العنوان ميلوسوفيتش من العداوة إلى الشراكة الدولية
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
مشاهدات 57
نشر في العدد 1323
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 27-أكتوبر-1998
جاء الاتفاق بين رئيس يوغوسلافيا ميلوسوفيتش، والمبعوث الأمريكي هولبروك حول كوسوفا بعد مباحثات «ماراثونية» كانت سياسة العصا والجزرة، هي السائدة من الطرفين، فقد لوّح هولبروك بالضربة الجوية والحصار الدولي، وهدد ميلوسوفيتش بشق الصف الدولي باستدعاء الروس إلى البلقان ليواجهوا الأمريكان بعد أن فشلت أوروبا في إزاحة أمريكا عن المنطقة..
اتفاق بين ممثل مجموعة الاتصال والرئيس اليوغسلافي وبعيدًا عن الألبان أصحاب المشكلة، الذين كان عليهم انتظار ما يحرزه لهم هولبروك وكأنه اتفاق بين التاجر والزبون، بينما السلعة التي يجري بشأنها التفاوض ليس لها بالطبع رأي.
كان على ميلوسوفيتش الذي يبحث عن إنقاذ ماء وجهه أمام شعبه، ويبحث أيضًا عن طريقة تضمن له الاعتراف الدولي، وهولبروك الذي فشل في قبرص وفي أن يكون مندوبًا دائمًا لأمريكا في الأمم المتحدة كان عليهما أن يجدا طريقة تُعيدهما إلى الحياة أو تُعيد الحياة إليهما.
هذه هي خلاصة المسرحية الجديدة، فبعد فاصل من التهديد والوعيد، قام الحِلف الكبير «الناتو» بالتمديد، نعم التمديد لمدة عشرة أيام للمهلة الممنوحة لصربيا حتى يتمكن ميلوسوفيتش من إعادة انتشار جيوشه أو تدمير ما تبقى من القرى الألبانية.
وبعد أن أعد الصرب العدة للمواجهة، وأقاموا المتاريس والمواقع الوهمية، ورفعوا الأعلام الألبانية فوق المواقع العسكرية، وقاموا باستدعاء الاحتياط وأعلنت روسيا انضمامها للصرب، تراجعت التصريحات الأطلسية وخشعت الأصوات الأمريكية. وقال كبير كهنة الأطلسي خافيير سولانا «نُفضل الحل السلمي».
النصر الكبير الذي خرج به علينا هولبروك هو بعينه الهزيمة الكبرى للمجتمع الدولي وقراراته، بل وقرارات مجموعة الاتصال، ففي حين قرر مجلس الأمن انسحاب القوات وإعادة اللاجئين والسماح بالمساعدات وبدء مفاوضات الحكم الذاتي والتعاون مع المحكمة الدولية لمجرمي الحرب، قرر ميلوسوفيتش وهولبروك:
● انسحاب القوات الصربية إلى ما قبل مارس ۱۹۹۸م، وهو ما يعني لا شيء بالنسبة للصرب الذين يتواجدون عسكريًا بالإقليم منذ ۱۹۸۱م، وكل ما يمكن قوله إن القوات ستعود إلى مرابضها بالإقليم.
● السماح لمراقبين دوليين تحت اسم جديد أطلق عليه «المحققون» بالتواجد ومراقبة الانسحاب وعودة اللاجئين، المحققون الدوليون لن يزيد عددهم على ألفين وهم غير مسلحين وترك لميلوسوفيتش مهمة حمايتهم، ونسي العالم وهولبروك أن ميلوسوفيتش نفسه قام بربط وتعليق جنود القوات الدولية إلى أعمدة الكهرباء وعلى الجسور إبان التهديد بالضربة الجوية في البوسنة، واليوم وكما قال هولبروك «إن سلامة المحققين في عنق ميلوسوفيتش ولو حدث مكروه لهم فسيفقد مصداقيته، وكما يقول إيفو دالار وهو مستشار بمعهد بروكلين «إنه من العبث إرسال مثل هذا العدد من المراقبين ووضعهم تحت رحمة ميلوسوفيتش، لكن الأمر لا يحتاج إلى تفسير، فقد ضمن ميلوسوفيتش عدم توجيه أي ضربة إليه طالما أن الرهائن موجودون على أرضه.
