; نحن لا نطالب بتطبيق الشريعة سذاجة..! عن مجلة الدعوة المصرية | مجلة المجتمع

العنوان نحن لا نطالب بتطبيق الشريعة سذاجة..! عن مجلة الدعوة المصرية

تاريخ النشر الثلاثاء 21-فبراير-1978

مشاهدات 136

نشر في العدد 387

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 21-فبراير-1978

ونحن على مشارف قرن جديد هو القرن الرابع عشر للهجرة.. بدأت تتنادي وتلتقى- من أعماق الخلل الحضارى و التردي التاريخي- أصوات هنا وهناك، أضناها المسير المنحرف الممزق منذ عشرات العقود، في التيه الذي فرضه غزو تدرع بكل أساليب القهر الفكرى والهيمنة النفسية والتفوق العلمي..

هذه الأصوات... لم تخرج من الأعماق.. عبثًا، وفي الوقت نفسه لم تخرج وفق تخطيط وتنظيم. فثمة صيحة في أندونيسيا، قد تساوقها صيحة فى مصر، وقد تأتى بعدهما ثالثة في السودان أو باکستان ورابعة في الكويت ..وهلم جرا.

إنها صيحات خرجت.. كما تخرج صرخة المريض.. يطلب الدواء ويصبر على المرض.. ويعلن- بكل ما أوتي من صدق- أن الأدوية التي تعاطاها لم تفده حتى اللحظة، وإنه مازال في حاجة إلى الدواء الصحيح!!

إن عاقلا ما.. لا يطلب من المريض أن تعبيراته عن مرضه برغم صدقها التام -تعبيرات منظمة رتيبة الإيقاع، متناغمة اللحن ولا أن تكون هذه الإيقاعات المعبرة قد سبقا فكر منظم ووعي موضوعي وتخطيط ذكي إنما العقل كل العقل أن يعطى هذا المريض الدواء الصحيح ليبدأ في السير نحو الطريق الصحيح للشفاء.. وبعد ذلك تبدأ المباحثات العاقلة حول المثل (الطرق) لاستئصال المرض والحفاظ الدائم على الصحة.. وما إلى ذلك من قضايا حياتية ومستقبلية.

محاذير.. الطريق !!

وأغلب الذين يدعون لتطبيق الشريعة الإسلامية- على امتداد العالم الإسلامي 

-يعرفون جيدًا- كما يعرف هؤلاء الذين نناقشهم اليوم- كل محاذير الطريق :

•يعرفون أن بعض الحكام قد يستغلون تطبيق الشريعة الإسلامية... للتخلص من بعض خصومهم.. أو للتنفير- بصورة مكرسة، من تطبيق الشريعة، مستقبلًا، أو لا بتذاب الجماهير في مرحلة احتياجهم إليهم ... أو لغير ذلك. 

ويعرفون -تمامًا- أن تطبيق الشريعة.. بدون أرضية عقائدية. بل وبدون مجتمع إسلامي.. قد يكون مغامرة تسىء إلى المستقبل الإسلامي کله.

•ويعرفون أن أغلب الحكام في عالمنا الإسلامي تتعارض مصالحهم مع تطبيق الشريعة، سواء في مجال «تركيبة» أسلوبهم في الحكم، أو  «تركيبة» انتماءاتهم الفكرية، أو «تركيبة» مشكلات بلادهم التي ربطوها بقوى خارجية.. أول شروطها وضغوطها أن تكتسح المفاهيم الإسلامية من الطريق.

•ويعرفون -ايضًا- أن ثمة مذاهب وأفكارًا واتجاهات ومستحدثات وأقليات و أوضاعًا فرضت نفسها..

 -وأصبحت ضغوطًا لابد أن ينظر إليها بعين الاعتبار عند التنادي بتطبيق الشريعة الإسلامية !!

•ويعرفون -تمام المعرفة- أن «الإيمان وحده لا يعصم المجتمع»، وأنه «ليس بالشريعة وحدها يقوم المجتمع الإسلامي»!!!

