; نحو أدب إسلامي.. مع روايات إسلامية معاصرة للدكتور نجيب كيلاني | مجلة المجتمع

العنوان نحو أدب إسلامي.. مع روايات إسلامية معاصرة للدكتور نجيب كيلاني

الكاتب محمد حسن بريغش

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

مشاهدات 76

نشر في العدد 224

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 05-نوفمبر-1974

قلت في مقال سابق: إن الدكتور نجيب الكيلاني زود الأدب الإسلامي بعدد من رواياته الجديدة التي برز فيها التصور الإسلامي الواضح للحياة، وتميزت بالكلمة الطيبة، والفن الصادق، والتصوير الموحى، واللمحات الذكية، وكان منها «نور الله -دم لفطيرة صهيون– عمر يظهر في القدس، قاتل حمزة» أقول ذلك بعد أن رأيته يبدو أكثر وضوحًا، وأصالة، وأكثر عمقًا، و شاعرية، وأصدق تعبيرًا وفنًا، واستطاع أن يتخلص من التردد، والتشتت بين التزام التصور الإسلامي في الأدب، واسترضاء المشاعر، أو التماس الرضى، والقبول عند كثير من الناس «1»، ومرة أخرى لن أتناول هذه القصص المميزة بالدراسة والنقد، فلها موعد آخر -إن شاء اللـه- ولكنني سأسجل بعض الخواطر، واللمحات عن قصصه الجديدة التي صدرت -لكاتبنـــا الشاعر-، فزادت من وضــــوح الصورة عن أدبه، وساهمت في ترسيخ المفهوم الإسلامي للأدب والحياة معًا، وأضافت رفدًا جديدًا لمكتبة الأدب الإسلامي المعاصر. وبعد أن رأينا طغيان القصـــة التاريخية لدى أدبائنا الإسلاميين المعاصرين بدأ عدد منهم يواجه الواقع بأدبه، يخوض غمار التجربة الجديدة في الحياة متسلحًا بتصور واضح، وعقيدة راسخة ليكشف عن واقع الحياة، ويبرز كثيرًا من الحقائق التي حاولت الجاهلية الحديثة طمسها بما تملك من وسائل الإعـــلان والدعاية. 1 - انظر مقال «مع ديوان - عصر الشهداء» المنشور في العدد السادس من السنة الرابعة عشرة بمجلة حضارة الإسلام. وإن من أهم الخصائص التي ينبغي أن يحرص عليها القصــاص المسلم هي ربطة لأحداث القصـــة بالواقع دون إخلال بطبيعة الفـن الذي يمارسه، وهذا الشرط لا يختلف مهما كان نوع القصة التـي تكتب، أو الموضوع الذي يطرح من خلالها؛ تاريخية، أو اجتماعية، أو وطنية، أو غـــير ذلك، فالقصة التاريخية لن تخرج عن كونها موعظة عابرة مكررة، أو حكاية مسلية، أو واقعة مسرودة إذا حرص كاتبهـــا على سر التاريخ كتراث سالف مضی، ودفن تحت أنقاض القرون الغابرة. ولن تبلغ في نفس القارئ إلا درجة المشاعر السطحية، والتأثر العاجل إذا لم تتحول على يد الكاتب إلى فن يتفاعل مع الواقع أيًا كان زمنها، ومهما كانت صور الواقع الذي كتبت من أجله. إن الأحداث التاريخية الخالدة التي صنعت حضارة إنسانيـــــة رائعة، وبعثت روح الخير، والعدل، والحق، والرفاه عند البشرية، وضمنت للإنسان كرامته، وعزته، وحريته بعد ذل وهـــون. إن هذه الأحداث حين تتحـول إلى حكايا جامــدة، أو أقاصيص للسمر، فإننا نكتب عليها شواهد العــدم. أما التاريخ الذي نريده من خلال فن القصة، هو التاريخ الحي الذي يتحول إلى دم ينبض بالحياة، ويتدفق بالتجربة، وإلى ضياء يكشف أمامنا الطريق ويهدي الجيل إلى معالم الحق من جديد، وهي لا تملك القيام بهذا الدور الذي نريده منها، ولا تتحول إلـى نبع يسقي الحاضر، ويبعث المستقبل ما لم يتمكن كاتبها إبرازها حية قريبة من الواقع الذي نعيش، بل موائمة له، وكأنها أحداثنا نحـن نعيشها، ونتأثر منها، ونؤثر فيها، ودماؤنا التي تروي الأرض، وتهرق في سبيل