● السماح لقوات من الناتو بالتحليق «وبدون سلاح أو ذخيرة» فوق كوسوفا للتأكد من انسحاب القوات وعودة اللاجئين إلى ديارهم، واتفق الطرفان على ألا يسمح بطائرات التجسس الكبيرة والمعروفة من طراز أواكس أو ستالايت بل يتم السماح لطائرات أف ١٦ وهو ما يعني عدم دقة المراقبة.
● السماح بعودة المهاجرين واستئناف المساعدات الإنسانية، وكيف يتم ذلك ومعظم الطرق قد زرعت بالألغام، والبيوت قد هدمت على رؤوس الآدميين والأنعام.
● أغفل الاتفاق أي إشارة إلى محاكمة مجرمي الحرب في صربيا، رغم أن مجموعة الاتصال ذكرت ذلك ضمن مطالبها.
● ذكر الاتفاق الصيغة السياسية وهي انتخابات بعد تسعة أشهر، أما الوضع النهائي فبعد انقضاء فترة الثلاث إلى خمس سنوات وهو ما عرفه الاتفاق «ناقص دستور ١٩٧٤م» وهو ما يعني أن الحكم الذاتي الذي كان ممنوحًا للألبان في دستور عام ٧٤ ضمن منظومة الاتحاد اليوغسلافي لن يتحقق وإن تحقق فسيكون ضمن منظومة صربيا، وهو ما يعني خطوة للوراء.
● في إطار توزيع قوة الشرطة الداخلية في الإقليم أصر ميلوسوفيتش على أن تكون للصرب نسبة 20% رغم أن نسبة السكان الألبان إلى الصرب 9 - 1 وكان له ما أراد.
● لم يشر الاتفاق إلى أي علاقة للشعب الألباني بالاتفاق، وكذلك بالنسبة للرئيس المنتخب «المعتدل» إبراهيم روجوبا ولا لجيش تحرير كوسوفا.
● اشترط ميلوسوفيتش أن تستخدم المصطلحات الصربية في لغة الخطاب خصوصًا في إدارة المحليات وعلاقاتها بالمحققين الدوليين، كما خلا الاتفاق من أي إشارة إلى أزمة إقليم كوسوفا بل استخدم تعبير «المشكلات الموجودة» فيما تطلق عليه صربيا منطقة «كوسميت» والتي تعني كوسوفا وميتوهيا.
ردود الأفعال
ظهر جليًا أن الاتفاق بحاجة إلى دعم إعلامي كبير للتغطية على عوراته.
لقد حيّر ميلوسوفيتش بالفعل العالم والناتو وأفلت من الضرية، وسيعتبره الصرب المنقذ الحقيقي لصربيا كما يقول «أولبير هوسا الكاتب الألباني في مقال يسخر فيه من الناتو».
أما الوسيط الدولي هولبروك فقال: بعد خمسين ساعة من المفاوضات تمكنّا من تجنيب البلقان والعالم خطر أكبر أزمة عسكرية منذ الحرب العالمية الثانية ورَد میلوسوفيتش: «إن موافقتنا على الاتفاق جاء لتجنيبنا الحرب المدمرة من قِبَل الناتو» فيما قال كلينتون: «إن ساحات البلقان مليئة بالوعود المكذوبة لميلوسوفيتش».
إدريس آيتي رئيس البرلمان الألباني في كوسوفا علّق على الاتفاق بقوله: «لقد تحولت كوسوفا على يد ميلوسوفيتش إلى سلخانة كبيرة وأرضها صارت محروقة، الحل الوحيد هو احترام حق الشعب الألباني في إقامة دولته في كوسوفا، وقال أيضًا: «ليس من حق أي مجموعة أو أفراد أن توافق على مشاريع تسوية تتعارض مع ما قرره برلمان كوسوفا في استفتاء ١٩٩٠م ووافق على ذلك العديد من زعماء القوى الوطنية في كوسوفا».
أما إبراهيم روجوفا أو عرفات كوسوفا فهو الوحيد الذي شذ عن إجماع القوى الوطنية بمختلف ألوانها وأعلن ترحيبه بالاتفاق وطالب الجميع بالترحيب به، لأن الاتفاق على حد قوله سيكون له دوره في تحسين أوضاع الألبان، رغم أنه صرّح بعدها بأن ما تم الاتفاق عليه لم يتحقق منه شيء.
الاتفاق ومن القراءة الأولى يوحي بأنه جاء ليوقف الضربة الجوية أو ليحفظ الحلف الأطلنطي ماء وجهه بعد أن عجز عن اتخاذ أي فعل، أما الأزمة الحقيقية ومعاناة الشعب الألباني فتأتي لاحقًا.
رابحون وخاسر
الرابحون:
1- میلوسوفيتش لأنه أنقذ بلاده من الضربة العسكرية وأصبح شريكًا دوليًا يساهم في تخفيف أزمة اللاجئين ويتفاوض مع منظمة الأمن والتعاون الأوروبي.
2- حِلف الأطلنطي، لأنه يظن أن موقفه «الحاسم» كان له أثره في إقناع ميلوسوفيتش بالحل السلمي - ولان الحِلف لن يخسر جنودًا وعتادًا من أجل حفنة من المسلمين.
3- مجلس الأمن، ليعلن للعالم أنه لم ولن ينسى أزمة كوسوفا، ومعاناة المسلمين!
4- ريتشارد هولبروك، فقد أعاده الاتفاق إلى الحياة بعد الفشل في قبرص.
5- روسيا التي ترى أنه لولا موقفها الحاسم لما تردد الحِلف في ضرب صربيا الصديقة، والاتفاق الأخير يسمح لها بالتواجد العسكري ولأول مرة في تاريخها على أرض كوسوفا.
6- الولايات المتحدة بإثباتها المرة تلو الأخرى أن أوروبا عاجزة عن حل مشكلاتها بنفسها.
الخاسر الوحيد:
الشعب الألباني المسلم والعالم الإسلامي على امتداده، بخسارته فرصة دعم إخوانه في هذه البقعة من العالم المسيحي.
سؤال:
هل فكرت منظمة المؤتمر الإسلامي في إرسال مجموعة ضمن المراقبين أو المحققين الدوليين، وخصوصًا أن العلاقات بين يوغسلافيا وبعض الدول العربية والإسلامية جيدة؟
قصة من كوسوفا
«لقد فقأ الجنود الصرب عين ابني بشوكة الطعام ثم قتلوه«
خليل خوجا - مواطن ألباني من كوسوفا
رغم أن أكثر من نصف مليون ألباني شُردوا وحُرقت بيوتهم بعدما سُلبت، ورغم أن مئات الآلاف من النساء والأطفال مهددون بالإبادة جوعًا وعُريًا، ورغم تهديدات الناتو بضرب الصرب، إلا أن الجنود الصرب لم يرحموا صغيرًا ولا كبيرًا ومن بينهم «خليل خوجا» البالغ من العمر ثمانين عامًا الذي نتركه يُقِص المأساة:
في السادس والعشرين من سبتمبر وبعد القصف الصربي المكثف قررت العائلة الرحيل إلى الغابات، وجاءتنا القوات الصربية لتقوم يفصل الأطفال والنساء في جانب والرجال في جانب آخر، ثم ألقت القبض على ١٤ من رجال العائلة قام الجنود الصرب بتعصيب عيونهم وألقت بهم في فناء أحد الأبنية، وبدأت المجازر فقد فقأوا عين ابني البالغ من العمر ٤٩ عامًا قبل قتله، كما حرقوا جثة حفيدي بعد قتله.
توجهوا بعد ذلك إلى بقية الرجال وقام الجنود بحفر الأحرف الأولى لجيش تحرير كوسوفا على أرجلهم ثم قاموا بقطع أرجلهم، وآذانهم وقاموا بفقأ عيونهم والضرب على الرأس حتى تدلت أجزاء من المخ على الجباه.
واستمرت المأساة حتى قتلوا ثلاثة عشر منهم ونجا واحد منهم مصابًا بثلاثة طلقات.
ويواصل خليل: قتلوا ابن جاري رمزي فاصيلاي «14 عامًا» ومَرّ المسكين ليأخذ جثة ابنه فوجدنا جرحًا غائرًا أعلى حاجبيه وعشرات الطلقات في جسده.
لقد مررت بجثث الشهداء فوجدت أنوفًا قد جُدعت، ورقابًا قد قُطعت وصدورًا قد مُلئت بالطعنات، وجثثًا قد حُرقت.
وفي منطقة بلوشيس قاموا بقطع رقبة إمام المسجد، أما العجوز «رضا» فقد أطلق عليه الصرب النار بعدما أخلوا سبيله وأمروه بالتوجه إلى بيته.
وبعدما انتهى الصرب قالوا لنا: لقد قتلناهم لأنهم ينتسبون إلى جيش تحرير كوسوفا.