العنوان ناغورنو قره باغ.. ملف إقليمي جديد على الأجندة التركية.
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الأحد 01-نوفمبر-2020
مشاهدات 168
نشر في العدد 2149
نشر في الصفحة 48
الأحد 01-نوفمبر-2020
- أذربيجان أحد أهم موردي الغاز الطبيعي لتركيا المفتقرة لمصادر الطاقة وتمثل البديل النموذجي لها عن الغاز الروسي
- القيادة الأرمينية الحالية أتت بعد ثورة مدعومة غربياً وتسعى للتقارب مع الغرب على حساب العلاقات الراسخة مع روسيا
- أذربيجان ترى أنها أمام فرصة استثنائية لفرض معادلة جديدة تعطيها الأمل باسترداد أراضيها
- الأزمة الحالية أضافت لزخم حضور تركيا في القوقاز وقوّت نسبياً من موقفها بالمنطقة في مواجهة روسيا
خلافاً لسياستها الخارجية المنكفئة على نفسها تقليدياً، تنخرط تركيا في قضايا وملفات إقليمية عديدة في السنوات الأخيرة، من سورية للعراق لليبيا، وصولاً لأزمة شرق المتوسط المعقدة مع اليونان وأطراف أخرى، قبل أن تنضم لها أزمة إقليمية جديدة في القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان.
تعود جذور الأزمة بين أرمينيا وأذربيجان إلى الفترة السوفييتية، حين ألحق ستالين إقليم ناغورنو قره باغ ذا الأغلبية الأرمينية بأذربيجان، وفعل العكس بإقليم ناهتشيفان ذي الأغلبية الأذربيجانية، في محاولة لإنشاء حالة نزاع وتوازن تبقي الطرفين في حاجة ماسة لموسكو.
انفجرت الأزمة إثر انهيار الاتحاد السوفييتي وإعلان إقليم ناغورنو قره باغ –الذي كان يتمتع بحكم إداري ذاتي– استقلاله عن أذربيجان؛ ما أشعل فتيل مواجهة عسكرية تدخلت فيها أرمينيا وأدت لاحتلالها مناطق عدة تقدر بحوالي خُمس الأراضي الأذربيجانية.
أصدر مجلس الأمن الدولي عدة قرارات طالبت أرمينيا بالانسحاب من الأراضي الأذربيجانية المحتلة، وأنشأت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا «مجموعة مينسك» لحل الأزمة، لكن كل ذلك لم يفضِ إلى تسوية من أي نوع ولم يُعد الحقوق الأذربيجانية.
بقيت أرمينيا محتلة للأراضي الأذربيجانية، وبالتالي تندلع كل فترة من الزمن جولة جديدة من المواجهة العسكرية بينهما، دون أن يفضي ذلك لحل الأزمة عسكرياً ولا التمهيد لمسار سياسي حقيقي.
الموقف التركي
تقف تركيا تقليدياً إلى جانب أذربيجان في صراعها مع أرمينيا لأسباب كثيرة، بعضها مرتبط بالعلاقة مع باكو، وبعضه الآخر مرتبط بالمنطقة، وثالث مرتبط بالصراع نفسه.
هناك مشتركات كثيرة بين تركيا وأذربيجان، في مقدمتها العرق والدين واللغة، تجعل العلاقة بينهما مميزة عن أي علاقات ثنائية بين دولتين؛ حيث يعدُّ الأذربيجانيون أنفسهم «الأتراك الحقيقيين»، ويتحدث الأتراك عن «شعب واحد في دولتين» للتدليل على عمق العلاقات –لا سيما العرقية– بين الجانبين.
كما أن أذربيجان أحد أهم موردي الغاز الطبيعي لتركيا المفتقرة حتى اللحظة لمصادر الطاقة، وتمثل البديل النموذجي لها عن الغاز الروسي الذي تحاول تقليل نسبة اعتمادها عليه قدر الإمكان.
أكثر من ذلك، فالقوقاز إحدى أهم مناطق التنافس الإقليمي بين كل من روسيا وتركيا وإيران، وبدرجة أقل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، هنا تمثل أذربيجان الموازن الإقليمي لأرمينيا الخصم التاريخي لتركيا، ويمثل الثلاثي (تركيا – أذربيجان – جورجيا) إطاراً إقليمياً منافساً لروسيا ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي.