وعندما كنت أتابع مقالات أخينا وأستاذنا الدكتور محمد فتحي عثمان «ولا أدري لماذا يخفي كلمة دكتور متعمدًا» ومقالات أخينا وصديقنا الأستاذ فهمي هويدي، في مجلة العربي.. أو في المسلم المعاصر- حول "التخوفات" و«المحاذير» التي يجب أن تسبق تطبيق الشريعة.. أو عند التنادي- مجرد التنادي- بتطبيق الشريعة، كنت أعجب لأمر الصديقين الكريمين.. وأقول لنفسي، بعد أن انتهي من قراءة ما يكتبان: إنها كلمات عاقلة تقال في غير موضعها، أو هي- على الأقل- كلمات حكيمة تقال لإنسان يشرف على الفرق!!.. أنها «أغراق مستتر» لذلك المستنجد الذي يصرخ بملء فيه قائلًا:

«أخرجوني إلى الشاطئ أولًا».. ثم قولوا -أيها الحكماء- بعد ذلك ما تشاءون!!

وأعجب أول ما أعجب للدكتور فتحي عثمان- وهو مؤرخ مسلم- كيف خانته حاسته التاريخية؟ وكيف سمح لنفسه أن يتناسى حقيقة بديهية، هي أن الشريعة الإسلامية التي نناقش قضية تطبيقها اليوم قد طبقت لعدة قرون- على الأقل- قبل ذلك، عبر بيئات ومستويات حضارية مختلفة الكم والكيف.. ولم يقف أحد المسئولين الإسلاميين أو المفكرين الملتزمين ليعلن- خلال تلك العصور- أن من الضروري ارجاء تطبيق الشريعة الإسلامية.. حتى نزيل «التخوفات» ونناقش «المحاذير» ثم «نفكر ونناقش» بدون «تبسيط» قضية تطبيق الشريعة الإسلامية.

فهذه الشريعة- كما يعلم الدكتور ومثله الأستاذ هويدي- قد خرجت من قلب الجزيرة بكل خصائصها البدوية.. لتدك بلاد فارس والروم، ولتنفتح عليهما.. ولتقول «للرأي الإسلامي» في كل ما لديهما -وهما يمثلان حضارة العصر- وفقًا لأصول التشريع الإسلامي بترتيبها المعروف «قرآن ثم سنه ثم إجماع ثم قياس» إلخ.

وقد خرج مذهب «مالك» أمام «أهل المدينة» والحديث.. النابع من أعمق أعماق الجزيرة.. خرج فسيطر على الشاطئ الآخر الأوروبي.. حين ساد الأندلس طيلة أيام الوجود الإسلامي بها وحين ساد الجناح المغربي للعالم الإسلامي.. ليبيا وتونس والجزائر ومراكش.. وبقاعًا أخرى في العالم الإسلامي.

ومن قلب الجزيرة العربية أيضًا خرج الإمام الشافعي.. فلما رحل إلى مصر استحدث آراء جديدة ما زالت كتب الفقه ترددها، فاصلة بين هاتين المرحلتين في عملية المواجهة الحضارية التي تعرض لها الشافعي.. فهي حريصة على أن تقول: «قال الشافعي في القديم» وأن تقول: «وقال الشافعي في الجديد»!

ومئات من الشواهد تدل على أن ... الشريعة قادرة على مواجهة عصرنا. بكل مستحدثاته..

المترددون.. في تطبيق الشريعة!!

ونتناول الآن ما ساقه «المترددون في تطبيق الشريعة.. نقطة نقطة بشيء من الإيجاز الذي يسمح به مقال صحافي».

ونبدأ بالنقطة الأولى التي يثيرونها وهي في رأينا كلمة حق يراد بها باطل، أو على الأقل تستغل استغلالًا بالإسلام «ونحن نرجح أن الأستاذين فتحي عثمان وفهمي هويدي لا يقصد استغلالها هذا الاستغلال وإنما «يستغل الخصوم» أقول إن النقطة الأولى... تثار دائمًا في وجه كل المطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية هي أن «العقيدة لا بد أن تسبق الشريعة»

وفي هذا المعنى يقول الأستاذ فهمي هويدي في «العربي عدد 227»

«وهذا هو المنهج الذي اتبعه الرسول عليه الصلاة والسلام عندما أراد أن يبني المجتمع الإسلامي الأول.. بالعقيدة بدأ وكان هذا منهجًا طبيعيًا وضروريًا، فما لم يكن الأساس متينًا فكل.... فوقه معرض للسقوط في أية لحظة.

لقد قضى النبي 13 عامًا في مكة ينثر بذور الإيمان في قلوب المسلمين والعقيدة هي الأصل والأساس والشريعة هي الفرع، لماذا نوجه كل همنا إلى الفرع، بل إلى جزيئة محدودة من هذا الفرع ولا نعطي الأصل حقه ووزنه؟ وما قاله الأستاذ هويدي فيه كبير.

