; من«هندسة» محركات الديزل.. إلى «هندسة» الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا.. نجم الدين أربكان.. وعلمانية أتاتورك.. وجهًا لوجه (1 من4) | مجلة المجتمع

العنوان من«هندسة» محركات الديزل.. إلى «هندسة» الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا.. نجم الدين أربكان.. وعلمانية أتاتورك.. وجهًا لوجه (1 من4)

الكاتب زياد أبو غنيمة

تاريخ النشر السبت 22-يناير-2005

مشاهدات 54

نشر في العدد 1636

نشر في الصفحة 38

السبت 22-يناير-2005


صاحب التجربة القياسية في تشكيل الأحزاب السياسية الإسلامية.. لم يكد يشكل حزبًا حتى يغلقوه فيعيد الكرة.. وهكذا من عام إلى عام
حزب «النظام الوطني» أول تجربة حزبية لأربكان
بداية التحول في حياته إلى السياسة انطلقت من مدينة «قونية» التي كانت على امتداد تاريخ تركيا معقلًا إسلاميًا شامخًا
لم يعد أمامنا خيار إلا ولوج باب الله بعدما فشلت كل تجارب الهرولة نحو عدونا.. فهلموا قومنا وانتفضوا لله في أيامه المباركات

نجم الدين أربكان، اسم أصبح جزءًا من تاريخ الحياة السياسية والحزبية في تركيا لا يمكن تجاهله رغم كل محاولات الإقصاء، والتهميش، والمحاصرة..فرض ومازال يفرض بصماته المضيئة على مسار الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا..
لماذا حاولت قوى كثيرة داخل تركيا وخارجها، وما زالت تحاول إبعاده عن الساحة السياسية التركية..؟ ومن المستفيد من إقصائه عن الساحة السياسية التركية..؟ في هذه الدراسة التي تنشر علي حلقات في م نسلط الأضواء مدعومة بالوقائع والحقائق على شخصية الأستاذ الدكتور المهندس نجم الدين أربكان أحد أبرز رجالات الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا.
في وسائل الإعلام التركية، وفي الأوساط والمحافل السياسية التركية، وعلى امتداد الشارع التركي المسيس يطلقون على الزعيم الإسلامي التركي نجم الدين أربكان لقب«أبو السبعة أرواح»، وهو لقب يبدو أن أربكان يستحقه بجدارة من كثرة ما دخل وخرج من محاكم ومن سجون، ومن كثرة ما أسس أحزابًا بلغ عددها في فترة زمنية قصيرة قياسًا بعمر الدول خمسة أحزاب، فلا يكاد يؤسس حزبًا حتى يحاصره حماة العلمانية في تركيا وخاصة جنرالات المؤسسة العسكرية، فيحظروه ويختموا أبوابه بالشمع الأحمر، ليعود أربكان ليؤسس حزبًا جديدًا فيغلقه العلمانيون ويختمون أبوابه بالشمع الأحمر، ليعود أربكان ليؤسس حزبًا جديدًا باسم جديد بنفس نكهة الحزب المحظور الوطنية الإسلامية.. وهكذا حزبًا بعد حزب و محاكمة بعد محاكمة، وسجنًا بعد سجن..!
فمن هو نجم الدين أربكان الذي أشغل وسائل الإعلام العالمية، ومن قبلها أشغل دولًا وأنظمة وأجهزة مخابرات ومنظمات ترصد ما يجري في تركيا تحت مجاهر رقابتها على مدار الثانية والدقيقة...؟
ورث الزعامة كابرًا عن كابر: ينحدر البروفيسور نجم الدين أربكان من نسل الأمراء السلاجقة الذين عرفوا في تاريخ تركيا باسم «بني أغوللري» وكان جده آخر وزراء ماليتهم، وكانت أسرة أربكان تلقب بناظر زاده أي ابن الوزير.
- ولد عام ١٩٢٦م، في مدينة سينوب بأقصى الشمال على ساحل البحر الأسود، وأنهى دراسته الثانوية في عام ١٩٤٣ م، حيث التحق بجامعة الهندسة في إسطنبول و تخرج من كلية الهندسة الميكانيكية في عام ١٩٤٨ م، وكان الأول على دفعته فتم تعيينه معيدًا في نفس الكلية.
- أوفد في بعثة إلى ألمانيا في عام ١٩٥١م، حيث نال في عام ١٩٥٣م من جامعة آخن شهادة الدكتوراة في هندسة المحركات.
- وفي عام ١٩٥٣م عاد إلى جامعة إسطنبول وحصل على درجة مساعد بروفيسور«دوشنت».
- وأثناء وجوده في ألمانيا عمل إلى جانب دراسته، رئيسًا لمهندسي الأبحاث في مصانع محركات« كلوفز-هومبولدت-دويتز» بمدينة كولن.
- في عام ١٩٥٦م عمل ثانية في مصانع محركات دويتز، وتوصل إلى عدة اكتشافات لتطوير صناعة محركات للدبابات تعمل بكل أنواع الوقود.
- في نهاية عام ١٩٦٥م عاد إلى جامعة الهندسة في إسطنبول ليعمل أستاذًا مساعدًا، وفي نفس العام حصل على درجة الأستاذية فأصبح بروفيسورًا في اختصاص المحركات.
- وأثناء تدريسه في جامعة الهندسة في إسطنبول، وعلى ضوء الخبرة التي حصل عليها أثناء عمله في مصانع المحركات الألمانية، قام البروفيسور نجم الدين أربكان في عام ١٩٥٦ م بتأسيس شركة مصانع «المحرك الفضي» وساهم معه في الشركة ۲۰۰ من زملائه، وتخصصت الشركة في تصنيع محركات الديزل وبدأت إنتاجها في عام ١٩٦٠، ولا تزال الشركة الرائدة في هذه الصناعة في تركيا وتنتج سنويًا حوالي ٣٠ ألف محرك ديزل.

