العنوان نص المقابلة الصحفية مع المودودي: نحن وبنغلاديش (الجزء الثاني والأخير)
الكاتب المحرر المحلي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1973
مشاهدات 19
نشر في العدد 136
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 06-فبراير-1973
·
الهند-
أمريكا- بريطانيا- وأخيرًا روسيا تضافرت جهودها لتشطير باكستان
·
إن الزمن
وحده كفيل بإعادة باكستان الشرقية المسلمة إلى باكستان الأم شريطة عدم الاعتراف
بالانفصاليين
(وجهت جريدة «جسارت» اليومية في
كراتشي (باكستان) مجموعة من الأسئلة حول كارثة باكستان الشرقية وما يسمى
«بنغلاديش» إلى قائد الحركة الإسلامية الأستاذ أبو الأعلى المودودي، وفيما يلي
أسئلة الجريدة وردود الأستاذ المودودي عليها)
المترجم
·
وهل
للمؤامرات الخارجية ضلع في سقوط باكستان الشرقية؟
نعرف من الهند من أول يوم أنها ما زالت تعمل
تحت خطة مدروسة متواصلة لفصل باكستان الشرقية عن باكستان الغربية. وأن الهندوس أو أذناب
الهندوس من المسلمين هم أنفسهم أصبحوا أداة الهند لإنجاز هذه الخطة. ثم جاءت
أمريكا وبريطانيا تهتمان بهذا الأمر وبدأنا أيضًا المساهمة في هذه الخطة. وفي
النهاية جاءت روسيا تقحم نفسها في القضية والتهمت كل ما طبخته هاتان الدولتان
الغربيتان، أما بريطانيا فهي ما برحت تبذل كل المحاولات لتطبيق انفصال باكستان
الشرقية وإرغام باكستان على الاعتراف بالكيان المستقل لها.
أما الذين كانوا يؤيدون فكرة الانفصال ويسعون
في سبيلها من أهالي باكستان أنفسهم فلا نستطيع أن نقول عن كل فرد منهم: أي قوة من
القوى الدولية جعلته أداة لها؟ ولكن الأخبار التي كانت تتسرب إلينا بين حين وآخر
تكشف النقاب عن علاقة جميع هؤلاء بجميع القوى العالمية الكبيرة، حتى أن السيد ناظم
الدين أطلعنا قبل سنوات عديدة على أن هناك مؤامرات تحاك لفصل باكستان الشرقية.
وهناك قوة أخرى علاوة على تلك القوى التي
عددناها سالفًا، واصلت جهودها في استئصال شأفة باكستان، وأميط اللثام عن رغبتها
واهتمامها أخيرًا، مع أنها ظلت تكرس جهودها من مدة غير قصيرة، ألا وهي «اليهودية
العالمية» التي أبت إلا أن تذيق باكستان عقاب تأييدها للأمة العربية في قضاياها
وعلى رأسها قضية فلسطين.
·
لماذا لم
تساعدنا الدول الصديقة لنا؟
لعل الدول الصديقة اختارت «سياسة الحذر» بعد
أن رأت روسيا تؤيد الهند وتسندها بصورة سافرة لأنها لا يمكن لها أن تحول دون هذا
العدوان السافر بدون مواجهة احتمال نشوب الحرب العالمية، كما أن الصين لم تكن
تستطيع وحدها الحرب مع الهند وروسيا. أما أمريكا فأيًّا ما كانت اتجاهات الرئيس
نيكسون ما دام الأخطبوط اليهودي يسيطر عليها لا يسمح لأمريكا أن تحرك ساكنًا في
تأييد باكستان، ولا يصح التفاؤل بأن الرئيس نيكسون ينصرف إلى دعم باكستان
ومساندتها بعد أن فاز في انتخابات الرئاسة وتربع على كرسي الرئاسة لأربع سنوات
أخريات، هذا التفاؤل لا يعدو ضربًا من الخيال!
