات التي تستخرج من مناطقهم بقصد تحسين مستوى الناس الاقتصادي والمعيشي.

٦ - الالتفات إلى مناطقهم وإقامة مشاريع تنموية فيها، والعمل على القضاء على البطالة عندهم.

٧- تقوية روابط الأخوة الإسلامية وتنميتها معهم، وبث الدعاة المسلمين بينهم، للعمل على ملء الفراغ الحاصل لديهم بعد انهيار المبادئ والنظريات البعيدة عن طبيعتهم الفطرية السليمة، وقطع الطريق على الدعوات والمبادئ التشتيتية الوافدة عليهم وتحصينهم ضدها.

أعتقد أن هذه الحلول لا تتنافى ومبادئ الإسلام العظيم، كما أنها ترضي الأكراد وتنهي مشكلتهم، وبالتالي تقطع الطريق على الحلول الوافدة على المنطقة.. 

أكراد سورية:

كان من الطبيعي أن يتطلع أكراد سورية لنيل تلك المكاسب التي حصل عليها إخوانهم أكراد العراق كالتمتع بحكم ذاتي بل وشبه مستقل، على الأقل في الوقت الحاضر، وتأسيس حكومات ومجالس برلمانية محلية وغيرها، وأخذ يبدر منهم في الآونة الأخيرة ما يشير إلى حنينهم لمثل هذه الحقوق وخاصة المتعلق منها بالتكافؤ السياسي والحقوق الثقافية. ومقابل ذلك بدت بوادر ليونة من جانب دمشق لم تكن تدور في الأذهان حتى الماضي القريب، بسبب سياسة التشدد والضغط التي انتهجها الرئيس حافظ الأسد ضد أكراد سورية. ومهما تكن الفوارق الموجودة في أوضاع أكراد البلدين مثل قيام الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا بإعلان شمال العراق منطقة منفصلة تقريبًا عن العراق ومحظورة على تدخلات الحكومة المركزية وحمايتها عسكريًا بواسطة طائراتها الحربية المحلقة من قاعدة إينجيرليك الجوية في تركيا، فإن التطورات الجارية في شمال العراق ويضمنها التحسن الاقتصادي في حياة ومعيشة القاطنين هناك بدأت تلهب التطلعات القومية لدى أكراد سورية وتدفعهم إلى التفكير جديًا بالمطالبة بحقوق قومية حرموا منها وحقوق ثقافية مماثلة لما يتمتع به إخوانهم وراء الخط الحدودي الواهن.

تشير الإحصائيات إلى أن الأكراد يؤلفون ٨ من مجموع سكان سورية البالغ زهاء ١٨.٣ مليون نسمة أي حوالي ١.٥ مليون يقطنون مناطق فقيرة مثل الحسكة وقامشلي ولا يرد ذكرهم في الدستور السوري. أما الإشارة الوحيدة إلى الوجود أو الكيان الكردي في العاصمة (دمشق) فهي تحدث قسم كبير من المواطنين في أحيائها الفقيرة باللغة الكردية فيما بينهم.

الوضع أسوأ بالنسبة للأكراد النازحين من تركيا إلى سورية خلال نصف القرن الماضي وعددهم يقرب من ١٦٠ ألف شخص إذ لا يزالون محرومين من الجنسية السورية رغم مرور عشرات السنين على هجرتهم إليها. ومن ثم فهم محرومون من حقوق عدة مختلفة مثل التصويت في الانتخابات ربما كانت تلك بالذات ميزة لا عيبًا وحق التملك وشراء الأموال غير المنقولة كالبيوت والمحلات التجارية والتسجيل في المدارس الحكومية والتعيين في وظائف الدولة وكل ما يثبت هوية ما يتجاوز نصف عدد هؤلاء مجرد بطاقة حمراء تأتي بمعنى كونهم أجانب وليسوا مواطنين، بل إن هناك زهاء ٧٥ ألفًا لا يملكون هذه البطاقة لذا فهم عاجزون حتى عن تلقي العلاج في المستشفيات أو الحصول على عقد النكاح عند الزواج.

وأدى التهاب المشاعر القومية لدى أكراد سورية إلى ارتفاع أصواتهم المنادية بحقوقهم المشروعة وشرعت ١٤ مجموعة كردية غير معترف بها من قبل دمشق برفع أصواتها استنكارًا لأوضاع الأكراد. وفي هذا النطاق أشار رئيس الشورى الديمقراطي الكردي السوري مروان زرقي إلى أن الأكراد يعتبرون جزءًا لا يتجزأ من سورية مما يترتب عليه حصولهم على نفس الحقوق التي يتمتع بها بقية المواطنين. أما إبراهيم عمري وهو رمز آخر من الرموز الكردية هناك فيقول إنه من مواليد سورية خدم فيها سنوات وسنوات ويعتبر نفسه سوريًا مئة في المئة لذا فإنه يستغرب أن يشعر أحدهم بالخشية والقلق منه.

ويلمح بعض المراقبين إلى أن السلطة السورية شرعت بإبداء شيء من المرونة والمسامحة تجاه الأقلية الكردية بسبب خشيتها من تأثير رياح الانفصالية التي تهب من شمال العراق، وتأثير العناصر الكردية التي كانت السلطات السورية قد غضت النظر في وقت ما الكردستاني وقيامها بعمليات مسلحة ضد تركيا، وقد رجعوا الآن إلى ديارهم في سورية عن انضمامها إلى منظمة حزب العمال حاملين معهم أفكار المنظمة المذكورة الداعية إلى قيام دولة كردية تضم أكراد تركيا وسورية والعراق وايران وفي نطاق السياسة السورية الجديدة استقبل نائب الرئيس عبد الحليم خدام قبل فترة وفدًا من أكراد سورية كما شارك عدد من المثقفين في اجتماع أعدته المجموعات الكردية السورية ولم تتدخل السلطات الأمنية فيه كعادتها.

ولكن المفاجأة الكبرى جاءت بزيارة الرئيس بشار الأسد للولايات المأهولة بالأكراد وهي أول زيارة يقوم بها. رئيس سوري لتلك المناطق منذ إعلان استقلال البلاد في عام ١٩٤٦. ورغم أنه لم يشر في خطبه هناك إلى الأكراد وأوضاعهم واكتفى بالتشديد على أهمية التضامن والتساند الوطني فإن الزيارة اعتبرت بمثابة رسالة ودية إلى المواطنين الأكراد.

ويلفت النظر تماثل أقوال عبد الحميد درويش رئيس الحزب التقدمي الديمقراطي أحد الأحزاب الكردية السورية مع طروحات أكراد العراق: لا نستهدف إقامة منطقة كردية مستقلة بل نيل حقوقنا الاجتماعية والسياسية والثقافية فوق أراضينا. 

 خدمة وكالة جهان للأنباء. إسطنبول

الرابط المختصر :