; نتائج زيارة عرفات المفاجئة لأنقرة قبل توجهه إلى القاهرة | مجلة المجتمع

العنوان نتائج زيارة عرفات المفاجئة لأنقرة قبل توجهه إلى القاهرة

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

مشاهدات 69

نشر في العدد 1118

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 27-سبتمبر-1994

اشتراك جنود أتراك في قوة السلام، وإعطاء الشركات التركية الأفضلية لتعمير غزة وأريحا.

إعطاء تركيا دور القيادة لمنظمة الأمن والتعاون الشرق أوسطي، وتحجيم الدور المصري.

تحديد موعد لقاء تشيللر - عرفات في نوفمبر المقبل عند زيارتها لـ"إسرائيل".

ضم العراق إلى البنية الإقليمية والعملية السلمية هدف لكل من بغداد وأنقرة وعرفات.

وفد لرجال الأعمال الأتراك يزور غزة وأريحا في أكتوبر المقبل.

الاتفاق على ضرورة تحجيم المد الإسلامي، وحث الدول الخليجية على الانخراط في البنية الإقليمية الجديدة.

قام ياسر عرفات - رئيس الإدارة الذاتية في كل من غزة وأريحا - بزيارة مفاجئة لأنقرة في منتصف الشهر الجاري "سبتمبر"، التقى خلالها بالرئيس التركي سليمان ديميريل، والسيدة تانسو تشيللر رئيسة الوزراء، وممتاز سويسال وزير الخارجية التركي المؤيد للحقوق الفلسطينية، وذلك لمناقشة تفاصيل الدور التركي في العملية السلمية، والذي تم الاتفاق عليه بين الجانبين في لقاءات سابقة، حيث أكد عرفات لمحادثيه الأتراك ضرورة البدء الفعلي لتنفيذ الاتفاق، والذي اعتبره الأتراك انتصارًا سياسيًا لهم على المستوى الإقليمي، حيث ضمن عرفات لهم بذلك دورًا قياديًا في الإطار الإقليمي يمكن أن تستفيد منه أنقرة دوليًا، ويؤكد أهميتها المستمرة للسياسة الغربية في المنطقة في ظل النظام العالمي الجديد ذو القطب الواحد، بعد انهيار النظام الشيوعي، وتفتت الاتحاد السوفيتي السابق، والذي كانت تستمد أنقرة أهميتها من وجوده.

وكانت السيدة تشيللر قد صرحت عقب مباحثاتها مع عرفات بأن نتائج اللقاء كانت جيدة ومثمرة، وأنه تم الاتفاق على كافة النقاط المطروحة للبحث، وقالت: إنها ستلتقي ثانية مع عرفات في أريحا في نوفمبر المقبل، وذلك أثناء زيارتها لـ"إسرائيل"، حيث من المقرر أن تزور كلًا من مصر و"إسرائيل"، وغزة وأريحا في نوفمبر المقبل، وسوف يسبق الزيارة قيام وفد من رجال الأعمال الأتراك بزيارة غزة وأريحا لبحث إمكانية الاستثمار والتعاون المشترك، والذي أصر عرفات بأن تتولى الشركات التركية دورًا قياديًا في هذا الإطار، خاصة وأن هناك مشروعات تقدر بعشرة مليارات دولار على الأقل في المنطقة.

ووافق الأتراك على إشراك جنودهم - بناءً على طلب عرفات - في قوة السلام الدولية التي سترابط في مناطق الحكم الذاتي، وستتقدم الحكومة بطلب لمجلس الشعب التركي حول ذلك خلال الأيام المقبلة؛ حيث ترى أنقرة في ذلك أهمية قصوى لتأكيد دورها الإقليمي، وهو ما أشار إليه عرفات بقوله في المباحثات: "إن دور تركيا المؤثر، والذي يعتبر عنصر التوازن الرئيسي في المنطقة، يجعل الفلسطينيين يعولون كثيرًا على أنقرة لدفع عملية السلام، وإقناع الإسرائيليين بإزالة كافة العقبات، ولذلك فإن كل تقارب تركي - إسرائيلي تتبعه مكاسب مضمونة لصالح الفلسطينيين الذين يرتبطون مع تركيا بأفضل العلاقات، والتي تجعلنا نطلب منهم وقوفهم بجانبنا سواء من خلال قوة السلام أو شركات الاستثمار، كما لا يقتصر الدور التركي - من وجهة نظرنا - على التأثير على تل أبيب فقط، بل يمتد ذلك إلى واشنطن التي لها علاقات مهمة مع أنقرة، نريد استثمارها لصالح العملية السلمية، ولتأكيد الدور التركي في المنطقة، والذي نعتبره رمانة الميزان" على حد قول عرفات...

