; ميلوسوفيتش في لاهاي | مجلة المجتمع

العنوان ميلوسوفيتش في لاهاي

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2001

مشاهدات 64

نشر في العدد 1458

نشر في الصفحة 18

السبت 07-يوليو-2001

الحكومة الصربية قبضت الثمن! فمن يعوض الضحايا؟

مليار و285 مليون دولار ثمن تسليم سلوبودان ميلوسوفيتش لمحكمة جرائم الحرب في لاهاي، خصصتها الدول المانحة للحكومة اليوغسلافية لتعاونها مع محكمة جرائم الحرب في لاهاي بتسليمها الرئيس اليوغسلافي الأسبق سلوبودان ميلوسوفيتش الذي ينتظر أن تطول محاكمته، وأن تكون أكثر المحاكمات إثارة في هذا العصر كأول رئيس دولة تقع محاكمته بصيغة دولية كمجرم حرب تسبب في هلاك ما يزيد عن مئتي ألف نسمة وخسائر مادية تفوق المائة مليار دولار.

من بلغراد إلى لاهاي: استغرقت عملية نقل سلوبودان ميلوسوفيتش إلى لاهاي وقتًا طويلًا ومرت بعدة مراحل، بدأت بمطالبة محكمة الحرب من ميلوسلوفيتش تسليم نفسه إليها عقب العدوان الصربي على ألبان كوسوفا (1998/1999م) ولم يمض على ذلك سوى ستة أشهر تقريبًا حتى تم إيداعه السجن في بلغراد في أوائل شهر أبريل 2001م، وتضاربت وقتها التصريحات والتحليلات حول النهاية التي سيختم بها ميلوسوفيتش مشوار حياته السياسية، إلا أن احتمالات تسليمه لمحكمة جرائم الحرب كانت قائمة وبقوة نظرًا لتوجهات الحكومة الجديدة في بلغراد نحو الغرب وإدراكها لحجم الدمار الذي لحق بيوغسلافيا طيلة فترة حكم ميلوسوفيتش والتي تبلغ ديونها 25 مليار دولار وخسائر سنوية للاقتصاد اليوغسلافي تبلغ 16 مليار دولار، لا سيما أن الدول المانحة -ومنها الولايات المتحدة-اشترطت تسليم ميلوسوفيتش كثمن للمساعدات الموعودة والتي تقدر بما يزيد على أربعة مليارات دولار خلال السنوات الأربع القادمة.

ليلة تسليم ميلوسوفيتش

حاولت الحكومة اليوغسلافية أن تمرر مشروع تسليم ميلوسوفيتش لمحكمة جرائم الحرب عن طريق البرلمان اليوغسلافي لكن تلك المحاولة باءت بالفشل في الاجتماع الذي سبق عملية التسليم بأسبوع واحد، فلم يحصل قرار التسليم على الأغلبية المطلوبة وتعثرت عملية التسليم مما استدعى إصدار مرسوم رئاسي يقضي بتسليم سلوبودان ميلوسوفيتش إلا أن محاميي الأخير رفعوا دعوى للمحكمة الدستورية يطالبونها فيها بالنظر في المرسوم الرئاسي ومدى مطابقته للدستور والقانون اليوغسلافيين وانتظر الجميع النتيجة التي كانت مخيبة للآمال حيث قضت المحكمة بعدم دستورية المرسوم الرئاسي وأنها تحتاج لمدة عشرة أيام على الأقل لتصدر قرارها بذلك الخصوص، ولم يكن مزاج رئيس الحكومة اليوغسلافية زوران دجنجيتش المتلهف للمساعدات الدولية لمعالجة اقتصاد بلاده يسمح بالانتظار وهو يشاهد الفرصة تكاد تضيع من بين يديه، فاتخذ قراره على عجل مع أفراد حكومته إن وافق 14 وزيرًا على عملية التسليم ووقع ترتيب العملية مع المخابرات الأمريكية التي قامت بتوثيق ميلوسوفيش وحمله في سيارة إلى طائرة هليكوبتر أمريكية حطت به في مطار توزلا بشمال البوسنة والهرسك والذي تسيطر عليه القوات الأمريكية المرابطة هناك في إطار القوات الدولية، ثم تم نقله إلى ثكنة عسكرية قرب لاهاي، ومنها إلى سجن مجرمي الحرب في لاهاي. 

ردود الأفعال على العملية

في بلغراد تنصل الرئيس فويسلاف کوشتونيتسا من عملية تسليم ميلوسوفيتش مبررًا ذلك بأنه لم يعلم بعملية التسليم وأنه لا يوافق عليها لأنها غير قانونية بعد رفضها من قبل المحكمة الدستورية في بلغراد، وصعد من نبرة رفضه بإعلانه التفكير في تشكيل حكومة جديدة، وهو ما يعني حل البرلمان وإجراء انتخابات عامة جديدة في يوغسلافيا قد يكون رئيس الحكومة زوران دجنجيتش أكبر ضحاياها.

رئيس الحكومة برر موقفه بالمرسوم الرئاسي نفسه وأعلن أن 14 وزيرًا من أصل خمسة عشر أيدوا القرار وبالتالي لم يكن قراره منفردًا. في حين أعلن زوران زينزيتش رئيس الوزراء الفيدرالي عن استقالته احتجاجًا على تسليم سلوبودان ميلوسوفيتش لمحكمة جرائم الحرب، وتصاعدت نسبة المشاركة في المظاهرات حتى بلغت يوم السبت الماضي 15 ألف متظاهر نادوا بعزل الرئيس اليوغسلافي فويسلاف كوشتونيتسا ورئيس الحكومة زوران دجنجيتش وعدد من الوزراء الآخرين، كما أن الحزب الاشتراكي في الجبل الأسود والذي يشارك في الحكومة الائتلافية ببلغراد قد قرر الخروج من الائتلاف مما يؤكد حتمية حصول انتخابات مبكرة وتشكيل حكومة جديدة في بلغراد.

وهكذا أصبح الكثير يشعر من الصرب بالخزى والعار التاريخي حيث باعوا رئيسهم السابق بأربعة مليارات ونصف المليار وهو رقم حيث يعد ذلك المبلغ أكبر رقم حصل عليه بائع في سوق النخاسة في تاريخ التجارة بالجنس البشري، وعلى مدى القرون القادمة سيعير الصرب بذلك من قبل الآخرين، لكن السؤال المطروح هو: لقد قبض الباعة في بلغراد الثمن فمن سيعوض الضحايا والثكالى من المسلمين في البوسنة وكوسوفا؟

الرابط المختصر :