فالأستاذ هويدي- بهذا القول- يؤيد تلك الآراء الحادة- التي شجبها هو كثيرًا في كتاباته، وهي تلك التي تذهب إلى أن المجتمعات الإسلامية مجتمعات لا عقيدة، مستواها في تلك العقيدة هو نفسه مستوى أهل مكة قبل أن يدخل الإسلام قلوبهم.

وبصرف النظر عن هذه اللفتة التي يمكن أن ينشب حولها خلاف، فالخطأ الأخر الذي لا يحمل خلافًا هو أن الأستاذ فهمي ينسى أنه خلال هذه الفترة المكية لم تكن «الشريعة» قد نزلت أصلًا..

كان الأمر الذي تنزل من السماء هو العقيدة فقط، ولو كانت ثمة أمور شرعية قد نزلت، لما جاز للمسلمين أن يجتهدوا في أرجاء تنفيذها.. حتى بت عقيدة بعضهم، ولقد كان بينهم متذبذبون دائمًا وتطبق عليهم الشريعة أيضًا، فما ينزل من السماء واضحًا لا يجوز أن يكون تطبيقه محل أخذ ورد، ولو كان أمره يحتاج التدرج لفعلة الشارع الحكيم من نفسه.. وذلك كلما حدث في أمر الخمر- مثلًا!!

وثمة أمر ثالث خطير لم يدركه الأستاذ فهمي، ولم يحلله هؤلاء المؤرخون الذين يستلهمون من «الفترة المكية» جواز أرجاء تطبيق الشريعة.. بحجة بناء العقيدة.

فلو كان أمر الشريعة جائز الأرجاء لكان طبقه النبي صلى عليه الصلاة والسلام فور تحوله إلى المدينة.. وإذا كان أهل مكة أخذوا حقهم- كما يزعم هؤلاء- في تمهيد لتطبيق الشريعة.. فهل يا ترى أخذ أهل المدينة هذا الحق.. وذلك أنهم أول من طبقت عليهم الشريعة. هل كان بناء «عقيدة» أهل المدينة أستمر ثلاثة عشر عامًا حتى فرضت طبقت أوامر الشريعة فور الدخول؟

أليس هذا وهمًا تاريخيًا كبيرًا يسلكه كثير من المؤرخين دون وعي؟ وحتى هذه الحالة- هل نحتاج في بناء العقيدة لثلاثة عشر عامًا توازي «الفترة المكية» أم سنستمر قرونًا نبني العقيدة.. متذرعين بذلك لعدم تطبيق الشريعة؟ ومن متى تبدأ فترة العقيدة يا ترى؟ هل ستبدأ مع بداية كل «فترة حكم» كل حاكم في العالم الإسلامي؟

أم ستبدأ من القرن الرابع عشر للهجرة؟ أم بعد خروج إسرائيل وزوال الأحكام العرفية وإبادة جرائيم الغزو الفكري؟

وأخيرًا- في هذه النقطة- هل ترك الرسول عليه السلام والمسلمون تطبيق العقيدة.. لأن مجتمعاتهم- دائمًا- كان بها منافقون بلا عقيدة؟

والخطأ الثاني الذي نفترق عنده تمام الافتراق هو ما قاله الأستاذ فهمي هويدي متسائلًا: «لماذا ينصرف جهد الداعين لتطبيق الشريعة إلى تنفيذ حد السرقة، ولا يبذلون جهدًا يذكر من أجل خوض معركة توفير الحياة الكريمة للإنسان في المجتمع الإسلامي وهي في النهاية معركة التنمية وتحقيق العدل الاجتماعي؟».