الله. والذي لا ريب فيه أن اختيار الأحداث أولًا.. واختيار الطريقة لسبـــكها وترابطها وتسلسلها، سيؤثران في تحقيق ما نريد.. وهي بالتالي مهمة صعبة تدخل في مضمونها قدرة الفنان وعمق إحساسه، وطريقة فهمـــه للواقع وعمق ثقافته أيضًا، ومدى إدراكه لحركة التاريخ وأحداثه على ضوء العقيدة وصحة نظرته للواقع ومناحيه المختلفة. ولا يشذ عما قلناه -بمضمونه العام- أي نوع من أنواع القصص فصفة الواقعية، بالمعنى الذي شرحناه، شرط مهم لنجاح هــذه القصة. والأديب المسلم أمامه فسحة من الحياة واسعة، أمامه العالم كله، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ما دام قادرًا على الاختيار، والعرض، بأسلوبه الفني، وحسه المرهف. هذه الفسحة الواسعة من الحياة لا تتوفر لغير الأديب المسلم لأنــه يتناول بأدبه قضية الإنسان الــذي يجاهد من أجل كرامته، ويرفض كل عبودية لغير الله، ويسعى للتحرر من قيود الجاهليات التي تحول دون تحقيق إنسانيته. ثم إنه سيظفر بعدد من الموضوعات المتنوعة على امتداد وطنه الإسلامي الكبير، لأن هذا الوطن يعاني شتى أنواع المحن والمشكلات، ويــرى مختلف أنواع البؤس والتخلف، وتعوزه أمهر أنواع المعالجات الذكية المخلصـــة، وفي هذا السبيل سيرى أن قضية الإنسان واحدة مادام في ظل اللـه، وسيتعرَّف إلى واقع المسلم الــذي يقف وحده -رمزًا للإنسان المكرم عند الله -يحمل راية الحق للإنسانية كلها، ويدفع عنها الضيم والأذى، ويكشف أمامها الطريق، ويوضــح لها المعالم، ويبذل من أجلها أجــلَّ التضحيــــات. وفي القصص الأخيرة التي كتبها الدكتور نجيب الكيلاني نلمح صورة لهذه الواقعية المؤثرة، ونتعرف على لوحات من حياة المسلمين ناطقة بدمائها، وتضحياتها، وآلامها، وهي كلها ترمز لحاضر العالم الإسلامي ومشكلاته، وتعالج قضية الإنسان المسلم الذي يقــف أمـام الطغيان ليدافع عن حريته، وكرامته، ووجوده، ويحمي عقيدته التي تمثل هذه القيم كلها. «ليالي تركستان - عـــــذراء جاكرتا - عمالقة الشمال». ثلاث قصص صدرت بوقت واحد، وتحت عنوان «روايات إسلامية معاصرة» وبحجم واحد تقريبًا، إذ لا تتجاوز كل منها مئة وسبعين صفحة إن قارئ هـــــذه القصص يستطيع أن يرى ذلك الخط الواضح الذي يربط بينها والــروح التي تسرى فيها جميعًا. وهذه القصص الثلاث تبدو فيها ظاهـرة الواقعية، لأنها تناولت أحداثًا تثير في ضمير المسلم كثيرًا من الأفكار والمشكلات، وتضع أمامه عددًا من القضايا التي يعانيها على صعيد الفكر والواقع معًا. ولقد حرص الكاتب على استقاء هذه الأحداث من ملاحظاتـــه، أو مشاهداته، أو قراءاته كما بدت على أرض الواقع الحي، ونسج منها هذه القصص، فكانت ذات صلة بواقع المسلم في هذا العصر؛ واقع عقيدته، ومجتمعه، ووجوده، وطریق جهاده ضد الجاهلية، وكانت ذات صلة بواقع العالم الإسلامي وما يعانيه من صنـــــوف الكيد، ولم يخرج بها الكاتب عن أصول الفن القصصي في ســــبك الحوادث، وترابطها، ورسم الشخصيات، وحركتها، وإبراز عنصر الصراع، وحرصه على التشويق معًــا، وأكتفي هنا ببعض الملاحظات التــي تجمع القصص الثلاث من غير تفصيل وتدقيق في جزئياتها وجميع مناحيها: ا - كانت موضوعاتها، وأحداثها تتدور حول قضايا تهم واقع المسلم، وتلمس أعمق أحاسيسه، وتضــــــع أصابعه على مكامن الخطر، وتفتح قلبه وبصيرته على حقيقة الصراع الذي يدور من حوله متخذًا أشكالًا مختلفة، بينما يهدف إلى غاية واحدة، ويسعى