; د. حسن الهويدي «أبو محمد» نائب المرشد العام لجامعة الإخوان المسلمين -يرحمه الله- | مجلة المجتمع

العنوان د. حسن الهويدي «أبو محمد» نائب المرشد العام لجامعة الإخوان المسلمين -يرحمه الله-

الكاتب محمد سيد

تاريخ النشر السبت 28-مارس-2009

مشاهدات 51

نشر في العدد 1845

نشر في الصفحة 36

السبت 28-مارس-2009

كلمة في وداع أعز الـناس

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مِّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مِّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدِّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23)

أبا محمد وأنت صنو الروح، وملء القلب والفؤاد، يا طبيبًا كان جبلًا من العلم والفقه واللغة بزفيها كلها المختصين، يا من كنت طبيب الأرواح قبل الأجساد، يا من بفقده تيتم الإخوان قبل الأنجال، لقد مادت الأرض بنا عند سماع خبر الفجيعة.

 كاتب وأديب سوري    

يا فجر الجمعة الحزينة «السابع عشر من ربيع الأول ١٤٣٠هـ الموافق لـ ١٣ مارس ۲۰۰۹م»، أبيت إلا أن يكون في ساعاتك الأولى ذلك النعي الحزين بأمر من الله وبكتاب منه کان مؤجلًا، أطلت ساعة الفراق العظيمة، وندمت اللحظات على زفّ النبأ؛ لأنه تعلم أن هناك قلوبًا لا تحتمل لحظات الوداع، وأن هناك أرواحًا لا تفتأ تتعلق أبصارها بالمعلم الفذ.. المعلم بحاله وسلوكه وخلقه قبل قوله.

الصادق الصدوق، عفّ اللسان جريء الجنان عظيم بنيان الإنسان فيه كنا نلجأ إليه حين يحزبنا أمر لنجد في أعطافه وبين يديه روح الصدق والعطف والأخوة الغالية والأبوة الحانية، فترتاح النفوس الواجفة وتطمئن الحياة إلى جانبه، وإلى كلماته التي تفيض إيمانًا وتسليمًا، وصدق يقين بفرج الله إنه أستاذنا وشيخنا فضيلة الدكتور أبي محمد «حسن الهويدي».

كان مغرمًا بالشورى.. يستشير في كل صغيرة وكبيرة رغم أنه كان ذا رأي حصيف ورؤية سديدة

إيه يا أبا محمد.. في هذه اللحظة كم من المشاهد والصور تعبر خاطري، يزينها محياك المضيء، فهي تسكن في حياتي، ولا يمكن أن يزول لها أثر، فماذا أقول وأقول؟ أهـي أحاديث دروس القرآن، التي كان موعدنا فيها مع الأستاذ المعلم تحليقًا في عالم رباني مغدق..؟ أم هي حكايات سفر مع أبي محمد؟ وكان فيها التعلم والاقتداء بالمعلم بدروس في الصبر والتواضع، والبذل والحرص على الحلال، والإمساك بخلق المثابرة والعمل والسهر من أجل فائدة الدعوة والعمل للإسلام، مهما احلولكت الظروف وتعبت الأجساد؛ فالأجساد والحياة عنده لیست رصيدًا للتمتع بزينتها وقوتها، بل هي رصيد يصرف في سبيل الله، أم هي حكاية عمل لله قاد فيها دعوة الله في سورية؟ شغل فيها نهاره، وأسهد من أجلها ليله، وأفرغ في طياتها وسعه وجهده، محاولًا أبدًا تقديم النصح لها ولإخوانه، كي يستقيم لها الطريق، ويشع في النهاية وعد الفجر، الذي ما انفك أبو محمد يبشر به إخوانه، رغم الخطوب والأحوال غير الملائمة المحيطة بنا جميعًا.

أخي يا أبا محمد، وأنت الصديق الصادق والخل الوفي، والوالد الحاني.. ولقد أتانا النبأ الحزين والشتاء يباشر نهاياته، والربيع ينثر نوره، لكن «القمر مريض» كما قال الشاعر: وحبيبنا تأهب للسفر الطويل والحب بيننا يشكو البعد الحال الليلة وقلوبنا طار خفقانها حتى كادت أن تودع الوجود، والقلق راح يدب في أعيننا غشاوات رعب على المآل دون رفقتك الغالية المعطاءة الهادية المهدية، وإننا مع هذا الحال لا يمكننا أن نصف العالم «بأنه جميل» كما قال الشاعر نفسه.