·
هل ينبغي
لنا أن نعترف بـ «بنغلاديش»؟
إن الاعتراف بما يسمى «بنغلاديش» ليس في مصلحة
باكستان بتاتًا، بينما الأضرار التي تعود علينا بالاعتراف بها كثيرة وجسيمة.
دع البحث فيما ينفع أو يضر.. خذ أولًا: هل أية
دولة في العالم فيها الغيرة على نفسها وفيها الشعور بكرامتها تسمح لنفسها أن تعترف
بانفصال أحد جناحَيها بترته من جسدها قوتان أجنبيتان بالعدوان السافر الغاشم؟ وما
معنى الاعتراف ببنغلاديش المزعومة؟ معناه: استسلامنا للعدوان الأجنبي وإعطاؤنا
إياه وثيقة التبرير، وتوفيرنا للدنيا نظيرًا على أن أي جزء من وطننا إذا فصل منه
في المستقبل بالعدوان الجديد أيضًا -ولا سمح الله- سوف نعترف باستقلاله وشرعيته
أيضًا.. أما قول بعض الناس إن كيان بنغلاديش أصبح أمرًا واقعيًا فليس بحجة أبدًا..
إذ إن ظلم الأقوياء في العالم يعتبر نوعًا من الواقع، ولا يستطيع الضعيف أن يمحو
هذا الواقع بالقوة إلا أن الضعيف يجد في نفسه حمية وأنفة لا تسمح له بالاعتراف
بهذا الطراز من الحقائق. أليست إسرائيل أمرًا واقعيًا؟ وإخواننا العرب لا يستطيعون
-في الوقت الحاضر- أن يغيروا هذا الواقع، ولكنهم لم يعترفوا بها. وكذلك كيان
ألمانيا الشرقية واقع أيضًا، ولا تقدر ألمانيا الغربية أن تقر هذا الواقع، ولكنها
لم تعترف بها.
وفرموزا «تايوان» واقع، ولكن الصين لم تفكر
يومًا في الاعتراف بها كواقع. دع أمة ذات أنفة وكرامة.. خذ فردًا واحدًا إذا جاء
أحد يحتل جزءًا من بيته بالقوة فإنه مهما كان عاجزًا عن استرداده لن يعترف أبدًا
بأن هذا الجزء المحتل من بيته ليس جزءًا من بيته، وأنه يتخلى عن دعواه في
استرداده. هذا مبدأ أساسي لا ينبغي وزنه بميزان النفع أو الخسارة لأن هذا النوع من
التفكير هو ضعف وعجز أولًا وأساسًا.
·
إذن ما حقيقة
الفوائد التي يبينها دعاة الاعتراف؟
خذ الآن على سبيل الافتراض: هل هذا الاعتراف
يتضمن جانبًا من الفائدة؟ يقال في هذا الشأن: كيف يجوز لنا ألا ننشئ علاقة
بإخواننا؟ يجب علينا أن ننشئ معهم نوعًا من العلاقة! ولكني أقول: إن حكومتنا -بعد
هذا الاعتراف- لا تستطيع أن توطد علاقتها في «دكا» إلا مع الأفراد الذين لا يكونون
من إخواننا المسلمين الشرقيين بل يكونون عملاء أوفياء للهند لأن البنغاليين
المسلمين الحقيقيين لا يستطيعون أن يقتربوا من سفارتنا في دكا، كما لا تستطيع
سفارتنا أن تتصل بهم، وكل من حاول منهم أن يقيم معنا علاقة يكون مصيره أليم
العقاب. بل إن رجال سفارتنا سيبقون تحت مراقبة الجواسيس في نوع من الحراسة. وإذا
أرادت السفارة أن تستخدم البنغاليين في دوائرها فلن تجد إلا الذين يقومون بدور
الجواسيس أيضًا. إذن بينوا لنا: مع من تنشئون العلاقات في دكا وعلى أي وجه
تنشئونها؟
ويقال أيضًا: إن هذه العلاقة -ولو كانت ضعيفة-