رئيسًا لاتحاد الغرف الصناعية
تولى البروفيسور أربكان رئاسة مجلس إدارة شركة مصانع المحرك الفضي (١٩٥٦- ١٩٦٣م)، إلى جانب منصب مديرها العام ثم تولى منصب الأمين العام لاتحاد غرف التجارة والصناعة والبورصة التركية في عام ١٩٦٧م، وفي عام ١٩٦٨م أصبح رئيسًا للاتحاد، وعندما تولى أربكان هذا المنصب ثارت ثائرة الدوائر العلمانية والماسونية، وشنَّت الصحافة العلمانية والمتصهينة حملة شعواء ضده، وكمثال على ما زخرت به تلك الصحف من هجوم على أربكان أنقل ما نشرته مجلة «آنت» العلمانية في عددها رقم ۱۲۷ الصادر في ٣/٦/١٩٦٩م حيث قالت بالحرف الواحد: «هناك صراع واضح في هذه الأيام في عالم التجارة والصناعة بين فئتين: فئة الرفاق الماسونيين الذين يعملون بحماية رئيس الوزراء سليمان ديميريل، وفئة الإخوان المسلمين الذين يعملون برئاسة نجم الدين أربكان».
لكأن نجم الدين أربكان كان على موعد مع قدره الذي أراده الله له، فينتقل من حلبة الصناعة إلى حلبة السياسة ليؤسس، ويقود، ويهندس حركة انبعاث من الصحوة الإسلامية الحديثة في تركيا.
وكانت بداية التحول في حياة أربكان من هندسة الصناعة إلى هندسة السياسة من مدينة قونيه التي كانت على امتداد تاريخ تركيا الإسلامي، وما تزال معقلًا إسلاميًا شامخًا، وهي قونية موطن العالم الرباني جلال الدين الرومي، فمن مدينة قونية خاض نجم الدين أربكان أول تجربة سياسية في حياته حين خاض الانتخابات النيابية التي جرت في عام ١٩٦٩ م كمرشح مستقل، فأكرمته المدينة المتدينة إذ حملته أصوات ناخبيها وناخباتها بما يشبه الإجماع و الاكتساح إلى مجلس النواب التركي ممثلًا للمدينة الوفية لإسلامها.

تجربته الحزبية الأولى
في عام ۱۹۷۰ م أسس البروفيسور أربكان مع عدد من المفكرين و الناشطين الإسلاميين حزب النظام الوطني، وتسميه بعض المراجع بحزب الخلاص الوطني، وفي المؤتمر الأول للحزب بمناسبة مرور عام على تأسيسه « كانون ثاني ۱۹۷۱م»، ألقى البروفيسور أربكان كلمة في المؤتمر أكد فيها البعد الإسلامي للحزب قائلًا: «إن أمتنا هي أمة الإيمان والإسلام، ولقد حاول الماسونيون والشيوعيون بأعمالهم المتواصلة أن يخربوا هذه الأمة ويفسدوها، ولقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فالتوجيه والإعلام بأيديهم، والتجارة بأيديهم و الاقتصاد تحت سيطرتهم، وأمام هذا الطوفان، فليس أمامنا إلا العمل معًا يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا، حتى نستطيع أن نعيد تركيا إلى سيرتها الأولى، وتصل تاريخنا المجيد بحاضرنا الذي نريده مشرقًا..».

