العنوان زوجته أم محمد: مازال يقود انتفاضة الأقصى بما زرعه فينا من قوة وصمود وإيمان بالنصر..
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-أكتوبر-2004
مشاهدات 55
نشر في العدد 1620
نشر في الصفحة 25
الجمعة 01-أكتوبر-2004
المجتمع في بيت شيخ المجاهدين وأمير الشهداء.. الشيخ أحمد ياسين
وسيظل يسكن بيننا ويحتل المكانة الكبرى من اهتمامنا وحبنا
في بيت متواضع شامخ يقع وسط بيوت الفلسطينيين في حي الصبرة بغزة والذي ما زال اسم الشيخ أحمد ياسين يعلو فيه ويتردد في الآفاق التقت المجتمع بمناسبة دخول الانتفاضة (عامها الخامس) أم محمد زوجة شيخ المجاهدين وأمير الشهداء الشيخ الحبيب أحمد ياسين وقد مضى على استشهاده ما يقارب الستة أشهر.
« أيقنت أن تلك الضربة القاسية التي سمعتها بعد انتهائي من صلاة الفجر اخترقت جسد زوجي فصرخت (الشيخ راح)»، هكذا تحدثت أم محمد أرملة الشيخ الجليل أحمد ياسين عن اللحظات الأولى لسماعها أصوات صورايخ قوات الاحتلال تضرب عربة زوجها المشلول، السيدة التي تكلمت لنا وحاولت ببساطتها أن تلملم كلمات بسيطة قد تؤدي فيها القليل من حق زوجها عليها، أطرقت تقول: «كان يتمنى الشهادة ولا يعبأ بتهديدات قوات الاحتلال التي كانت تتوعده دائمًا، وكل ما يفعله بدل الاختباء الدعاء... الدعاء بأن يستجيب الله له وأن يموت شهيدًا».
بهذه الكلمات بدأت زوجة شيخ الشهداء حديثها للمجتمع.
وتضيف أم محمد وهي ما زالت تحتفظ بلكنة أهالي قرية الجورة المحتلة عام ١٩٤٨ والتي تعود أصولها إليها « بعد مرور هذه الأشهر على استشهاد الشيخ أستطيع أن أؤكد أن الشيخ ما زال يسكن بيننا ويحتل المكانة الكبرى من اهتمامنا وحبنا».
قلت لها: هذا بعد استشهاده... فهل لك أن تحدثيني قليلًا عن حياتك معه؟
تقول: «الحديث عن حياتي مع الشيخ حديث له مكتبة خاصة ولا أستطيع أن أوفيه حقه، لقد عشت مع الشيخ حياة هنيئة ملؤها السعادة والعطاء والحنان، لم يقصر في حقي وأبنائي، وهو المشغول دائمًا بأمور عدة ولم أذكر يومًا أنه أغضبني، مكان دائمًا ملبيًا لطلباتي وطلبات الأولاد».
«تعلمنا من الشيخ الإيمان الذي يعيننا على تحمل مشاق الحياة وتفويض الأمر إلى الله وحمد لله في أشد المحن، وهو الذي كان يشكر الله على كل شيء حتى على الشكل الذي لازمه جل حياته».
إن استشهاده مكرمة إلهية كبرى حققها الله له، ورغم خطورة وضعه الصحي إلا أنه اعتاد على قضاء يومه بأسلوب ونظام معين حافظ عليه حتى في داخل سجنه، وهدف من ذلك أن يعطي كل ذي حق حقه.
أم محمد سردت لنا يومية زوجها الذي استشهد بعد دقائق فقط من الجهر بنية صيام هذا اليوم فقالت: «اعتاد الاستيقاظ مبكرًا قبل أذان الفجر بحوالي الساعة لتؤضا ويستعد لصلاة الفجر ويذهب للمسجد ويلقي درسًا بعد الصلاة ثم ما يلبث أن يذهب إلى مكتبه ليطلع على أوراقه ومهامه وأعماله التي يحددها في اليوم السابق»
تلك بداية يومية للشيخ الجليل وهي ساعات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، أما الساعات الأكثر فقد نذرها الشيخ لكل محتاج يقصده، تقول زوجته: «كان يأتي إليه الناس من كافة الفئات وكان يجلس معهم ويسمع شكواهم وحديثهم ويقدم لهم ما يقدره الله عليه من مساعدات، ويشاركهم الرأي والمشورة والنجاح والفرح والحزن».
وتضيف أم محمد: «انتفاضة الأقصى جندت الشيخ للمزيد من العطاء والنضال كما فعل في الانتفاضة الأولى، وفعلًا كان يجب أن يلقب بشيخ الانتفاضتين، وهو مازال يقود انتفاضة الأقصى بما زرعه فينا من قوة وصمود وإيمان بالنصر»
نعم الأب
أن يكون أبوك أحمد ياسين ليس بالأمر العادي وهو الأب الذي أعطي أبوته للكثيرين فتسابق الجميع على تبادل الحديث والجلوس معه ليعيش في قلوب الجميع وقتما كان جسده محبوسًا داخل الزنازين في سجون الاحتلال.
تقول ابنة الشيخ خديجة ـ إحدى بناته الثمانيةـ «بداية لابد أن أحمد الله العلي القدير الذي استجاب دعاء أبي وأناله ما تمناه طيلة حياته، فقد عاش من أجل الشهادة، وهو الذي ما كان يمر حديث معه حتى يسمعنا أمنيته برضى الله عليه ويأمرنا بعمل كل ما بوسعنا من أجل نيل رضى الله الكريم حتى تسير حياتنا كريمة».
لم تكن خديجة المرأة الفلسطينية التي فقدت أبًا كريمًا فقط، بل إنها الزوجة التي فقدت في نفس الوقت زوجها الشهيد خميس مشتهى وأبا أطفالها، وإن سألتها عن ملامح الصمود والصبر التي ارتسمت على وجهها النحيل الأسمر أجابتك «بأن تربية أحمد ياسين وتقواه جعلا منها كتلة من الأمل والصبر والقوة تعينها بالتأكيد على الصمود وإحسان تربية أحفاد الياسين».
وتستكمل خديجة الحديث عن الشيخ الجليل فتقول: «يعتقد الكثيرون أن أبي لم يكن ذا وجود قوي على الساحة الأسرية، وذلك لانشغاله بأمور الناس الاجتماعية والسياسية والتنظيمية، إلا أن الحق يقال إنه لم يكن يفوت فرصة لوجوده معنا إلا أعطانا إياها، وكان دائم الاطمئنان علينا وعلى أطفالنا وهذا ما كان يشعرنا دائمًا بالاطمئنان والاستقرار رغم كل الجرائم التي كانت قوات الاحتلال ترتكبها بحقنا وهو الذي زرع فينا حب أداء الحقوق».
تصمت خديجة وتعاود الحديث ببطء «قدمت قبل يومين من استشهاد أبي لزيارته بسبب المرض وقد بدأ الحزن واضحًا على وجهي وعلى وجوه أخواتي، فحاول جاهدًا أن يطمئننا على صحته وأخذ يمازحنا وهي عادته التي جعلته دائمًا موجودًا في قلوبنا» وتقول: «كان حبه لنا يرسم دائما على وجهه
الحمو والجد
أما كونه حموًا فنعجز نحن عن وصف كرمه وحنانه لزوجات أبنائه و أصهاره ومن أمهات وآباء أحفاده، لذا تركنا أم حسام زوجة عبد الغني نجل الشيخ الذي أصيب خلال عملية استشهاد والده، تحدثت عن أحمد ياسين الحمو فقالت وهي تحتضن حفيد الشيخ «كان الأب العطوف الذي غمرنا بحبه وعطفه وإيمانه»، وتستمر«لم يكن يمر يوم دون أن يطلب رؤية أحفاده الذين كانوا يتسابقون السلام عليه وتقبيل يده فيداعبهم بلطف ويتحدث معهم بأسلوب حسن جميل عن مسيرتهم اليوم وحكايا الأطفال التي كان دائمًا يطلع عليها منهم ويتابعها بدقة، وأن رقد أحدهم على سرير المرض فلا يطمئن الشيخ إلا عندما يراه ويؤنسه بنفسه».