وحث عرفات أنقرة على سرعة تحقيق اقتراحها الخاص بإقامة منظمة الأمن والتعاون الشرق أوسطي، والذي ستضم "إسرائيل" ومصر وتركيا والأردن وفلسطين وبعض الدول العربية الأخرى لضمان الاستقرار والأمن في المنطقة، ومواجهة تنامي الحركة الإسلامية، والتي تهدد العملية السلمية بالخطر، والأنظمة الحاكمة بمنهج غير إسلامي بالسقوط، حيث إن سرعة الانتهاء من تحقيق ذلك سيكون العاصم الرئيسي للعملية السلمية، بل وسيدفع بعض الدول المتشددة إلى الرضوخ لها، أو الانسحاب من المواجهة على أقل تقدير.

عقبات أمام الدور التركي

وأكد الأتراك لعرفات أنهم معه في تقييمه السياسي والاستراتيجي السابق، إلا أن تمويل إقامة المنظمة، وتقسيم الأدوار داخلها، وتردد بعض الدول الخليجية من الانخراط فيها خشية الغضب الإيراني، والتنافس التقليدي بين أنقرة والقاهرة لقيادة المنطقة، يجعل الخطوات التركية بطيئة بعض الشيء، إلا أنه وبدعم عرفات والأردن لتركيا وتجاوب "إسرائيل"، فإن الخطوات ستكون أسرع؛ حيث إنه من المخطط أن يتم الإعلان عن موعد لاجتماع قمة بين دول المنطقة لدراسة تفاصيل الخطة التركية أثناء زيارة تشيللر للمنطقة في نوفمبر المقبل؛ حيث ستحث الرئيس المصري حسني مبارك - أثناء زيارتها للقاهرة، والتي ستبدأ بها جولتها الشرق أوسطية - على الضغط على الدول العربية الأخرى المقربة من مصر لإعلان تأييدها ودعمها للخطة التركية، وتقديم التمويل اللازم.

وعلمت مصادر "المجتمع" أن عرفات وعد تشيللر بدعم خطواتها الهادفة إلى إدخال العراق البنية الإقليمية الجديدة، وأشار إلى أن الاتصالات السرية بين بغداد وتل أبيب - والتي تستهدف ضم العراق إلى العملية السلمية مقابل إعادتها إلى المجتمع الدولي ورفع الحظر عنها - ستسهم بدون شك في دعم الجهود التركية، كما أنه سيحث بغداد من خلال قنوات الاتصال السرية بين الجانبين على المضي قدمًا في هذا الإطار، حيث لا يمكنه العمل من أجل ذلك الهدف بشكل علني في الوقت الذي يحاول فيه التقارب مع دول الخليج، وهو ما سيدعم في الوقت نفسه الجهود التركية.

الشركات التركية في غزة

وتم الاتفاق على قيام وفد من رجال الأعمال الأتراك بزيارة غزة وأريحا في أكتوبر المقبل، لبحث المشروعات المطروحة للتنفيذ، والتي تتضمن إقامة طرق وكباري وقنوات مياه وسدود وخزانات ومطارات، ودراسة إمكانية عمل شركات مشتركة لتنفيذ تلك المشروعات تضم أتراكًا خاصة من اليهود وفلسطينيين، وصهاينة، وبعض رجال الأعمال العرب الآخرين، وهو ما تم بحثه مع كل من نبيل شعث الوزير المسؤول عن الإدارة المحلية، وصائب عريقات الوزير المسؤول عن التخطيط والسياسة الخارجية أثناء اجتماعهما مع ممتاز سويسال وزير الخارجية التركي، والذي لم يفتح في مناقشاته ومباحثاته معهما ملف العلاقات الخارجية، خاصة وأنه من أشد المعادين لـ"إسرائيل" وتطوير العلاقات معها، ويشترط لذلك الحصول على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أولًا، وانسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967.

