; مَاذا يجري في السودان؟ قصة الجامعة التي أغلقها النظام | مجلة المجتمع

العنوان مَاذا يجري في السودان؟ قصة الجامعة التي أغلقها النظام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1975

مشاهدات 0

نشر في العدد 267

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 16-سبتمبر-1975

مَاذا يجري في السودان؟

قصة الجامعة التي أغلقها النظام

 

أعلن الرئيس نميري في خطابه يوم الاثنين الماضي إغلاق جامعة الخرطوم الى أجل غير مسمى، حتى يتم صياغتها من جديد، علميا وإداريا ضمن سيطرة حزبه الحاكم الاتحاد الاشتراكي السوداني، وهذا إجراء لا يعني غير شيء واحد: وهو أن الجامعة ستصبح جامعة حزبية وليست علمية.

وبالطبع هذا الإجراء- الأول من نوعه- جاء بعد أن فشل النظـام- خلال فترة حكمه بحالها- في ترويض الجامعة بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، والتي وصلت حد استعمال الدبابات في نوفمبر ۱۹۷۱، فما هي قصة جامعة الخرطوم التي اضطر النظام المسلح على إغلاقها نهائيا عجزا عن مواجهة شبابها الأعزل إلا من العقيدة والعلم؟

تعتبر جامعة الخرطوم من أعرق الجامعات في المنطقة. وقد تأسست في تاريخ يرجع إلى العقد الثانني من هذا القرن- تحت اسم كلية غردون التذكارية- وقد عرفت الجامعة منذ عهد الاستعمار البريطاني بعدم المساومة في القضايا الوطنية والقومية والتصدي لقيادة العمل الشعبي باعتبار أن طلابها وأساتذتها يشكلون النخبة المستنيرة بين فئات الأمة السودانية.

وبعد رحيل الاستعمار عام ٥٦ استمرت الجامعة تلعب هذا الدور حتى جاء الحكم العسكري لأول مرة عام ١٩٥٨ ومن الطبيعي أن يحدث الصدام بين الجامعة باعتبارها الرافد الوطني الذي ظل يخرج الزعامات المثقفة ويضطلع بمهمة إعداد النخبة الممتازة اعدادا علميا حتى تساهم في قيادة البلاد بعد الاستقلال... وبين المؤسسة العسكرية التي تفرض قيادتها بقوة السلاح وتقذف بالمغامرين والطامعين إلى كراسي الحكم.

ولما اشتدت مقاومة الجامعة لحكم الفريق عبود، أصدر قراره الشهير بضم الجامعة الى اشراف وزير التربية والتعليم المباشر- اللواء طلعت فريد- متجنبا القول بضمها الى الوزارة وإنهاء استقلالها صراحة كما صدر القانون رقم- ٩- والقاضي بقصر نشاط اتحاد الطلبة على الاهتمام برفاهية الطلبة وشئونهم الاجتماعية دون العمـل السياسي وتفجر بذلك الموقف الجامعي بكامله وانتهى بإضراب ديسمبر ١٩٦٣ الشهير وعدم الرضوخ لقرار الحكومة- واستمرت الجامعة تلعب دورها الطليعي وتطالب بالحريات العامة وتنتقد الواقع الاقتصادي والسياسي والدستوري حتى كان عام ١٩٦٤ حيث دخلت معركتها الفاصلة مع إسقاطه عبر ثورة شعبية كاسحة ...

 