تعود علينا بالفوائد الاقتصادية. ولكن هذا التصور نوع من الجنون. إذ لا تستطيعون
أن تستوردوا من دكا المواد الخام التي تحتاجون إليها إذا كانت الهند ترغب في تلك
المواد كالجوت أو الجلود. نعم، إن المواد التي لا ترغب فيها الهند لكم أن تستوردوا
منها قدر ما تشاءون، كالشاهي والتنبول ومستلزمات التنبول وما إلى ذلك. وكذلك لا
تستطيعون تصدير أي نوع من مصنوعاتكم إذا كانت الهند تريد تصديره إليها. كما أن دكا
لا تطلب منكم من مواد الخام ما تستطيع الهند توفيره لها. إن الهند لم تغتصب منكم
هذا القطر ليبقى لكم سوقًا رائجة بل اغتصبته لجعله سوقًا لها دائمة، وإنها أبرمت
معه الاتفاقية لمدة خمس وعشرين سنة وجعلته من خلالها يتقيد برغباتها. واحسبوا الآن
أن هذه العلاقة التجارية التي تريدون إنشاءها مع دكا كمْ تعود علينا بالنفع؟
وبدونها كمْ نتكبد من الخسارة الاقتصادية؟
ويقال: لا يسرح أسرى الحرب إلا باعترافنا
«ببنغلاديش». ولكننا نحن الذين اقترفنا خطأ جسيمًا إذ ربطنا قضية أسرى الحرب بقضية
بنغلاديش في الأمم المتحدة دون ما مبرر. مع أن قضية أسرى الحرب لم تكن لها أية
علاقة بقضية بنغلاديش ولا يمكن أن تكون. لما استسلم الجيش الباكستاني في 16 ديسمبر
1971م لم يكن حينذاك في الأرض «حكومة بنغلاديش» بموجب العرف الدولي أو وفق القانون
العام. كما لم تكن «قوات الموكتي باهني» آنذاك في عداد «القوات المحاربة لدولة من
الدول» وفق الأعراف الدولية. إذن استسلم الجيش الباكستاني أمام الجيش الهندي وليس
الجنود الباكستانيون إلا أسرى الهند. وبموجب قرارات جنيف لا يجوز للهند أن تفرض
علينا حتى عقد اتفاقية للصلح كشرط لتسريح الأسرى فضلًا عن أن تشترط علينا الاعتراف
ببنغلاديش لأجل تسريحهم.
وأقول: إن حكومة باكستان إذا ظلت تنتكس
للعقبات التي تقيمها الهند دون تسريح الأسرى فإنها لا تسرح الأسرى أبدًا حتى وبعد
اعتراف ببنغلاديش أيضًا، بل تسترسل في فرض الشروط الجديدة إلى أن تجعلنا نسلم
بتحقيق كل ما اتخذت من أجله أسرانا رهائن عندها. وفي هذا الصدد أنا أستغرب بشدة من
موقف عائلات الأسرى اللائي يذهب بهن الظن إلى أننا إذا ما أعلنا عن اعتراف
ببنغلاديش يرجع إليهن إخوتهن وأبناؤهن وأزواجهن أجمعون أكتعون. هل لم يبلغهن ما
صدر في الآونة الأخيرة من بيانات وزراء ما يسمى ببنغلاديش وبيانات مجيب الرحمن
نفسه تؤكد على أن باكستان سواء اعترفت ببنغلاديش أم لا، يحاكم الجنود الباكستانيون
حتمًا. وقد أوردت الصحف بأن مجيب وأعوانه وضعوا قائمة بالجنود الذين سيحاكمون.
وعددهم أربعة آلاف نفر. وهل عرفت إحدى الأخوات فيما إذا كانت هذه القائمة لا تشمل
قريبًا لها.. ومن الأسف الشديد أن الرئيس بوتو كذلك أعلن ولو بالغموض أن رجال
«بنغلاديش» إذا قرروا محاكمة الجنود الباكستانيين فلهم أن يفعلوا ذلك.
