العنوان ميلاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وإخوانه الأنبياء الأنبياء كلهم إخوة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2008
مشاهدات 73
نشر في العدد 1794
نشر في الصفحة 52
السبت 22-مارس-2008
دين الأنبياء واحد في عقيدة التوحيد.. أما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي
«الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد»، (مسلم).. حين قال النبي- صلى الله عليه وسلم- ذلك كأنه نظر بعين نبوته الخاتمة كنبي مرسل بوحي من الله، إلى أولئك الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، على مر العصور والأزمنة فيصدقون بنبي دون أخيه، وينظرون إلى الأديان نظرة تجزئة وتبعيض لا تكامل وشمول، فأراد- صلى الله عليه وسلم- بحكمته أن ينبه أصحابه إلى أن الإيمان بالأنبياء جميعًا كل لا يتجزأ، وأن من يكفر أو يكذب بنبي واحد منهم فقد كذب بجميع الرسل والرسالات، وذلك لا يكون من مؤمن.
قال تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285).
وبين النبي- صلى الله عليه وسلم- أن ذلك ركن لا يتم إيمان المسلم إلا به؛ لأنهم عليهم الصلاة والسلام أرسلوا برسالة واحدة لا يجوز لأحد أن يكفر بها، أو يكذب من يحملها لتبليغها عن الله عز وجل، فحبهم واجب علينا لحب الله لهم، وتوقيرهم مطلوب منا لاصطفاء المولى عز وجل إياهم دون سائر البشر، إذ إن هدفهم واحد ودعوتهم واحدة وغايتهم كذلك واحدة، تدعو إلى إله واحد هو الله سبحانه وتعالى، وها هو القرآن الكريم يبين ذلك في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: 13).
والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له.
الأنبياء إخوة لعلات...
قال العلماء أولاد العلات هم الإخوة لأب من أمهات شتى، وأما الإخوة من الأبوين فيقال لهم أولاد الأعيان والمعنى: أن شرائعهم متفقة من حيث الأصول وإن اختلفت من حيث الفروع حسب الزمن، وحسب العموم والخصوص، فلهذا قال جمهور العلماء: إن معنى الحديث أن أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف. أما قوله «ودينهم واحد» فإن المراد به أصول التوحيد وأصل طاعة الله تعالى وإن اختلفت صفتها، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48).
فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد يعني بذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36).
وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون تلك، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وعن قتادة في قوله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48) يقول سبيلًا وسننًا.
والسنن مختلفة: هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة. يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه والدين الذي لا يقبل الله غيره التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.
دعوة واحدة.. ودين واحد..
وهذه الدعوة إنما هي إلى الإسلام بمعناه العام الذي ذكره الله تعالي في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19).
قال ابن كثير: هو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- وقال القرطبي: الدين في هذه الآية الطاعة والملة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات.
وقال الطبري: معنى الدين في هذا الموضع الطاعة والذلة، فتأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: 19).
إن الطاعة له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى وتذللها له بذلك من غير استكبار عليه ولا انحراف عنه دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودية والإلوهية، وفي تفسير الجلالين: إن الدين المرضي عند الله هو الإسلام أي الشرع المبعوث به الرسل المبني على التوحيد.
ماذا قال الأنبياء لأقوامهم؟
نوح عليه السلام.. كانت دعوته إلى التوحيد الخالص بعبادة الله وحده كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: 59).
هود عليه السلام.. ﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65).
صالح عليه السلام.. ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود: 61).
إبراهيم عليه السلام.. دعا ربه قائلًا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128).
وقال لقومه المشركين: ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: 758، 76، 77).
وقد وصفه الله تعالى بالإسلام ونفى عنه الشرك فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: 67).
أي متحنفًا عن الشرك قاصدًا إلى الإيمان «ابن كثير»، وقال: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 130، 131، 132).
يعقوب عليه السلام.. يوصي أولاده بالإسلام عند موته قال تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 133).
يوسف عليه السلام.. لم تمنعه جدران السجن وظلمته من الدعوة إلى توحید ربه عز وجل، فدعا صاحبيه فيه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه قائلًا لهما: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف: 39).
وكان دعاؤه: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: 101)
شعيب عليه السلام... ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: 85)
موسى عليه السلام.. يسأله فرعون مصر عن ربه: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ﴾ (طه: 49)
أي الذي بعثك وأرسلك، من هو؟ فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري فيجيبه موسى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ (طه: 50)
وها هو موسى يدعو من أسلم من قومه إلى الثبات على إسلامهم ويحثهم على التوكل على الله فيقول: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ (يونس: 84)
سليمان عليه السلام.. لم يصرفه الملك وأبهته وسلطانه عن الدعوة لإسلام الوجه لله بالعبادة والطاعة والانقياد والخشوع والتذلل، وها هو يرسل إلى ملكة سبأ وقومها حين علم بشركهم وعبادتهم غير الله ما قصه الله علينا في كتابه إليها فقال: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: 30، 31 )
قَالَ ابن عباس موحدين «ابن كثير»، ويفصح عن هويته ودينه بعزة فيقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أهكذا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: 42)
المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.. كانت أول كلمة نطق بها وهو في المهد ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: 30)
ثم يستمر في دعوته: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ (الزخرف: 63، 64)
أما حواريوه فقد أسلموا لله أيضًا قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: 111)
ثم ختم الله تعالى الرسل والرسالات بسيد الخلق وخاتم الأنبياء سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- الداعي إلى الله الذي أرسله بالحنيفية السمحة وقال له: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161)
وها هو يعلنها صراحة نافيًا عن ربه الشريك، ممتثلًا لأمره إذ قال له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام: 162، 163)
أي من هذه الأمة، وكذلك كان صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أول من خالف دين آبائه وخلع الأصنام وحطمها، وأسلم لله وآمن به، ودعا إليه صلى الله عليه وسلم.