ها هي الساعة دقت، وعقاربها توقفت، وشهقات القلوب تصعدت، والجسد المسجى الذي كان يزخر بالحياة، والرأس الكبير الذي امتلأ بالعلم من كل لون، والقلب الذي سكنه الخوف من الله أبدًا، وتعبًا بالزهد والحب لله وللناس، والروح التي كان لا يمتعها إلا الذكر الرطب الصادق يتدحرج فوق اللسان، ها هي جميعها تؤذن بالرحيل، وقد كنت الليلة يا أبا محمد بيننا حتى الساعة العاشرة تلقي علينا موعظة بليغة في الموت وساعة الوحدة في القبر والحاجة إلى الحسنة الواحدة المنقذة من الوحشة تحت التراب؛ حيث تأتي الحسنة المنطلقة من الذكر الصادق -كما قلت- كما تأتي شربة الماء الباردة لامرئ تاه في الربع الخالي، وبينما هو يصارع براثن التيه والموت جاءته تلك الشربة منقذة متفائلة.. كم هو بليغ تمثيلك... وكم هي رائعة مواعظك..! فهي من القلب إلى القلب تصدر، وهي من الروح إلى الروح تعبر على جناح من صدق ويقين.

ولكن.. ولكن هذه هي أقدارنا أيها الناس وقد أعلمنا رب العزة أن الدنيا ليست إلا سبيل عبور إلى الحياة الحقة، نبني نهاياتها بأعمالنا وأخلاقنا وسلوكنا....

ونحن نشهد أن أبا محمد قد بناها على الحق والعدل، واستهدف منها رضا الله وحبه -ولا نزكيه على الله فهو حسيبه- ولكننا نشهد بما علمنا، وما شاهدنا، وما تعامل به معنا ومع غيرنا، وقد كان فيه خصلة عظيمة قد يجهلها الكثيرون، وقد اكتشفتها فيه مع طول المعاشرة إنها الشورى، لقد كان مغرمًا بها؛ إذ كان يستشير في الصغيرة والكبيرة، رغم أنه كان ذا رأي حصيف، وبعد نظر ورؤية مديدة بعيدة الأفق معتدلة البناء، متأنية في الرأي يطرحه متواضعًا لينًا.

أبا محمد، وماذا أقول..؟

فالحياة أمام فقدك حيرى، ونحن فيها نقتفي أثرك بالصبر والمصابرة وكفكفة الدموع، وقسمًا إننا على العهد الذي تركتنا عليه باقون لا نقيل ولا نستقيل، حتى نلقاك في عليين برحمة الله وعفوه وكرمه، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا أعز من الروح لمحزونون، راجين من الله أن يلهم ذويك وإخوانك وأحبابك الصبر والسلوان، وأن يجعل الفردوس الأعلى مآلك برفقة حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم وإنا لله وإنا إليه راجعون.

من أقواله وفكره

من أقواله: إذا كانت الأنظمة الرسمية تتعامل مع قضية فلسطين من خلال منظومة من القوى الفوقية فإن واجب الشعوب الإصرار على استرداد الحقوق مهما طال الزمن

١- أهمته القضية الفلسطينية، ففي مذكرة أرسلها إلى مؤتمر الأحزاب العربية ۲۰ نوفمبر ۱۹۹۹م قال فضيلة نائب المرشد العام:

... ومما ينبغي ألا يغيب عن مؤتمر شعبي عربي مثل مؤتمركم أن يقف باهتمام بالغ عند محاولات التفريط بفلسطين العربية المسلمة فلسطين الأرض والحضارة والمقدسات والإنسان، وإذا كانت الأطر الرسمية تتعامل مع القضية من خلال منظومة من القوى الفوقية التي تحكم موقفها، فإن من حق مؤتمر مثل مؤتمركم أن يعبر عن ضمير الأمة، وإصرارها على استرداد حقوقها كاملة غير منقوصة مهما تطاول الزمان ومهما كانت التحديات».

 ۲ - اهتمامه بموضوع مقاطعة البضائع الصهيو أمريكية، وفي هذا الصدد جاء في نداء وجهه للشعوب والأمة الإسلامية بمناسبة مذابح انتفاضة الأقصى ما يأتي:

«وليعلم أبناء الشعوب العربية والإسلامية أن شراء البضائع والمنتجات الأمريكية، والتعامل مع الشركات الأمريكية هو دعم غير مباشر للكيان الصهيوني الغاصب، الذي يقتل أبناءنا في فلسطين».

 3- وعن جهاد الإخوان ضد المحتلين الفرنسيين لسورية قال في مقابلة له مع مجلة «المجتمع» الغراء:

«... كنا نقوم بمظاهرات كطلاب متدينين أو غير متدينين بدافع وطني ضد فرنسا، وكنـا عـنـدمـا نمـر أمام دار الكولونيل الفرنسي في المظاهرة، ترجمه بالحجارة، وعندنا نشيد معروف كنا دائما نردده في المظاهرات مازلت أذكره:

یا ظلام السجن خيم

                     إننا نهوى الظلاما

ليس بعد الليل إلا

                     فجر مجد يتسامى

یا فرنسا لا تغالي

           وتقولي العيش طابا

سوف تأتيك الليالي

               نطردي طرد الكلابا»

4- وعن رؤيته للإمام البنا لأول مرة في مركز الإخوان في دمشق في أواخر الأربعينيات، قال لمجلة «المجتمع» الغراء:

 «... في ليلة من الليالي كنا نقارب نهاية العام الدراسي، جاءنا خبر مفاجئ من الأخبار السارة، وهو أن الإمام حسن البنا المرشد العام يرحمه الله- وصل إلى دمشق، وهو الآن في مركز الإخوان، فخرجنا من بيوتنا مسرعين إلى المركز لنراه لأول مرة، وكان الإمام قد وصل وعلى الرغم من أنه كان متعبًا من السفر، إلا أنه بعد دخوله إلى المركز صعد المنبر، وأخذ يتحدث وكأنه لم يكن في سفر، ولاحظت بحة خفيفة في صوته، وهي دليل على توالي الحديث والمحاضرات. وتعب الأسفار لقد سررنا جدًا بحديثه وكان الجميع متلهفين لسماع ذلك الحديث الشيق وأخذت الأسئلة تنهال عليه حتى ساعة متأخرة من الليل، وكان اللقاء من الذكريات الطيبة النادرة، وكنا نتمنى ولا شك أن يكرمنا الله تعالى بمثله أكثر من مرة».

من مؤلفاته

١- الوجود الحق.

۲- من نفحات الهدى.

3- محاذير الاختلاط

4- الشورى في الإسلام.

٥- مفهومات في ضوء العلم «تحت الطبع».

وأخيرًا ترجل الفارس الكبير..!

كلمة في وداع أعز الناس

للوالد حق على ولده أن يحسن ذكره ورثاءه بعد موته، ولكني أجدني أتجشم في هذا المقام مهمة بالغة الصعوبة والعناء كما لم يحدث هذا في حياتي كلها من قبل، فقد كان -يرحمه الله- أبا رحيمًا، رجل علم فاضل ، أستاذًا مربيًا، شيخًا ورعًا، قائدًا مخلصًا لجماعة إسلامية ورجل سياسة حكيمًا.

وقبل كل ذلك وبعده، فقد كان -يرحمه الله- نسيج وحده، في كل جوانب حياته وشخصيته، فهو دائم الوقار والهدوء، يمشي الهوينى، يتكلم بترو وتفكر، لا يحب اللغو والحديث الدنيوي، إذا جلسنا معه فهو لا يفتر يلهج بالتسبيح وذكر الله، وإذا حدثنا فغالبًا ما يكون حديثه دينيًا روحانيًا، يحثنا فيه على التقوى ومواصلة ذكر الله وكنا نحرص دومًا على اقتناص جزء من وقته للتحدث والتسامر معه، وكان أكثر ما يحدث هذا في أوقات الطعام حيث كان وقته مملوءًا - أو يكاد - بالمهمات الجسام في خدمة دينه ودعوته وهموم أمته، والتي لم تنقطع حتى آخر لحظة في حياته.

 أوراده القرآنية وأذكاره اليومية التي كان أحرص ما يكون عليها والتي لم يتخلف عنها أبدًا مهما كانت الظروف تستغرق جزءًا كبيرًا من ساعات يومه، منذ الفجر وحتى لحظة المنام، وكذلك مهامه الدعوية والتربوية، فلا يمر يوم دون أن يلقى إخوانه صباحًا أو مساء، وتكاد لا تعد المكالمات الهاتفية اليومية والتواصل مع إخوانه في شتى أنحاء العالم، وهذا غير أسفاره الطويلة والشاقة والمتواصلة، والتي لا أبالغ إذا قلت إنها قد أخذت النصيب الأكبر من صحته وطاقته، وأضنت جسده، كنا كثيرًا ما نرجوه أن يخفف من أسفاره ولكن همه الذي لا يفارقه في يقظة أو نوم هو شؤون المسلمين في شتى أصقاع الأرض، والتي تسارعت أحداثها وتعاظمت خطوبها في السنين الأخيرة، وأنى له أن يقعد حياتها، فكان السودان وما يحدث فيه مؤخرًا يقض مضجعه، مما دعاه لأن يزمع زيارتها مطلع الأسبوع، غير أن دعوة الأجل كانت الأسبق، فلبي النداء فجر الجمعة مسرعًا للقاء بارئه عز وجل!

وما زلت أذكر كيف عاش أيام العدوان الصهيوني وجرائمه ومجازره الرهيبة على غزة، ولعل المعايشة اليومية والمتتابعة لتلك الأحداث التي تهد الجبال قد أمرضت قلبه وأضنته، فلم يُر يبكي حتى وقع أرضًا دعاء وابتهالًا إلا في أحداث غزة الأخيرة، وعندما حاولنا أن نخفف عنه ونصبره، أجاب بأنه لا يبكي على الأطفال والشهداء فحسب، بل يبكي على عجزه أن يفعل لهم شيئًا أو يقدم لهم يدًا، وكيف سيلقى الله حيال هذا التقصير.

لم أر في حياتي توكلًا على الله مثل توكله.. لم يشغل باله الرزق وكان حريصًا على الحج كل عام

 ماذا أذكر عنه؟! لا تكاد مكالمة هاتفية معه -وأنا لا أقيم معه- تخلو من أمرين اثنين الدعاء للمسلمين والنصيحة بالتقوى وقراءة القرآن وذكر الله، حرصه على العبادة -ولا أبالغ- صورة من صور الصحابة أو التابعين، لا أذكر أبدًا أن فاتته صلاة فجر، ومهما كان موعد نومه متأخرًا لعودته من سفر أو أي ظرف آخر، فهو يستيقظ قبل الفجر ومن غير منبه.

كان -يرحمه الله- رؤوفًا رحيمًا، كريم الخلق، قليل الغضب إلا في الله فلم أره يغضب إلا عندما تمس حدود الله وشرعه لا يسكت ولا يهدأ عندما يتعرض قريب أو بعيد لشرع الله أو دينه ولا يواد العدو كما لا يجافي الصديق مازلت أذكر وأنا طفل صغير غضبة عارمة له، إذ سمعت صوته يزمجر، ولم أعرف حتى كبرت أن ذلك كان دفاعًا عن حرمة من حرمات الله حيث كان يعارضه في ذلك بعض من تنطع بالعلم.

لقد كان يغضب كثيرًا عندما يتعرض مغرض للحديث الشريف للفقهاء، لأئمة المسلمين وعلمائهم، رد بكل علمية وجرأة على من شكك بصحة بعض أحاديث البخاري ومسلم ورد على من أباح الاختلاط، كما رد على من أباح إبقاء الزوجة على ذمة زوجها الكتابي بعد إسلامها، وكل ردوده كانت علمية ممحصة مفعمة بروح الغيرة والحرص على دين الله ومحارمه وحماه.

 لم أر توكلًا على الله مثل توكله، لم يشغل باله بالرزق أو المال، كان -يرحمه الله- حريصًا جدًا على أن يؤدي الحج كل سنة، ومازلت أذكر أنه ينوي الحج ويعتزم له ولكن ليس لديه مؤونته، وعندما نسأله عن ذلك يجيبنا بأنه مطمئن بأن الله سيرزقه، ثم عندما يأتي موعد السفر ييسر الله له الرزق في عمله ويزداد حتى تتحصل له مؤونة الحج ومؤونة ما يكفي لنا بعد سفره، لم يكن من المدخرين أو من الحريصين على المال -يرحمه الله- فكان يعمل طبيبًا وكانت أجرة الزيارة تكاد لا تذكر، وهذا إذا كان يحصلها، فيعلم كل من عاشره آنذاك أن غالبية مراجعيه كانوا من الأصدقاء والأقرباء والذين لا يخطر ببالهم أبدًا أن يدفعوا له ثمن الكشف والعلاج، فضلًا عن أن كثيرًا من الفقراء في أحداث غزة كان يشملهم ليس فقط بالكشف المجاني بل حتى إعطائهم العلاج، ولربما حتى شرائه لهم، أذكر أنني كنت أذهب معه إلى عيادته في الصيف، وكنت أرى العجب العجاب، فبعض المرضى يخرجون من عيادته بتشخيص وعلاج وعون مالي أيضًا، يداه الممدوتان لا حد لعطائهما للفقير والمسكين أولًا، وفي سبيل الله ثانيًا، وللأرحام أولًا وأخيرًا، ولضيوفه إكرام كبير يحرص أن يقدم لهم كل ما في البيت.

كان يتمثل السنة النبوية في كل أعماله، ومن ذلك أنه كان إذا مرض هو أو أحد أفراد العائلة يحرص قبل الدواء على الصدقة، فما زلت أذكر عندما مرضت والدتي ذات مرة في طفولتنا بنوبات تحسسية شديدة، وبينما هو يقوم بإسعافها يرسل بنا أنا وإخوتي بكل ما يحوز في البيت من مال، فنخرج جريًا بحثًا عن الفقراء كي نعالج والدتي بالصدقة، بينما يسعفها هو طبيبًا، المفاجأة أنه يرسل بنا إلى أماكن وبيوت محددة لا أعلم حتى يومنا هذا كيف عرفها في حارات قديمة، بيوت أسر فقيرة أو معدمة في أحياء لا أعرف كيف عرف لها طريقًا؟!

لقد كان -يرحمه الله- محبًا للمساكين وكان المساكين لا ينفكون عن زيارته والتواصل معه، فقد تكون في مسجد أو مكان عام ولا أدري كيف وبأي طريق يتواصل بعض هؤلاء المساكين به، فمن بين الجمع يقترب منه أحدهم وهو لا يعرفه من قبل ويحييه ويبادله الوالد -يرحمه الله- الرحمة والمودة، ومن غير أن يعرف أحد أو تعلم شماله بما تنفق يمينه يعطيه ما قسمه الله أو ربما طلب مني أن أعطيه نيابة عنه بعد أن يودعه.

 أما عزته وشجاعته في الحق ووقوفه أمام الطغاة، فقد دفع ثمنه حياة طويلة ملأى بالآلام، يقع أرضًا دعاء احتوته غياهب السجون أن يقول بعدها شرد من بلاده، ثم حيل بينه وبين بعض البلاد الأخرى، ليس من ذنب سوى أنه حرص على قول الحق وألا يعطي الدنية في دينه.

ماذا أقول لك يا والدي؟ رحلت بزاد -ولا نزكي على الله أحدًا- يغبطك عليه الصالحون، نسأل الله لك القبول والدرجات العلى رحلت وتركت فراغًا لا أدري كيف ستملؤه الأمة.. أما قلوبنا فلها العون من الله إننا محزونون على فراقك، إننا مكلومون... تبكي قلوبنا قبل عيوننا وليس لنا سوى أن نقول ما يرضي ربنا: «إنا لله وإنا إليه راجعون».

نعم.. لقد ترجلت أخيرًا أيها الفارس بعد أن تعب الجواد.. بل تعبت واشتكت الجبال والسهول والبوادي.. رحمك الله يا والدي.. طبت حيًا وميتًا.

ابنك البار محمد

الرابط المختصر :