تعد منطقة الصراع الحالي منطقة عبور لمشاريع الطاقة من بحر قزوين بشكل عام والمشاريع التركية الأذربيجانية على وجه الخصوص؛ ما يعني أن أنقرة ترى نفسها مستهدفة مثلها مثل باكو في هذا الصراع.
كما أن معاهدة التعاون الإستراتيجي الموقعة عام 2010م بين البلدين سمحت لتركيا بممارسة دور مهم في تدريب وتسليح الجيش الأذربيجاني، وهو ما صنع فارقاً ملحوظاً في هذه الجولة من التصعيد.
أخيراً، لطالما وقفت أذربيجان إلى جانب تركيا في أكثر من مسألة إقليمية، وفي مقدمتها شرق المتوسط والعمليات التركية في الشمال السوري؛ ما يشعر أنقرة بواجب الوفاء وردِّ الجميل لها، فضلاً عن أحقية موقف الأخيرة التي تسعى لتحرير أراضيها المحتلة باعتراف المنظومة الدولية التي فشلت –إن لم نقل تقاعست عن– في إيجاد حل سلمي لها بعد أكثر من 30 عاماً عليها.
بنتيجة كل ذلك، لم يكن مستغرباً أن تقدم تركيا موقفاً مرتفع السقف في هذه الجولة، وعلى جميع المستويات، تعبيراً عن دعم كامل لأذربيجان ولكن دون الانخراط المباشر؛ فقد خرجت التصريحات الرسمية المؤكدة دعم تركيا الكامل لأذربيجان من الرئيس ووزيري الخارجية والدفاع ورئيس البرلمان، وقد تواصل وزير الدفاع خلوصي أكار هاتفياً مع نظيره الأذربيجاني، بينما زار رئيس البرلمان مصطفى شانتوب باكو وألقى كلمة أمام برلمانها.
سياسياً، وقّعت الأحزاب الأربع الكبرى في البلاد بياناً مشتركاً يدين «الاعتداءات الأرمينية» ويدعم أذربيجان في سعيها لتحرير أراضيها.
وشعبياً، أظهرت استطلاعات رأي وقوف الغالبية العظمى من الأتراك إلى جانب باكو ضد يريفان.
جولة مختلفة
تختلف الجولة الحالية من التصعيد بين الجانبين من عدة زوايا، لكن لعل أهمها اختلافان مهمان:
الأول: الموقف الروسي، الذي بدا أقرب للحياد، أو هكذا أرادت موسكو له أن يبدو، للخلافات الواضحة مؤخراً بينها وبين يريفان؛ حيث إن القيادة الأرمينية الحالية أتت بعد ثورة مدعومة غربياً، وهي تسعى بشكل واضح ومعلن للتقارب مع الغرب على حساب العلاقات التقليدية الراسخة مع روسيا، حليفها الإستراتيجي ومصدر سلاحها شبه الوحيد.
ولذلك فقد كانت بعض التصريحات الروسية لافتة للأنظار ودالة على هذا التغير، وفي مقدمتها تصريح وزير الخارجية لافروف بأن بلاده تدعم مطالب أذربيجان بانسحاب القوات الأرمينية من مناطقها المحتلة، وتصريحات «بوتين» بأن بلاده ملتزمة بمسؤولياتها تجاه أرمينيا، غير أن الاشتباكات الحالية لا تدور على أراضيها.
هذا الموقف الروسي فهم على أنه ضوء أخضر لأذربيجان لتستمر في تقدمها الميداني، وهو المتغير الكبير الثاني في هذه الجولة؛ حيث تتحدث باكو لأول مرة عن تحرير مدن وبلدات ومناطق عديدة بقيت محتلة منذ تسعينيات القرن الماضي.
الموقف التركي، الذي سبق تفصيله، متغير مهم كذلك، خصوصاً أنه واضح وحاسم ومعلن، وأنقرة لا تخفي دورها المهم في تطوير القوات المسلحة الأذربيجانية في السنوات الماضية، خصوصاً عن طريق بيعها الطائرات المسيّرة بدون طيار، التي أدت دوراً مهماً ضد القوات الأرمينية هذه الجولة.