أضرار الاعتراف
وخذوا الآن الأضرار التي تعود على باكستان بعد
الاعتراف مقارنة بالفوائد الوهمية التي تذكر في هذا الصدد:
1. لعلنا سنكون أوحد شعب في العالم يعترف بجزء من وطنه
عدوانًا وظلمًا بهذه النذالة.
2. إذا اعترفنا ببنغلاديش أي الجزء المفصول منا قسرًا
كدولة مستقلة فإن هذا الاعتراف سيخالف الواقع. لأنها ليست دولة مستقلة ذات سيادة
مستقلة. ولم تغزُها الهند لجعلها دولة ذات كيان مستقل. بل إن «بنغلاديش» بلد محتل.
ووضعه تحت سيطرة الهند أسوأ من الوضع الذي كان للولايات الهندية أيام الإنكليز تحت
سيطرتهم. صحيح أن «بنغلاديش» تطلق عليها صفة الدولة المستقلة ولكن لتضليل العالم
وذر الرماد في عيونه فقط. مع أنها تبقى خاضعة للهند في كل شأن من شؤونها، وتخدم كل
مصلحة تطلبها الهند. وما دام مجيب الرحمن يتبع أهواء الهند ويسلس لها القياد يبقى
في الحكم. ولكن ما إن اختار طريق التفكير الحر، واتبع السياسة الحرة يصار إلى نفس
المصير الذي صار إليه عبد الله «أسد كشمير» ويحل محله آخرون من طراز «بخشي»
و«صادق» الكشميريين.
3. ويعني اعترافنا ببنغلاديش -وقد عمقت بعض البيانات
الحالية التي أصدرها الرئيس بوتو هذا المعنى بحكم المنطق- أن سكان باكستان الشرقية
كانوا أرادوا هذا الانفصال. ولتحقيقه قاموا بالحرب التحريرية. ولما نهجت الجيوش
الباكستانية لقمع حركة التحرير تدخلت الهند في القضية كمنقذ. وساعدت على إنجاز هذا
التحرير. مع أن هذا الرأي يخالف الواقع أبدًا. ولكننا باعترافنا بهذا الموقف نسود
وجهنا ونبيض وجه الهند «الهند التي أدانتها مائة وأربع دول في الأمم المتحدة إذ
قررتها دولة معتدية».
والحقائق الأصيلة التي يتقادم عليها العهد،
ونعلمها جميعًا ونشاهدها بأم العين هي: أُجريت الانتخابات العامة في 1970م وفق
(الإطار القانوني للعمل) الذي أصدره يحيى خان، ودخل مجيب الرحمن وحزبه: رابطة
عوامي في هذه الانتخابات. ونشر مجيب الرحمن نقاطه الست في طول البلاد وعرضها
كمشروع لتوطيد الحكم الذاتي أكثر ما يمكن. ولم يعرب عن رغبته في الانفصال أمام
الجماهير ولو بالإشارة. والأصوات التي كسبها حزبه كانت تشمل أيضًا الأصوات
الهندوسية (والتي كانت تتراوح بين 20٪ و25٪) ويجوز أن تكون الأصوات الهندوسية قد
أُعطيت بنية الانفصال إلا أن المسلمين لم يصوتوا أبدًا بنية الانفصال بل إنهم
كانوا يرون نقاط مجيب الست ما يزيد باكستان قوة ومنعة. وأن مجيب لم يعلن الاستقلال
حتى بعد نشوب التمرد في مارس 1971م، بل إن البنغاليين الهندوس وعددا من المسلمين
البنغاليين المثقفين (لا كلهم) والإرهابيين الذين تسربوا من الهند.. هؤلاء هم
الذين أطلقوا هذه الحركة «حركة العصيان لأجل التحرير»، وكانت الهند تدعم الحركة
بالأموال والسلاح وحتى بالجنود باللباس المدني. وهكذا فإن هذه الحركة لم تكن في
الواقع إلا عصيانًا استأجرته الهند نفسها ثم حاولت إنجاحه بكل قيمة إذ رأته في
طريق الفشل وذلك بتدخلها المباشر على باكستان الشرقية.