ثورة أكتوبر 1964

منذ أوائل الستينات بدأت حركة الطلبة المسلمين- الاتجاه الإسلامي تسيطر على مواقع القيادة في اتحادات الطلاب وتوسع قواعدها حتى شملت قطاعات عريضة بين الطـلاب وأساتذة الجامعة ووقفت الجامعة بكل قواها مع جبهة المعارضة التي تشكلت مع الأحزاب السودانية بزعامة الامام الصديق المهدي زعيم الأنصار.. وكانت الحركة الإسلامية داخل وخارج الجامعة تعتبر عنصرا رئيسيا من عناصر المعارضة انطلاقا من مخالفة الأوضاع القائمة لتعاليم الإسلام روحا وشكلا ومن قناعة تامة في صفوف المسلمين بأن النظام الشوري هو الوحيد الذي يتيح لدعاة الإسلام قدرا نسبيا من الحركة والنشاط الديني والسياسي ولـم يكن الشيوعيون ضمن تنظيم الجبهة... فقد انسحبوا منها عام ١٩٦١ حينما زار برجينيف السودان في ذلك العام- وكان رئيسا لاتحاد الجمهوريات السوفياتية أبــام خروتشوف-. وأشاد بحكم الفريق إبراهيم عبود وطالب الحزب الشيوعي السوداني بالتعاون مع النظام-على غرار ما حدث في مصر- وفعلا أطلق سراح سكرتير الحزب الشيوعي وبدأ لقاءات سرية مع حسن بشير نصر رجل النظام القوي في ملتقى النيلين. في عام ١٩٦٤ بدأ الوضع في الجنوب يتأزم ويتدهور وحينمنا أفلست سياسة الحكومة العسكرية في معالجته ووصلت الى طريق مسدود أرادت أن تشرك الشعب السوداني معها في تحمل التبعة... وطرحت المشكلة للنقاش على نطاق جماهيري. وبالطبع تصدت الجامعات السودانية لهذه المهمة فانعقدت الندوات في جامعة الخرطوم وفرع القاهرة... وعملت القيادات الطلابية على إفساح المجال لرجال الحركة الاسلامية ليعبروا عن وجهة نظر المعارضة فتحدث الشهيد الاستاذ محمد صالح عمر في جامعة القاهرة الفرع وقال أنه من الصعب بحث هذه المشكلة في ظل الأوضاع الراهنة لأن الحكم العسكري القائم نفسه يعتبر مشكلة وينبغي إزالتها أولا وانطلق الشيوعيون وعملاء النظام يفندون آراءه في الصحف الموالية للنظـام ويشننون عليه هجوما مغرضا. وتحدث الدكتور حسن الترابي في جامعة الخرطوم مركزا على الإطار الدستوري للقضية وبحضور بعض أركان النظام. وكانت تلك الندوة بحق هي الشرارة التي أشعلت الثورة.. فأقدمت الحكومة على حظر ندوات الجامعة ولكن الطلاب أصروا على مواصلة النقاش باعتبار أن ذلك حق وطني لا يمكن أن يسلبوه وأعلن عن الندوة الشهيرة التي كان من المفروض أن يتحدث فيها الشهيد محمد صالح عمر وبعض قيادات الحركة الاسلامية ولكن البوليس اقتحم حرم الجامعة وفض الندوة بالقوة.. فتحولت الندوة الى ساحة معركة سقط فيها بعض الطلاب برصاص العسكـر وأصيب العشرات بجراح مختلفة واعتقلت لجنة الاتحاد التي كان يرأسها الأستاذ حافظ الشيخ من أنشط الوجوه في الاتجاه الاسلامي وتشكلت لجنة جديدة برئاسة ربيع حسن أحمد- مدير المركز الرئيسي لاتحاد الطلبة المسلمين بالولايات المتحدة وكندا السابق- لمواصلة الجهاد.

وفي اليوم التالي قدم الدكتور الترابي- عميد كلية القانون وقتها والأمين العام للإخوان المسلمين حاليا بالمعتقل- مذكرة أساتذة الجامعة التي استنكروا فيها حوادث القتل وأعلنوا استقالة جماعية غير مشروطة وغير موقوته إلا بزوال النظام العسكري الحاكم. وقاد موكب تشييع جثمان أحد الطلبة الذين قتلوا في المعركة في شوارع الخرطوم ثم خطب في المشيعيين وانطلقت التظاهرات الدامية في شوارع الخرطوم ثم عمت أرجاء السودان وسقط بعدها الحكـم العسكري بعد اعلان الاضراب السياسي العام في السودان.

بعد هذه الثورة الناجحة، برزت جامعة الخرطوم كمؤسسة جهادية راسخة تعتبر من أقوى المراكز السياسية في البلاد. وكان موقف الجامعة من أي قضية كفيل بأن يقضي عليها أو يدعمها ضد أي معارضة- كانت الجامعة هي العامل الحاسم في إحباط المخطط الشيوعي للسيطرة علي الوضع بعد أكتوبر- وظلت قيادتها في أيدي العناصر الاسلامية حتى اللحظة التي أعلن فيها الرئيس نميري اغلاقها أخيرا بعد ما عجز عن زعزعة موقفها.

الجامعة تحت ظل النظام العسكري الثاني

عام 1969 أطاح العسكر مرة أخري بالوضع الديمقراطي في السودان. وكانت الجامعة لحظة وقوع الانقلاب في العطلة الصيفية.. وكانت هذه من أثمن الفترات في صالح الانقلاب الجديد. وبعد ابتداء الدراسة كان العسكر قد وجدوا الوقت الكافي ليستعدوا لمواجهة الجامعة مستغلين العناصر الشيوعية داخل الجامعة. فأعدوا قانونا جديدا ينهي استقلال الجامعة وجمدوا اتحاد الطلبة، وفصلوا قياداته من الدراسة بقرار سياسي.. ثم فصلوا جميع العمداء وكبار الاساتذة المعروفين باتجاهاتهم الإسلامية المناصرين لاستقلال الجامعة أو المناوئين للشيوعيين. وتم اعتقال مجاميع كبيرة من القيادات الطلابية والاساتذة..

وفي أول انتخابات أتيحت للطلاب في ظل هذه الإجراءات ألقت الحكومة بثقلها خلف قائمة الشيوعيين لانتزاع القيادة من الاتجاه الإسلامي ويبدو أن الحكومة خدعت بتقارير الشيوعيين عن قدرتهم على هزيمة الإسلاميين فصار راديو أم درمان يعلن على المواطنين عن موعد اذاعة نتائج انتخابات الجامعة وكذلك الصحف ولكن في الموعد المحدد لم يسمع المواطنون شيئا عن انتخابات الجامعة ولم يسمعوا بها أبدا. فقد حقق الاتجاه الإسلامي أكبر انتصار له في تاريخ الانتخابات في الجامعة.. وبدأ المواطنون يتناقلون الخبر بطريقتهم الخاصة وانهالت التهاني من جميع المواطنين خارج الجامعة لقيادات الاتجاه الإسلامي التي كان بعضها قد خرج قبيل الانتخابات من السجون.