وهي معادلة تشبه معادلة البيضة والدجاجة.. من أين نبدأ؟

لكني سأختصر الأمر على الأستاذ هويدي وأسأله عدة أسئلة؟

- هل ترى أن المسلمين الواعين بالإسلام يؤيدون الفقر والتخلف؟

- ألم تقل أنت شخصيًا أن عمر لم يطبق حد السرقة في عام المجاعة وذلك عندما لم تتوافر شروط التطبيق.. فما المشكلة إذن؟

- وإذا كنت قد استشهدت بسلوك النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وهو استشهاد مردود- فلماذا لم تتساءل معنا: لماذا طبقت الشريعة حين نزولها، ولم ينظر في تطبيقها إلى مستوى الحياة الكريمة؟ وما الحياة الكريمة يا ترى؟ هل هي حياة رؤساء مجالس الإدارات والحكام والوزراء أصحاب الأرقام السرية الذين يسرقون أقوات الشعب بالملايين.. أم هي حياة ذوي الدخل المحدود أو الطبقة الوسطى؟ أليس من الأولى تطبيق القاعدة الشرعية.. ثم إذا كانت هناك حالة تستدعي النظر.. نظر إليها بعين الاعتبار في حد ذاتها، كما نظر عمر في حالة الغلمان الذين اضطروا للسرقة ليطعموا؟ أم أننا نلغي القاعدة من أجل الحالات الفردية التي لها ملابساتها  والموجودة في كل الأرض وتتعرض لها كل جزئية من جزئيات القانون؟

تضامن المجتمع المسلم ضرورة!!

وما يقوله الإمام أبو محمد بن حزم من ضرورة تضامن المجتمع المسلم على توفير الحاجات الأساسية للإنسان- أمر متفق عليه، ولا علاقة له بقضية تطبيق الحدود إلا من الجانب الذي ذكرناه.

وأيضًا.. فهل غاياتنا العليا نحن المسلمين هي تحقيق مجتمع «الرفاهية» أولًا، أم جعل كلمة الله «عقيدة وشريعة» هي العليا أولًا.. ثم تأتي الرفاهية أو «مجتمع الحياة الكريمة» في الدرجة الثانية؟

وهل كان المسلمون في المدينة.. وهم الذين تعرضوا للفاقة والحروب المتواصلة والمضايقات الاقتصادية من قريش وأهل الجزيرة جميعًا.. هل كانوا يعيشون حياة كريمة.. ويناضلون.. كما يطالب الأستاذ هويدي- في معركة التنمية وتحقيق العدل الاجتماعي؟ أم كانوا يؤثرون على ذلك كله، ويضحون بذلك كله، في سبيل أن تكون كلمة الله «عقيدة وشريعة» هي العليا؟

ولماذا حارب أبو بكر المرتدين؟ لقد حاربهم من أجل العقيدة.. نعم.. لكنه أيضًا حاربهم من أجل الشريعة، ورفض أن يمنعوه عقال بعير كانوا يعطونها لرسول الله.. لماذا.. لأن الأمر أمر شريعة.. أمر دين متكامل لا تنفصل فيه عقيدة عن شريعة. وبالتالي.. أفلا يرى الأستاذ هويدي أن أهدافنا نحن المسلمين مختلفة عن النظرات المادية التي تهدف إلى «التنمية» أولًا.. وربما ثانيًا وثالثًا.. أما نحن فعندنا «الإسلام أولًا»!! ..وهنا- يا صاحبي- مفترق الطريق!!

الصعوبة الكبرى

أما الشبهة الثالثة، فتضم مجموعة من الاعتراضات أو حسب تعبير الدكتور فتحي عثمان «الصعوبة الكبرى».. هذه الصعوبة الكبرى التي يسوقها الكاتب المذكور ليست إلا عملية الاختلاف في بعض الآراء السياسية أو الاقتصادية في الفكر الإسلامي.. هذا الاختلاف، سواء في «باب الحريات العامة وكيف ممارستها والحدود القانونية لهذه الممارسة» أو في «تأميم وسائل الإنتاج وفي تحديد الملكية الفردية» موجود وقديم.. والدولة الإسلامية- وهي العين الرقيبة على مدى علاقة الفرد بالمجتمع ومدى حدود صلة الفرد بالدولة- هي التي تحدد مدى الحال السياسي أو الاقتصادي في توازن هذه العلاقة، وهي في نفس الوقت- بإحساسها السياسي وبنبضها الذي يقيس  آلام الجماهير- المخولة بأن ترجح التضييق هنا.. أو الانفراج هناك.. على أنها في كل ذلك ليست مطلقة اليد، وإنما هي محكومة «بالشريعة نفسها».. أي بالنصوص الأساسية في النظام السياسي الإسلامي وفي النظام الاقتصادي الإسلامي، وهي تلك النصوص التي لا يجوز الاجتهاد في مجالها، لثبوتها قطعًا وتواترًا.