وخلاصة القول: إن هذه الحركة لم تكن حركة
تحرير أقامها سكان باكستان الشرقية ولم يمثل مسلمو باكستان الشرقية الحرية
الفعلية. وبالتالي فإن «بنغلاديش» هذه ليست بنغلاديش حرة للمسلمين البنغاليين
وإنما هي «بنغلاديش» الاحتلال والحكومة بالهند.
4. ونقترف خطأ مزدوجًا بالاعتراف: نبرئ الهند دوليًا
من جريمة عدوانها السافر مع أن الأمم العالمية أدانتها، ونجعل جيوشنا وحكومتنا
الإقليمية التي تولت عن وطنها وأدت الواجبات الإدارية من مارس 1971م إلى ديسمبر
منه.... نجعلهما مجرمي الحرب. وستنال حكومة بنغلاديش المزعومة صفة الحاكمية لجيش
والحكومة الشرقية وإدانتها، بعد اعترافنا بها اعترافًا في مطول وغير صحيح.
5. ومن خلال هذا الاعتراف سنرتكب مع عامة مسلمي
باكستان الشرقية ظلمًا كبيرًا، لأنهم لم يكونوا يريدون أن ينفصلوا عنا عندما نشأت
حركة التمرد. ولا مرتاحين إلى هذا الانفصال الذي فرض عليهم قسرًا. ولم تنضم
الجماهير المسلمة إلى حركة التمرد. لا هذا فحسب، بل ساعد عدد كبير منها الجيش
الباكستاني لقمع التمرد واستتباب الأمن. وتكبدت في ذلك خسائر فادحة في الأنفس
والأموال. ولا تزال حركة المقاومة موجودة في باكستان الشرقية، وقدر ما تزداد آلام
الناس ومصائبهم تشتد هذه الحركة وتتوسع نطاقها، فأن يزج بخمسين ألف شخص في السجون
وأن يعترف معارضو وحدة باكستان أنفسهم بأن الذين يناصرون الوحدة ليس عندهم أصل من
مائة ألف برهان واضح على أن مسلمي باكستان الشرقية بصفة عامة لا يرتضون لـ«بنغلاديش»
التي أسست قسرًا وقوة. فاعترافنا بدولة بنغلاديش غير الشرعية، والحالة هذه، يبث
فيهم التشاؤم، ونكون قد ندفعهم دفعًا إلى عبودية الهند الوثنية.
6. إن أعمال النهب والسلب التي ارتكبتها الجيوش
الهندية بعد دخولها باكستان الشرقية، وما قام به رجال حزب رابطة عوامي ورجال قوات المكومتي
باهني من اغتصاب أموال الناس خاصتهم وعامتهم، وما يسودها من الغلاء الفاحش وانعدام
حالة الأمن بحيث لا للموتى الأكفان فضلا عن أن ينال الأحياء اللباس.. إن هذه
الأوضاع الغريبة جعلت حتى الذين كانوا يؤيدون الانفصال يعترفون بأن باكستان
الشرقية التي وجهت إليها تهمة الاستغلال لم تستغل معشار ما استغله المنقذون
المزعومون في خلال الشهر. وبهذا السبب نفسه أصبح سخط الجماهير في ازدياد وعنف على
الهند وحلفائها من البنغاليين.