وتضيف: «أجزم أنني لم أسمع منذ دخلت هذا البيت الكريم كلمة واحدة من الشيخ تغضبني أو تجرح أي شخص، فهو الحنون الذي لم يتكلم سوى فيما يرضي الله».
اعتاد الجميع اللجوء للشيخ لحل المشكلات الاجتماعية التي كانت لا تنتهي، ومع هذا كان دائمًا الحاضر الأساسي لمعالجة المشكلات التي كانت تظهر بين أسرته، تقول زوجة الابن: «كان دائمًا يدعمنا ويشجعنا على عمل الخير والعبادة والصلاة والابتسامة تعلى وجهه حتى في أشد محناته»
صديق الأطفال
للشيخ الجليل عشرة أبناء أنجبوا جميعًا نحو٤٠ حفيدًا (٢٣ ذكرًا و ١٧ أنثى) ٤٠حفيدًا غمرهم الياسين بحبه وهو الذي يمتلك القلب الرحيم على الصغير والكبير، تقول ابنته مريم: «كانت السعادة تغمره وترسم على وجهه وهو يداعبهم ويستجيبون له ضحكًا ومرحًا وكم كان يتألم وينزعج على مرضهم أو صراخهم».
وتضيف: «كان يولي اهتمامًا كبيرًا لأطفال غزة كلهم ويرى فيهم المستقبل الجميل الذي سنحقق به كل ما وعدنا الله به من نصر وتحرير للمقدسات، وكم كانت فرحتهم كبيرة عندما يشاركهم فرحة النجاح والاحتفالات في مدارسهم».
فقير.. صديق للفقراء
حارة «المجمع الإسلامي» بحي الصبرة بمدينة غزة إسألها إن شئت عن أحمد ياسين.. من هو ؟ ستجيبك جدران بيوت أهلها الفقراء، وستجيب الأزقة الترابية، ويحدثك أطفال الحارة الشعبية عن هذا الشيخ القعيد الذي اعتادوا رؤيته محمولًا أو تساق عربته قاصدًا مسجدًا أو مؤسسة أو بيتًا فقيرًا.
إن الرجل كان معطاء كريمًا وهو الفقير الذي يعيش وسط الفقراء في بيت متواضع لا يتميز عن بيوت الحي بأي شيء، لذا أمنته المؤسسات الخيرية على تبرعاتها ومعوناتها بتولي توزيعها على فقراء آمن بحقهم.
تقول خديجة:« كان أبي يحرص على إعطاء الفقراء حقهم من المال والمعونات، وأذكر مرة أن إحدى المؤسسات تبرعت بكمية من القمصان الفخمة فاقترح أحد إخوتي الذي جهل حكمة أحمد ياسين أن يستبدل بتلك القمصان ماركة أقل جودة لزيادة العدد وزيادة المستفيدين، فردت الحكمة من لسان ياسين الذي قال: «أليس من حق الفقير أن يلبس قميصًا فاخرًا، ألأنه فقير يحرم قميصاً فاخرا؟ وهل عليه أن يبقى يرتدي قميصًا رديئًا فقط لأنه فقير».
وتضيف خديجة «العطاء والبذل والايثار والكرم صفات تلبست بالشيخ ياسين وهو الذي كان يدعو في ذات الوقت الشباب إلى الكسب الحلال والتمسك بكتاب الله تعالى وحب الجهاد».