ويشوق الدكتور فتحي عثمان قضايا أخرى أقل فرعية، يزاها جديرة بالبحث قبل تطبيق الشريعة.. وأنا لا أدري كيف لم يعتصم الدكتور فتحي بكتاباته نفسها في «آراء من تراث الفكر الإسلامي» - وهو أحد كتبه التي تحدث فيها عن قضايا الموسيقى والحب والمرأة مستلهمًا أقطاب الفكر الإسلامي كابن تيمية وابن قيم الجوزية والإمام ابن حزم- ولم يقل أحد أن فتحي عثمان قد مرق أو أرتد.. بل طبع الكتاب غير مرة، وطبعته دور نشر إسلامية، وقرأه الإسلاميون بإعجاب، حتى وأن اختلفوا حول بعض قضاياه.

فهل يجوز في ظل هذا أن يطالبنا فتحي عثمان بإرجاء تطبيق الشريعة حتى ننتهي من بحث «مسائل الفن التشكيلي والتعبيري».. والنحت والتصوير والموسيقي.. وهل يجوز إشراك المرأة مع الرجل في المسرح والسينما؟ وهل يجوز تناول «الحب» فنيًا.. أم لا؟ وهل نشاط المرأة وعملها مشروع في المجتمع الإسلامي؟ وهل يجوز اختلاطها بالرجال أم لا؟ وحقوق الأقليات في المساواة التامة؟ وإنشاء المعابد الجديدة.. وهلم جرًا من التساؤلات التي تتسم بالجزئية الشديدة والتي تتجاهل أن الإسلام ليس تجربة جديدة تطبق لأول مرة في التاريخ وإنما هو نظام قد طبق فعلًا في مراحل كثيرة ومتعددة من التاريخ، وأنه- أي الإسلام- قد واجه مثل هذه المشكلات وأكثر منها عبر مسيرته.. وأنه- على يد المفكرين الإسلاميين وأكثرهم سلفيون نصوصيون- لم يعجزوا يومًا عن إيجاد الحل بل لم يعجزوا عن الوصول إلى «ترف فكري» يفترضون فيه مشكلات خيالية، ويعقدون لها الأحكام، كما تحتشد كتب الفقه التقليدية.

 

ملاحظات أخيرة..

للمترددين!!

وثمة ملاحظات أخيرة نقولها لهؤلاء المترددين في تطبيق الشريعة.. وليس الأستاذان فتحي عثمان وفهمي هويدي إلا النموذج الذي أخترناه، وإلا فالمترددون الآن قد بدأوا يظهرون بوضوح كاتجاه فكري يشق طريقه على غير أرضه، ويفتقد الوعي التاريخي بأهمية الحركة، ويستغله الأعداء استغلالًا بعيد المدى، كما استغلوا نماذج أخرى من قبل. وملاحظاتنا- بإيجاز- هي:

1- أننا نؤمن بالحوار.. لكن الحوار الذي نقصده حوار مسئول يعمل «بوعي تاريخي» ويدرس «مسئولية الكلمة» في «اللحظة» وحجمها في الحركة، و«أبعادها» سلبًا وإيجابًا.. ولا يترك لنفسه عنان الفكر المجرد بحيث تصبح كلماته- على أحسن الفروض كلمات حق تستغلها الأعداء للباطل.

2- والحوار الذي نقصده حوار في الإجراءات.. والفهم.. والتطبيق.. أي أنه «حوار داخلي» لا خارجي، يتعاون، بل وينطلق من أرضية فكرية.

3- وفي الحوار.. لا نؤمن «بالضغوط الواقعية» وإلا فهو حوار انهزامي لا ينطلق من قواعد الإسلام وأصول التصور الإسلامي.. فلسنا ملزمين بقبول «فن النحت»، ولا بقبول «الفنون التشكيلية» بمعطياتها الموغلة في «اللا عقلية» أحيانًا.. أو بتعبيرها عن نزعات لا تتفق مع تصورنا للكون أن نرفض «أسلوبًا» فنيًا.. أو «اجتماعيًا» لأنه لا يدخل في صياغتنا الإسلامية الكاملة للحياة.

إننا أصحاب حضارة متكاملة.. لها وسائلها.. ولها تركيبتها.. ولها أهدافها في الحياة.. ومن الحياة.

وأخيرًا.. أراني قد أطلت.. فلنؤجل بقية الحوار.

 

الرابط المختصر :