ولكننا إذا اعترفنا ببغلاديش سارعت حكومتها
بدون تأخر بمطالبتنا بتسديد المبالغ الطائلة التي تقدر بملايين الروبيات. وستلعب
الهند في وضع هذه المطالبات المالية دورًا خطيرًا، وستحرض بنغلاديش على مطالبة
باكستان بتسديد هذه الأموال والأشياء، ثم تحول هذا الموضوع إلى مطالبة باكستان
بتسديد هذه الأموال بنغلاديش ضد باكستان إذا لم تسدد هذه الأموال ولم تسلمها هذه
الأشياء. وبهذه الأساليب سوف تبذل الجهود بصورة مستمرة وبخطة مدروسة لكي تنصرف
قضية عامة الناس وثورتهم القادمة على حكومة بنغلاديش إلى باكستان الغربية، وتتخبأ تحتها
جميع الشكاوى التي يوجهها الناس إلى حكومة بنغلاديش اليوم.
وإذا استطاع أحد من الناس أن يغلط أحدًا من
الأضرار التي أشرت إليها في هذا المقال والتي تلحق بنا بعد اعترافنا ببغلاديش
فليتفضل. ولكن إذا كانت تلك النتائج أمرًا لا يكابر فيه أحد فعليكم المقارنة بين
فوائد الاعتراف التي يظن عنها كل يوم، وبين الأضرار التي أشرت إليها آنفًا.
·
هل
لاسترداد باكستان الشرقية من سبيل؟
من الواضح الجلي أن باكستان الشرقية لم تنضم
إلى باكستان في أول الأمر نتيجة الغزو العسكري، ولا يمكن استردادها اليوم أيضًا
بهذا الأسلوب، لسببين:
- الأول:
وضعه الجغرافي الذي لا يسمح باستخدام القوة العسكرية من قبل باكستان الغربية
ما دامت الهند تتوسط بين هذين القطرين.
- والثاني:
صلاتنا مع باكستان الشرقية ليست صلات الفاتح مع المفتوح بل صلات أخوية روحية
دينية جعلتهم ينضمون إلينا من طواعية أنفسهم فبإقبال ومحبتهم ينضمون إلينا
الآن عن رغبة ورضاء.
ولذلك أرى من الضروري أن لا نعترف ببنغلاديش
أبدًا ولو اعترفت بها الدنيا كلها (ولسنا ملزمين بالاعتراف بها ولو دخلت في عضوية
الأمم المتحدة). وعوضًا عن ذلك نترك الأمور تجري في مجراها الطبيعي بصبر وأناة.
إن الهندوس شعب ضيق في نفسه ينفر منه لا عامة
الجماهير فحسب بل الغلاة البنغاليون أيضًا رويدًا رويدًا، وسيأتي يوم لا يساير فيه
إلا القليل من البنغاليين من المسلمين الذين يظفر بهم أعداء الإسلام في كل عصر
ومصر، وإن هذه الأوضاع ستثير حركة عارمة لتحرير باكستان الشرقية من مخالب الهند،
نستطيع نحن تغذيتها بأساليب عديدة.
ومن المحتوم أن تلجأ حكومة بنغلاديش لقمع هذه
الحركة إلى العنف والاضطهاد، وحينئذ يجب علينا أن نرفع نكيرًا ضد هذا الظلم على
الصعيد الدولي، ومن الجائز أن تتدخل الهند لإنقاذ حكومتها العميلة تدخلًا مباشرًا.
ونستطيع الآن أن نطلع الدنيا بأن الدولة التي كانت تعتبرها الحكومة الهندية الحرة
نفسها «دولة حرة» بدأت تتدخل في شؤونها الآن. وبهذا الطريق تتولد أوضاع وظروف
تلقائيًا لانخراط إخواننا في باكستان الشرقية في رباط الوحدة معنا في يوم من
الأيام. والأمور بيد الله.
سياسة أبناء الوحدة واسترداد
باكستان الشرقية:
1 - وهي كما يلي:
1. أن تقوم باكستان على الاتحاد (لا الوحدة) حسب
القرار المشهور بقرار لاهور الذي صدر عام 1940م في لاهور. ويكون نظام الحكم فيها
برلمانيًا ويكون البرلمان المنتخب انتخابًا مباشرًا هو السلطة العليا في باكستان.
أ- الحكومة الاتحادية لا تمتلك إلا أمرين:
الدفاع والسياسة الخارجية. أما الشؤون الأخرى فتحول إلى الحكومات الإقليمية.
2. أن تكون في باكستان عملتان: عملة خاصة بباكستان
الشرقية، وعملة خاصة بباكستان الغربية، وبصورة إبقاء العملة موحدة يجب أن تتخذ
إجراءات حاسمة لكي لا تنتقل الأموال من باكستان الشرقية إلى باكستان الغربية.
وتوفر لباكستان الشرقية كميات احتياطية منفصلة، وتوضع لها كذلك سياسة مالية منفصلة.
3. الولايات (أو الأقاليم) التي يتكون منها الاتحاد
تكون حرة في فرض جميع أنواع الضرائب ولا يجوز للحكومة الاتحادية أن تفرض الضرائب
وتعتمد الحكومة الاتحادية في مصارفها على الأقاليم.
4. وكل ولاية (أو إقليم) من ولايات الاتحاد تستقل
بممارسة تجارتها الخارجية، والصلة الخارجية التي تكسبها تجعلها في حوزتها.
والخلاصة أن تكون لها تجارة خارجية منفصلة لا خاضعة للحكومة الاتحادية فيها أبدًا.
5. وأن يكون للأقاليم أو الولايات (ويقصد من ذلك
باكستان الشرقية) الحق في تكوين جيوشها الإقليمية بموجب الدستور لتستخدمها في
الاحتفاظ بحدودها والإبقاء على كيانها الدستوري (كلام غامض جدًا).
2 - وهي كما يلي:
1. يتبنى دستور الدولة نظامًا برلمانيًا اتحاديًا يضمن
سائر الحقوق الأساسية وحرية الصحافة وحرية القضاء.
2. تستأثر حكومة الاتحاد بما يلي من المصالح: الدفاع،
الشؤون الخارجية، النقد، مالية الاتحاد، نظام المواصلات والتجارة بين الجناحين
والأمور الأخرى التي يتفق عليها فيما بعد.
3. يُضمن للأقاليم استقلالها الداخلي، كما أن جميع
الصلاحيات التي لا تندرج في الدستور ترجع إلى الأقاليم.
4. وتكون حكومة باكستان مسؤولة، بموجب الدستور عما
يلي: القضاء على نظام الاقتصاد غير المتساوي بين الجناحين في ظرف عشر سنوات.
والعملة الصعبة التي تكتسبها باكستان الشرقية في هذه المدة تصرف في باكستان
الشرقية بعد حسم النسبة المقررة منها لمصاريف الحكومة المركزية وتتخذ التدابير
الحاسمة لمنع نقل الرأسمال تفاديًا للخسارة أو لسبب آخر.
5. النقد، العملة الصعبة، النظام المصرفي، التجارة بين
الجناحين، المواصلات بين الجناحين والتجارة الخارجية؛ تسير جميع هذه المؤسسات تحت
لجنة يكون أعضاؤها من باكستان الشرقية وباكستان الغربية في عدد متساوٍ. وينتخبهم
أعضاء البرلمان المركزي من الجناحين.
6. محكمة الاستئناف، وظائف الحكومة المركزية، رجال
السلك الدبلوماسي، المؤسسات شبه الرسمية يتم التمثيل فيها من كلا الجناحين على قدم
المساواة. ويوضع نظام يكمل التمثيل المتساوي فيها في مدة عشر سنوات.
7. وتكون الحكومة المركزية مسؤولة عن تحصين الجناحين
دفاعيًا. ويؤلف لهذا الغرض مجمع عسكري يشرف على إنشاء مصانع الأسلحة في الجناحين.
وينقل المقر الرئيسي للبحرية إلى باكستان الشرقية. ولتحقيق هذا الهدف يؤلف مجلس
دفاعي يكون أعضاؤه متساوين من كلا الجناحين.
8. ولفظة الدستور التي استعملت في هذا البيان المراد بها دستور عام 1956م. وينفذ هذا الدستور بدون تأخير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل