; نار الحرب تلسع حزب العدالة في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان نار الحرب تلسع حزب العدالة في تركيا

الكاتب طه عودة

تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003

مشاهدات 83

نشر في العدد 1539

نشر في الصفحة 26

السبت 22-فبراير-2003

تعيش تركيا بين سندان الرفض الشعبي للمشاركة في الحرب المحتملة ضد العراق والمطرقة الأمريكية التي تدق عنقها وتجبرها اقتصاديًا وسياسيًا على الانصياع لأوامرها.. وتبدو المطرقة الأمريكية أقوى تأثيرًا خصوصًا مع فشل أنقرة في التعاطي مع الملف العراقي باستقلالية كما هو حالها دومًا في القضايا التي تمسك بها الإدارة الأمريكية.

«الحرب الأمريكية ضد العراق لن تقتصر على إسقاط نظام حكم صدام حسين فحسب بل ستغير خريطة الشرق الأوسط».. أكثر ما يؤلم أن الإنسان العادي يعرف هذه الحقيقة، بينما يصعب على صناع القرار في تركيا استيعابها. 

الشعب التركي يشعر بحرارة الحرب في المنطقة، فقد بلغت الحشود العسكرية التركية ذروتها على الحدود العراقية، عدا الزيارات المكثفة التي تشهدها أنقرة منذ أسابيع من قبل المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين للضغط عليها للمشاركة في الحرب رغم أنفها، علاوة على جولة رئيس الوزراء التركي عبد الله جول في المنطقة والتي لم تؤت ثمارًا تذكر.

تصريحات جول الأخيرة كشفت ورطة تركيا الكبيرة ومدى عجزها عن مواجهة الضغوط «نحن نخضع لضغوط الولايات المتحدة التي نفد صبرها منا»، بمعنى آخر «نحن لا نريد المشاركة، ولكن أمريكا تأمرنا بذلك وبسرعة»، وأمريكا هي كبيرة عصرها وحليفة تركيا الوثيقة التي لا تقبل بالتنازل أمام أي مستجدات لا تخضع لضغوطها مجلس الأمن القومي التركي، قرر في اجتماعه الأخير بأنه ينبغي التصرف وفقًا للمصالح التركية الوطنية واستصدار القرارات على أساسها، والبيان الذي صدر عن المجلس تم عن عدم اكتراث بأمريكا، إلا الصوت الأمريكي علا بسرعة ليعبر عن عدم رضاه بقرارات المجلس القومي التركي! ومع ذلك لم يخرج شخص واحد من الحزب ليرد على الغطرسة الأمريكية ولو بكلمة واحدة، والحزب الذي يقول إن قوته تأتي من تحالفه مع الشعب يتخلى عن هذا التحالف رغم أنه يدرك الرفض الشعبي الكبير للحرب. 

وما جدوى أن يرفض الشعب الحرب؟ المهم أن أمريكا تريدها وتريد جر تركيا معها، وطلباتها أوامر، ولهذا السبب فإن رئيس الوزراء لا يرى أي حرج من الخروج أمام الشعب المعارض ليبشره بدخول تركيا في الحرب!! والحكومة تروض النواب خلف الكواليس السياسية على «الحرب» تحت أمل استصدار القرار البرلماني بشأن إرسال القوات التركية إلى الخارج واستقبال القوات الأجنبية.

ومن هنا تبرز محاولات البروفيسور نجم الدين أربكان، زعيم حزب الرفاه والزعيم المعنوي لحزب السعادة الإسلامي - الذي يعتبر الحزب الأم للعدالة والتنمية - في دعوة رجب طيب أردوغان وحزبه إلى العودة إلى جذوره الإسلامية.

البروفيسور أربكان قال في تصريحات تنم عن الغضب من سياسة تلاميذه في حزب العدالة: «عودوا إلى رشدكم، لا تدعوا الغرب يستغلنا، وأطلب منكم أن تضعوا يدكم على ضميركم وتستخيروا في صلاتكم من أجل الحل الأنسب لتركيا وشعبها المسلم».

ثلاث رسائل من أمريكا إلى تركيا

ساعة الحرب بدأت تدق، والولايات المتحدة تضغط على تركيا لضبطها مع ساعتها، أنقرة في تحرك مكثف حاليًا من أجل الدخول إلى إلى شمال العراق من جهة وتمرير الجنود الأمريكان من أراضيها من جهة أخرى.. هذه الرسائل الأمريكية الثلاث هي التي أقنعت أنقرة:

الحماية الأمريكية لنفط كركوك: تركيا ترفض أن يسيطر الأكراد في شمال العراق على نفط كركوك، وإذا لم يدخل الجنود الأمريكان من خلال الأراضي التركية، فمن سيحمي نفط كركوك؟

التحرك التركي الفردي صعب جدًا: من الصعب أن تتمكن تركيا لوحدها من إنشاء نظام مستقر في شمال العراق أو حماية نفط كركوك، إذ من الممكن أن تحصل اشتباكات بينها وبين الأكراد تثير غضب الدول العربية المجاورة، لهذا فإن الحل الوحيد أمام تركيا لهذه المشكلة هو التحرك المشترك مع أمريكا.

مفهوم الشرعية المشتركة: يجب إسناد مسألة توغل الجيش التركي مع الجيش الأمريكي في شمال العراق إلى مفهوم مشترك بين أنقرة وواشنطن، عندها فقط فإن توغل الجيش التركي سيكتسب المشروعية الدولية.

لقد دخل الأكراد في حرب الخليج الثانية إلى منطقة كركوك وحرقوا بعض المباني والعقارات ووقفوا ضد التركمان هناك، وعندما هاجمهم صدام اضطروا للجوء إلى إيران، وبما أن صدام هو المستهدف هذه المرة، فمن سيحمي كركوك ونفطها؟ وإذا رفضت تركيا التدخل، فإن أمريكا قد تحرض الأكراد لدخول كركوك من أجل استفزاز صدام وحشره في الزاوية، وما السبيل للحيلولة دون ذلك؟ حزب الشعب الجمهوري المعارض يريد من تركيا أن تدخل لوحدها إلى شمال العراق! لكن بغض النظر عن الاشتباكات المحتملة مع الأكراد، فإن تركيا بذلك ستفتح جبهة أخرى من المعارضة الإقليمية، وعندها ستكون في وضع لا تحسد عليه إذا حارب الأكراد والعرب والسريانيون في وقت واحد ضدها، لهذا فإن الحل الوحيد أمامها هو أن تدخل في التحالف الأمريكي لتفادي هذه المشكلة. 

والآن، فإن الخطوة الحكومية الأولى هي في انتزاع قرار برلماني باستصدار قرار السماح بإرسال القوات التركية إلى الخارج، وفتح المجال أمام الجنود الأجانب للمرور من أراضيها إلى العراق. 

مجلس الأمن القومي أوصى الحكومة بالموافقة على الطلبات الأمريكية، وفي الحقيقة هذا ما ستفعله الحكومة لأن دخول الجيش التركي وحده إلى شمال العراق يحمل في مضمونه خطورة كبيرة، فشمال العراق كالقنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر في أي وقت، «يجب أن يدخل الجنود الأمريكان في المقدمة والجيش التركي سيتوغل خلفهم لمراقبة تحركاتهم من أجل المحافظة على الوحدة العراقية»، هذه هي سياسة أنقرة التي لخصها رجب طيب أردوغان.

الوضع الاقتصادي

ولا تزال تركيا تعاني من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها في التاسع عشر من فبراير عام 2001م على الرغم من حالة الاستقرار التي شهدتها في الفترة الأخيرة، ويرجع ذلك إلى تلبد غيوم الحرب التي بدأت تلقي بظلالها على البلاد، ففي إسطنبول المدينة التجارية التي تحتضن أكثر من 10 ملايين نسمة تكاد الحركة التجارية تتوقف بسبب تزايد احتمالات توجيه ضربة عسكرية ضد العراق، وتعارض نسبة كبيرة من الشعب التركي الحرب ويبدي البعض استغرابهم من موافقة البرلمان والحكومة في السابع من الشهر الجاري على السماح للولايات المتحدة بتجديد وتطوير بعض الموانئ البحرية والقواعد الجوية في البلاد حتى تكون جاهزة لاستخدامها في الحرب على العراق. 