ونتيجة كل ما سبق، تختلف موجة التصعيد الحالية عن سابقاتها بأنها أكثر تحريكاً للملف؛ حيث وضعت العربة أمام الحصان كما يقال؛ ذلك أن تقدم باكو ميدانياً وتحريرها مناطق من الاحتلال الأرميني يعني أن الملف لن يعود إلى وضعه السابق، بل ينبغي أن يوضع في مسار ما للحل، وإلا فتح الباب أمام مواجهة مفتوحة على سيناريوهات عديدة لا تريدها القوى الإقليمية.
بهذا المعنى نقول: إن الموجة الحالية من المواجهة هي «حرب تحريك» للملف من قبل أذربيجان، ولعل ذلك تحقق من خلال المبادرات الروسية لإجلاس الطرفين على طاولة الحوار لتحقيق «هدنة إنسانية» تسعى موسكو لتثبيتها وتطويرها إلى هدنة دائمة تمهد لمسار سياسي.
المستقبل
وفق المعطيات الحالية، لا يبدو أن هناك حلاً قريباً للأزمة، فأذربيجان ترى أنها أمام فرصة استثنائية لفرض معادلة جديدة تعطيها الأمل باسترداد أراضيها، بينما يستبعد أن توقف أرمينيا المواجهة وهي في حالة الضعف والتراجع، ولذلك كان من المنطقي ألا تنجح الجهود الروسية في البدايات في وقف إطلاق النار، خصوصاً أن موسكو نفسها لم تكن متحمسة لذلك قبل أن تصل الرسالة ليريفان.
أما على المدى البعيد، فمن المستبعد أن تستمر المناوشات العسكرية حتى تحرير أذربيجان كامل أراضيها، الأرجح أن يكون هناك مسار سياسي ما بعد تغير المعادلة الميدانية، وهنا تريد روسيا أن تكون اللاعب الوحيد في الأزمة، التي تدور في عمقها الإستراتيجي وفضائها السوفييتي السابق، ولذلك ليس هناك رغبة روسية في أي مساهمة فاعلة من الأطراف الأخرى، ولا سيما تركيا التي تعد منافساً لها في المنطقة وداعماً للطرف الآخر، أذربيجان.
المعادلة العسكرية الجديدة التي فرضتها أذربيجان توحي بإمكانية استعادتها لأراضيها المحتلة، خصوصاً مع القرارات الدولية السابقة والموقف الروسي المستجد، لكن ذلك قد لا ينطبق على إقليم ناغورنو قره باغ نفسه، فما يتبدى بين سطور المبادرات الروسية وتصريحات الكرملين هو أن الأخير يريد فصل المسارين عن بعضهما بعضاً، بحيث يكون للإقليم وضع خاص قد ينتهي باستفتاء شعبي على مصير الإقليم ذي الأغلبية الأرمينية.
بالنسبة لتركيا، أضافت الأزمة الحالية لزخم حضورها في القوقاز وقوّت نسبياً من موقفها في المنطقة في مواجهة روسيا، وأضيف الملف إلى ملفات أخرى تمثل اهتماماً مشتركاً -وخلافاً – بين أنقرة وموسكو، بيد أن الموجة الحالية أتت في ظل مسار تقارب بين البلدين –عكس عام 2016م– وإن كان يشوبه بعض التوترات خصوصاً في سورية.
ولذلك، فإن الملف مرشح لأن يتضمن لاحقاً بعض التفاهمات التركية الروسية، لكن على قاعدة رغبة موسكو بدور لأنقرة مشجّع لباكو على الدخول في مسار تفاوضي، وليس على قاعدة الخلاف والندية والتنافس في الملف؛ وهو ما يمكن أن تتجاوب معه أنقرة التي لا تريد حرباً موسعة ولا الدخول في مواجهة –مباشرة أو غير مباشرة- مع موسكو، خصوصاً إذا ما مارست الأخيرة عليها ضغوطاً في ملفات أخرى، لا سيما سورية.>