ثم كان أن جمد نشاط الاتحاد مرة أخرى من قبل السلطة.. وجرى المزيد من الفصل والاعتقال. استمر الصراع بين الجامعة والنظام بمنتهى الضراوة ولم تتوقف المحاكمات العسكرية عن النظر في التهم الموجهة ضد الطلبة والاساتذة: حتى كان شهر فبراير عام ۱۹۷۱، حينما تنامى الى علم الطلبة أن ثمة مخطط قد أعد لتشتيت الجامعة الى كليات صغيرة- كليات جامعية- توزع خارج الاقاليم- هذا في حين وضع مخطط أخر لتحويل الكلية العسكرية إلي أكاديمية العلوم العسكرية- فانفجر الوضع في الجامعة بشكل لم يسبق له مثيل. وقام الطلبة باحتلال الجامعة والاستيلاء على مواد التموين والاغذية من المخازن والتسلح بكل ما وقع في أيديهم من أدوات واستمر الاعتصام رغـم توعدات السلطة العسكرية حتى- حرکت دبابات سلاح المدرعات بقيادة اللواء خالد حسن عباس القائد العام- مستشار الرئيس حاليا للشئون الإفريقية- والرائد أبو القاسم محمد ابراهيم بطل مجزرة الجزيرة أبا- والرائد زين العابدين محمد أحمد- الوزير حاليا-، وحاصرت الجامعة. ووقف اللواء خالد ينذر الطلاب بفتح الابواب التي احتشدوا وراءها خلال ربع ساعة ثم بدأ بعد عدا تنازليا ١٥- ١٤- ١٣- وتأهبت الدبابات لاطلاق النار على الطلاب واقتحام السور فوق جثثهم.. ووقف الطلبة الشيوعيون في تظاهرة بائسة خلفه يهتفون: أضرب أضرب يا خالد في حين كان الطلبة والطالبات جميعهم داخل الحرم يواجهون التحدي... هنا خشي الرائد زين العابدين مسؤولية المذبحة.. ولعل ذكريات أكتوبر ١٩٦٤ قد طافت بخاطره... فقاطع العد التنازلي الذي كان اللواء خالد منهمكا فيه وأثناه عـن فكرة قصف الطلاب.. وطلب من الطلبة أن يشكلوا لجنة للتفاوض معه وبالفعل اجتمع إليه بعض الطلاب حيث وعد بالنظر في مطالبهم بالعدول عن فكرة تعديل وضع الجامعة وانفض المشهد عند هذا الحد.. ورضخت الحكومة لموقف الطلاب بعد ذلـك شعرت السلطة بأنه من الأفضل مهادنة الطلبة فسمحت بإعادة تشكيل الاتحاد وبالحريات داخل الجامعة.. ومن يومها والاتجاه الإسلامي يتزعم الجامعة بلا متنازع. وظلت الجامعة قلقة حرة أو جزيرة حرة كما وصفها سكرتير الحزب الشيوعي في خطابه الشهير لن تبقى الجامعة جزيرة رجعية في محيط ثوري هادر -

حركة شعبان ۱۹۷۳

حينما نظمت- الجبهة الوطنية- الإضراب العام في شعبان ۱۹۷۳، كان طلاب جامعة الخرطوم مع طلاب الجامعات والمعاهد الاخرى في طليعة القوى التي نزلت الشارع مساندة حركة الشعب السوداني السلمية. وتعرضوا لرصاص جنود الانانيا الجنوبيين الذين استجلبهم النظـام لحمايته بعد أن بدأ يتشكك في جميع المحيطين به. ثم أغلقت الجامعة.. التي لم تشهد عاما دراسيا واحدا دون أن تغلق منذ مجيء السلطة العسكرية الى الحكم..

والآن لم يكد يمضي على رجوع الطلبة الى الدراسة بعد أن أغلقت في أوائل هذا العام سوى شهرين.. وها هي الآن تغلق نهائيا بعد أن اتهمها النظام في أعقاب المحاولة الانقلابية الاخيرة بايواء جنود الانقلاب وحيازة الاسلحة والمشاركة في المؤامرة..

ان اغلاق الجامعة- نهائيا- يدل على أن النظام العسكري قد أعيته مواجهة رجالها وقوتها السياسية وأن جميع محاولات الاحتواء والتسلل قد فشلت كما فشلت وسائل الفصل والتشريد والسجن والإرهاب.. ولم يبق غير حــل الجامعة نهائيا... واعادتها مستقبلا لتصبح جامعة حزبية تابعة للسلطة.. فهل في وسع النظام أن يفعل ذلك؟؟

• إن التناقض بين الجامعة ودور العلم والثقافة عموما وبين السلطة العسكرية تناقض يكمن في طبيعة النظام نفسه وما لم يتغير النظام فلا سبيل لإزالة هذا التناقض.

• إن الروح الإسلامي المتمكن في صفوف الطلبة تمتد جذوره إلى التعليم الابتدائي حيث تمتد حركة الطلبة المسلمين وتنظيماتهم حتى تلك المراحل وهذا يعني أن القضاء على الروح الديني بين الطلبة ليس من السهل اجتثاثه من فوق.

• أن سلاح الجامعة هو الفكر والعقيدة والثقافة وهذه أسلحة لا تواجه بالدبابات ولا القرارات العسكرية وما دامت السلطة لا تملك فكرا تقاوم به المواقف الفكرية والمبدئية لعناصر المقاومة في الجامعة فستظل مهزومة في هذا الميدان.

الرابط المختصر :