عزل سياسي
وفي شهر نيسان من عام ١٩٧١ م أقامت الحكومة دعوى ضد الحزب فأصدرت محكمة أمن الدولة العليا قرارًا بحل حزب النظام الوطني، ومصادرة أمواله وممتلكاته بعد أن جرمته بتهمة انتهاك الدستور العلماني، والعمل على إلغاء العلمانية، وإقامة حكومة إسلامية في تركيا، والعمل ضد مبادئ أتاتورك، وحكمت المحكمة بمنع أي عضو في الحزب من العمل في حزب آخر أو تأسيس حزب آخر، أو ترشيح نفسه للانتخابات ولو بشكل مستقل؛ وذلك طيلة خمس سنوات.
وبعد صدور حكم محكمة أمن الدولة العليا بحل حزب النظام الوطني و حرمان مؤسسه وأعضائه من العمل السياسي لمدة خمس سنوات، غادر البروفيسور أربكان تركيا.
في عام ۱۹۷۲م عاد البروفيسور أربكان إلى تركيا ليدفع ببعض الإسلاميين ممن لا ينطبق عليهم حكم محكمة أمن الدولة العليا لتشكيل حزب جديد أطلق عليه اسم حزب السلامة الوطني، وتأسس الحزب في11/10/1972 ، وأصدر في ۱۲/۱/۱۹۷۳م صحيفته الرسمية«مللي غزته».
في ١٤/١٠/١٩٧٣م صدر عفو عام عن الجرائم السياسية، فخاض حزب السلامة الوطني بعد أن عاد أربكان إلى رئاسته الانتخابات وفاز بـ ٤٨ مقعدًا، وعندما احتدم الخلاف بين الحزبين الرئيسين حزب العدالة «١٤٩نائبًا» بزعامة سليمان ديميريل وحزب الشعب الجمهوري «١٨٦ نائبًا» بزعامة بولنت أجاويد، اضطر أجاويد زعيم حزب الشعب الجمهوري للائتلاف مع حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان، وحصل حزب السلامة على سبع وزارات هامة منها الداخلية والعدل والتجارة والجمارك والزراعة والصناعة والتموين ووزارة دولة، وكان البروفيسور أربكان نائبًا لرئيس الوزراء.
ومثلت مشاركة حزب السلامة الوطنية في حكومة ائتلافية أول اختراق إسلامي للسلطة التنفيذية في الجمهورية العلمانية منذ تأسيسها على يد أتاتورك، وشكلت هذه المشاركة لطمة موجعة للعلمانيين وحلفائهم الماسونيين، فطفقوا يخططون للانتقام وتوجيه لطمة مضادة للإسلاميين، واستطاعت مكائد العلمانيين والماسونيين أن تفشل الحكومة الائتلافية وتضطرها إلى الاستقالة بعد تسعة أشهر ونصف من تشكيلها.
ولكن قدر الله كان بالمرصاد للعلمانيين و الماسونيين، إذ لم يلبث حزب السلامة الوطني بزعامة أربكان أن عاد إلى الحكومة عندما وجد حزب العدالة نفسه مضطرًا للائتلاف مع حزب السلامة الوطني لتشكيل الحكومة.
بيد أن عودة حزب السلامة الوطني للمشاركة في الحكومة الجديدة، وبنفس عدد وزرائه ومقاعدهم في الحكومة السابقة، لم تثن العلمانيين والماسونيين عن الكيد للحزب ولزعيمه، وانتهز هؤلاء الانتخابات النيابية التي كان مقررًا أن تجري في عام في عام ۱۹۷۷ م فحشدوا كل إمكاناتهم، واستنفروا كل طاقاتهم العلنية والسرية من محافل ماسونية وصحافة متصهينة وعلمانية لشن حملة تشويه وافتراءات ضد مرشحي حزب السلامة العامة في تلك الانتخابات، ويبدو أن الحملة آتت أكلها فجاءت نتائج حزب السلامة الوطني في الانتخابات مخيبة لطموحات الإسلاميين، ومفرحة للعلمانيين والماسونيين حيث انحسر عدد أعضاء الحزب في مجلس النواب التركي إلى «٢٤ نائبًا» فقط، ولكن ورغم هذه الانتكاسة التي أصابت حزب السلامة الوطني فقد فرضته المعادلة السياسية آنذاك شريكًا في الائتلاف الحكومي الذي جمع حزب العدالة وحزب السلامة الوطني وحزب الحركة القومية «طوراني» في الحكومة التي تشكلت في 1/8/1977م.

الرابط المختصر :