وكان عرفات قد شدد في كلمته - التي ألقاها أمام الرئيس التركي سليمان ديميريل - على أهمية الدور التركي السياسي والاقتصادي، وطالب أنقرة بالقيام بدورها في مشروعات البنية التحتية وتعمير وتجديد غزة وأريحا. وفي محاولة للتهرب من الإجابة عن سؤال حول زيارته التي استمرت 18 ساعة بل وأسبابها، قال عرفات: إنه لا يجب توجيه سؤال لشخص يجيء إلى بيته لماذا تجيء؟

إشعال التنافس التركي المصري

إلا أن توقيت زيارة عرفات لأنقرة، والتي جاءت قبل زيارته للقاهرة مباشرة، حيث توجه منها إلى مصر، تعتبر من حيث التقييم الاستراتيجي محاولة منه لإبلاغ القاهرة رسالة مضمونها أن هناك دولة قوية ومنافسة للدور المصري في المنطقة - رغم التعاون الظاهر بينهما - تدعمه وتقوي موقفه، ولذلك يجب على القاهرة مراعاة ذلك في التعامل معه، خاصة وأنه أصبح كتلميذ يتلقى التأنيب كلما أمكن من القاهرة، والتي عليها ممارسة مزيد من الجهود لتحقيق المزيد من المكاسب للفلسطينيين، وهو الأمر الذي تتفهمه القاهرة جيدًا، حيث إن التقارب الفلسطيني التركي، والأردني التركي، والإسرائيلي التركي يدعم الدور القيادي لأنقرة في المنطقة، ويقلص حجم الدور المصري الذي سيعتمد على سوريا والدول الخليجية لإحداث التوازن المطلوب مع الدور التركي، والذي يجب - من وجهة نظر القاهرة - أن يتناغم مع الدور المصري؛ لأن أي خلل في لعب الأدوار قد يؤثر على العملية السلمية نفسها، والتي تتم وفق الخطة الغربية.

وتشير المعلومات إلى أن القاهرة تشعر بقلق من التحركات التركية التي تستهدف ضمان تجميل وجه أنقرة في العالم الإسلامي، في الوقت الذي تتحرك فيه على نفس الخط المصري، حيث كانت القاهرة قد أبلغت أنقرة استياءها البالغ لتراجع السيدة تشيللر عن وعدها بحضور المؤتمر الدولي للسكان الذي عقد في القاهرة أوائل الشهر الحالي، لعدم إغضاب مسلمي تركيا، واحترام الرافضين للمؤتمر في الوقت نفسه، وهو ما لم تراعه مصر نفسها.

وعمومًا فإن زيارة تشيللر المقررة للقاهرة في نوفمبر المقبل، والتي ستبدأ بها جولتها للمنطقة، ستمتص آثار الاستياء المصري، وتبث المزيد من الطمأنينة للقاهرة؛ حيث ستؤكد للرئيس مبارك أنه لا استقرار في المنطقة بدون تعاون مصري - تركي، وأن القاهرة وأنقرة معًا سيكونان عمودي ارتكاز مؤتمر الأمن والتعاون الشرق أوسطي وضمانة الاستقرار في المنطقة، خاصة وأنهما يعملان لتحقيق نفس الأهداف.

وجدير بالذكر أن الرئيس عرفات كان قد زار أنقرة في سبتمبر الماضي 1993 لمدة 24 ساعة، بعد أن كان قد تم تأجيل الزيارة عدة مرات؛ حيث كانت تلك الزيارة مقررًا لها أبريل "نيسان" 1993، كما التقت تشيللر بعرفات في باريس في يوليو تموز الماضي في اجتماع مشترك مع رابين وبيريز، وهو ما يراه المراقبون تأكيدًا للدور التركي في العملية السلمية، والتي أتت زيارة عرفات الأخيرة لأنقرة لتأكيده مرة أخرى، وهو ما سيتضح بشكل جلي في لقاء عرفات - تشيللر المرتقب في أريحا في نوفمبر المقبل.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل