العنوان على صهوة الكلمة.. نحن والعمل السياسي
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1986
مشاهدات 67
نشر في العدد 751
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 21-يناير-1986
- في تصوري أن أحد أهم العوامل التي أدت إلى سقوط الأمة الإسلامية في براثن الانحطاط الحضاري والسياسي بعد صدر الإسلام- هو إعراضها وإهمالها، وتجنبها لشؤون الحكم والمجتمع، وتوجهها، بل وغرقها في الشعر، والكلام، والفقه، والفلسفة، وكل الفضائل النظرية، والاهتمامات اللفظية، بتعبير أوضح فإن المسلمين ابتعدوا عن الواقع والعمل على تصحيحه ليهتموا بعالم الأفكار والتصورات، لقد تركوا أمر الحكم -عبر التاريخ- وإدارة المجتمع وصيانة أمنه ومستقبله، تركوا كل ذلك ليقع بأيدي أفراد وفئات أقل ما يقال عنها إنها غير كفؤة، وعديمة التقوى، ومنافقة وذليلة، وهكذا أصبح الحكم وشؤونه والعمل السياسي وقضاياه -وعلى مر القرون من تاريخ الأمة الإسلامية- منافيين للفضيلة والتقوى، ومرتبطين بالقهر والتزوير والنفاق، ولذلك أصبح الناس في عمومهم - وطلبًا للخلاص الروحي- يتجنبون التورط في السياسة والعمل السياسي، وإن من أخطر الانتكاسات في تاريخنا الإسلامي ابتعاد الفضلاء والطيبين والشرفاء عن الشؤون السياسية، وتكالب وتهافت السفهاء والأشرار والخونة عليها.
- وإذا كان هذا الأمر ممكن تبريره في السابق فلم يعد له من مبرر اليوم، ففي سالف الأيام كان الحاكم - ملكًا كان أو أميرًا- يهتم فقط بجمع الضرائب من الرعية، وكانت القبائل والعشائر العربية ترسل له جنودًا لحراسة الثغور وحماية العرش من المتمردين والطامعين، كان ذلك -في السابق- يرضي (الملك الدولة)، فيكف عن التدخل في تفاصيل حياة الناس، عموم الناس.
كان التجار يجلبون البضائع ويبيعونها بأسعار تحددها قواعد العرض والطلب، وكان الآباء يربون أولادهم ويؤدبونهم كما يشاؤون، والقضاة يفصلون بين الناس بوحي من الضمير ورجال الدين يدرسون في الحلقات والمساجد والدور، وكان الناس يعيشون على السليقة والفطرة وطبقًا للتقاليد الدينية والمحلية، ولم يكن هناك من داع للتدخل في السياسة؛ لأنه ليس ثمة سياسة أو عمل سياسي.
- أما اليوم فقد اختلف الأمر، فسواء كانت الدولة شرقية أم غربية، فاشية أم شيوعية أم ديمقراطية سياسية، فإنها جميعها بات يتحكم في كل صغيرة وكبيرة في شؤون البلاد، الدولة المعاصرة باتت تتحكم بشكل مباشر وغير مباشر بحياة ومصير المواطن منذ لحظة الولادة حتى لحظة الوفاة، كل حياة الإنسان، كل مسيرته -من الولادة إلى الموت- تحكمها قوانين الدولة ومؤسسات الدولة أي السياسة، بمعنى آخر باتت حياة الإنسان تابعة للسياسة أي الدولة، حتى الدين فإن الدولة العصرية تريد إخضاعه وتوظيفه وتجييره لصالح السياسات الرسمية، ودعم الخط الرسمي؛ لذا أقول -وفي كل وضوح-: إما أن يتحكم الدين ومقرراته بالسياسة أي الدولة، وإما أن تتحكم السياسة أي الدولة بالدين، إما هذا أو ذاك، ولا أرى -حتى الآن وفي ضوء ما أعلم والله أعلم- طريقًا آخر.
من أجل ذلك يحق لنا أن نتساءل: هل يحق لنا أن نقف من السياسة موقف الحياد أو الاعتزال؟ وهل يجوز لنا شرعًا أن نرى الظلم وترويج الإلحاد والفساد المتستر بالقوانين الرسمية في الدولة العصرية، وتسكت بحجة أن ذلك من السياسة؟ لقد أصبحت مقتنعًا تمامًا بأن أحد أهم أسباب الانتكاس في تاريخنا الإسلامي هو ابتعاد الفضلاء والطيبين والشرفاء عن الشؤون السياسية، وتكالب السفهاء والأشرار والخونة عليها.
فهلا نصحح ما ارتكبناه عبر التاريخ؟