لحرب الإسلام وإطفاء نوره في كل مكان، وكان اختياره للأحداث من أمكنة ثلاثة ينحصر بينها العالم الإسلامي؛ إذ كانت القصة الأولى تدور أحداثها في الشمال، «لیالي ترکستان»، بينما تدور أحداث الأخيرة في الجنوب الغربي «عمالقة الشمال»، وهي بذلك تعطي دلالة مهمة على طبيعة الأحداث، والصراعات المصطنعة في العالم الإسلامي، وهي بمجموعها تضع المسلم إزاء تحديات الجاهلية له، وتجعل منه طرفًا تقابله مجموع الأطراف الأخرى موحدة في مواجهته، والقضاء عليه. ٢ - إن القصص الثلاث تظهــر دور الاستعمار، والصهيونية، والتبشير، والاستشراق، والجاسوسية، والحركات الأخرى تظهر بأسمــاء براقــــة، وتتظاهر بادعاءات خادعة من التقدم والتطور، فتبدو هنا على حقيقتها، وتنكشف غاياتها، وتظهر نواياها من وراء ما تخفيه من حقد، وطمع وتآمر على هذا العالم، وهي -للوصول إلى غاياتها- تبتكر أساليب متنوعة، وتطور هذه الأساليب، وتعطيها ألوانًا، وأصباغًا، وأشكالًا تتآلف مع متطلبات المرحلة، والبلد، والظروف، ثم تسخر آخر ما وصلت إليه العلوم، والتقدم العلمي، والمادي لهذا الهدف، ونراها ترفع الشعارات المختلفة، وتبذل الأموال، وتبث الاتباع لطمس معالم الحضارة الإسلامية، واقتلاع جذور العقيدة من قلوب المسلمين الذين يعانون التخلــــف، والفقر، والمرض. فهي تستعمل القوة الغاشمة مرة، والدهاء السياسي أخرى، والخيانات، والمكر ثالثة، والإرساليات التبشيرية مرة رابعة، والأحزاب والجمعيات خامسة، وادعاءات التطوير والتقدم سادسة، وهكذا تظل وراء غايتها ما دام هناك شعب تستلب كنوزه، وتحارب بواسطة هذه الكنوز التي يعجز عن استخدامها هو، ولا ينسى كاتبنا أن يظهر دور الصهيونية من وراء ذلك كله، وفي كل أرض في حربها المستمرة الحاقدة ضد الإســـلام والمسلمين. 3 - إن الكاتب يحرص عـلى إظهار ذلك التقارب في أساليب هذه القوى الحاقدة وغاياتها، ليعرف المسلم أنه وحده المستهدف من وراء هذه الحروب المتنوعة، وأن عقيدته -أولًا وأخيرًا- هي التي تقــــض مضاجع هؤلاء جميعًا، وبذلك يرى أن طريقة واحدة فيربط جهــــاده بجهاد إخوانه، ويستمد قوته من عقيدته، ويتخذ من جهاد الأنبياء والمؤمنين قدوة ومثلًا، فيتصــل كفاحه بكفاحهم، ويرتبط جهـــاده بمرضاة الله عز وجل. وصاحب العقيدة لا يتأتى له النصر -في الدنيا والآخرة- ما لم يثبت في مجـــال التجربة، ويصمد في مواطن الجهاد متحملًا من أجل عقيدتـــــه شـــتي التضحيات، وهو في النهاية ظافر، مادامت غايته المثلى الشــهادة، أو النصر في سبيل الله. إن الكاتب يقول -من خــــلال أحداث القصص- إن قانون أصحــاب العقائد واحد بين في كتاب الله عـز وجل ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2-3). 4 – وفي القصص تبدو صـــورة الإنسان المسلم المؤمن بربه الساعي لمرضاته عز وجل، ويعطينا ألوانًا من جهاد هؤلاء في كل مكان رغـــم الصور الداكنة التي تحيط بهــم، ورغم شراسة الكيد، والحرب المعلنة ضدهم. إن هذه الصور المشرقة تزيد من عزيمة المسلمين، وكأنها صـــرخة تهیب بهم أن يؤثروا مواصلة الجهاد والصبر في الله، والتضحية فــي سبيله ليفوزوا بمرضاته عز وجل، واثقين بأنه سبحانه وتعالـى لـن يتخلى عن عباده المؤمنـين مهــما تكاثرت قوى البغي والجاهلــية، وسيظل دستور الجهاد الإسلامــي ينظر إلى الأعداء من منظار السنن الإلهية ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 76)، وقوى الإيمان لا تقاس بالعدد والعدة، لأن الله عز وجل هو الذي يقدر النتائج، ويقـدر الظفر، ووعده الصادق لأوليائه بالنصـــر ما داموا مع الله قــولًا، وعملًا. 5 – ومن خلال هذه القصص لا ينسى إبراز العاطفة الإنسانية الصادقة، دون تزييف، أو تحريف، أو لجوء إلى اصطناع المواقـف المثيرة، أو تضخيم اللحظات الشاذة -كما يفعل أكثـــر القصاصين المعاصرين- لتظهر وكأنها طابع الحياة كلها، ولتؤدي غرضهم من ورائها بإشاعة هذه الصلات الشاذة بين أبناء المجتمع. ونرى في القصص كيف يلجأ الحاقدون -من يهود واستعمار وأذناب- لاستخدام الجنـس والإغراء في حربهم، لإغراق الحياة بالمفاسد، وتخريب الضمائر بالجنس والملذات، وتهديم الأسرة عن طريق هذه العلاقات المحرمة، وإفســـــاد الحياة جميعًـــا. ويستخدمون لغرضهــــم هذا -المرأة الساقطة- كمصيدة ومنحدر، ينفذون بواسطتها شتى المآرب، فيساعدهم في ذلك قوى مادية ضخمة، أما المسلم فإنه يلتزم جانب الفطرة السليمة، والأخلاق السوية فهو لا ينكر العاطفة، ولا ينس مشاعـــر الرجل نحو المرأة، أو مشاعر المرأة نحو الرجل، ولكنها تظل دومـًا فـي حدودها النظيفة، وضمن القوانين التي حددها الله سبحانه وتعالـــي لعلاقات الجنسين، وهي علاقة الشق بشقه الآخر، الذي يسعـى به للاكتمال، والنمو، والعبادة، ويرينا في القصة كيف تعود المرأة بعد مرحلة من الشذوذ، ومعاناة الصراع المرير، واكتشاف أباطيل الجاهليين في خداعها، وتسخيرها، ثم لا تستقر إلا بعد عودتها إلــى الفطرة السوية، وشــرعة اللـه الواضحة، وتتهاوى كل الدعاوى الفارغة التي روجتها اليهوديـة، والمبشرون، والمستعمرون حول الجنس، والأخلاق، والعلاقات الاجتماعية. ٦ - إن الملاحظات السابقة، لا تعني أن القصص عبارة عن بحث فكري يدرس أساليب الصهيونية، والاستعمار، وجميع أعداء الإسلام، بل ظل الكاتب فيها فنانًا أصـــيلاً، وقصاصًا ناجحًا؛ فكانت الموضوعات مأخوذة من أحداث واقعية معاصرة، ولكنه لم يلجأ لسردها كما يسرد التاريخ، ولم يحشر فيها من الوعظ ما أفسد فنيتها، وإنما وضعها في إطار فن القصص، وربطها بخيـــط من العاطفة المحببة، وحرص عـــلى وجود الترابط، والتسلسل بين أحداثها، وشدها بعنصر التشويق إلى أخـــر صفحة فيها، لقد نجح الكاتب فـــي إثارة وجدان القارئ، وفتــــح عيونه، وبصيرته على حقائق مهمــة في الحياة. إن هذه القصص، بأسلوبهــــا الواضح السهل، وتسلسلها المحكم، وواقعيتها المؤثرة، وروحها العذبة خطوة رائعــة في طريــــق الأدب الإسلامي، فإذا كانت قصصًا قصيرة، فإنها استطاعت طرح قضايا كبيرة، وأدت غرضها في كلا جانبيها -الشكل والمضمون-، ولعمري فإن هذه القصص تضع الكاتب على درجات رفيعة من المجد الأدبي، وتجعله في طليعـــة الأدباء الإسلاميين الذين ترجموا الواقع من خلال أدبهم إلى صـــور رائعــــة، وموضوعات ذات دلالة، وكل قصة من هذه القصص تصلح أن تكون رواية ضخمـــة -لو أراد كاتبها- توازي وتقف إلى جانب الشوامخ من القصص العالمية. وأخيرًا فإن هذه الملاحظات ليست سوى خواطر لا تغني عن قــــراءة القصص، لأنها لم تدخــل إلــى موضوعاتها، ولعل القارئ الكريم يحرص بعدها على كشف كثير من أشيائها الثمينة، ويلتفت إلى أمور لم أشر إليها مما يمتع ويفيد. وحري بالمهتمين بالأدب الإسلامي المعاصر تقويم التجربة الفنية للدكتور نجيب الكيلاني من خلال دواوينـــه، وقصصه، وإنتاجه الغزير. محمد حسن بريغش
الرابط المختصر :