كما يرى قسم كبير من الشعب التركي أنه ليس في مصلحة تركيا أن تؤيد هذه الحرب التي إن وقعت فإن أضرارها على تركيا ستكون أكبر من أي فائدة قد يحلم بها البعض. 

المحللون السياسيون يعتقدون أن هناك بدائل واقعية كثيرة متوفرة أمام الحكومة التركية، في إشارة إلى تصريح رئيس الحكومة والذي قال فيه إن تركيا ليس أمامها سوى خيار مساندة الولايات المتحدة في الحرب للحفاظ على مصالحها.

ويقولون إنه إضافة إلى أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الاقتصادي والعسكري الأمريكي، فإن هناك مصالح وطنية أخرى لا يمكن تجاهلها، وفي مقدمتها ضرورة التعامل مع المشكلة الكردية في جنوب شرق البلاد وبالتحديد في المناطق المتاخمة للحدود مع العراق، وأن هذا التعامل ينبغي أن يهدف أساسًا إلى ضمان الأمن والاستقرار في المناطق التركية ذات الأغلبية الكردية، وهذا يبرر من وجهة نظرهم دخول شمال العراق في حال اندلاع الحرب بهدف الانتشار العسكري فيه بشكل يضمن عدم تأثر مناطق جنوب شرق تركيا بنتائج الحرب ومضاعفاتها أولًا، ثم المساهمة في التحكم بإعادة صياغة الواقع السياسي المناطق شمال العراق حيث الغالبية الكردية ثانيًا.

في الحقيقة هناك تناقض كبير في الموقف التركي.. يبدو ذلك من خلال التصريحات العلنية الرافضة مبدئيًا للحرب والداعية لحل سلمي، والإجراءات العملية المؤدية إلى المساهمة الفعلية إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب أو على الأقل إعطاء القوات الأمريكية ما تحتاجه من تسهيلات لشن الحرب، ويبدو هذا التناقض بالنسبة لبعض المراقبين داخل تركيا وخارجها متوقعًا بسبب خضوع الحكومة الحالية مثلها مثل بقية الحكومات السابقة لهيمنة وتوجيهات الجيش الذي يقوم بدور الحاكم الفعلي للبلاد، حيث يكن قادته ولاءً تقليديًا للغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ولا يجد هؤلاء القادة حرجًا في نسج خيوط التحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني في وقت تعارض فيه غالبية المواطنين مثل هذه العلاقة القوية المتناقضة تمامًا مع تاريخ تركيا وانتمائها الحضاري والديني. 

ويبقى أن نقول إن الحزب الحاكم في تركيا يحمل قسطًا كبيرًا من المسؤولية عن الموقف الحالي من الأزمة العراقية لأن حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية والذي فاز بنحو 363 مقعدًا في الانتخابات العامة السابقة من أصل 550 مقعدًا يتشكل منها البرلمان، ما أهله لتشكيل حكومة بمفرده، قد نجح في ضمان سماح العسكر له بالحكم بعد أن تبلورت بين قيادته والولايات المتحدة علاقة تضمن أن لا يمارس الحزب أو يدعو إلى أي أفكار وسياسات من شأنها عرقلة السياسات الأمريكية في المنطقة ومساهمة تركيا في إنجاحها.

في تركيا، فئة قليلة تدعم الحرب ضد العراق تحت خوف وتهديد، ولو بقي القرار في يد الشعب لكان قد رفض كافة المطالب الأمريكية خصوصًا بعد أن اكتشف الوجه الأمريكي الطامع في تصفية العراق تمهيدًا لتدخلات وتغييرات أخرى في المنطقة لصالح الصهيونية.. ونتيجة الحرب المرتقبة ما زالت مجهولة، لكننا سنرى هل ستنجح أمريكا في دفن التمرد الشعبي أم أنها ستضرم نار الكراهية ضدها أكثر فأكثر؟

 

الرابط المختصر :