; ميزان الرجال ومقياس الإيمان | مجلة المجتمع

العنوان ميزان الرجال ومقياس الإيمان

الكاتب بندر محمد الهوساوي

تاريخ النشر السبت 14-يونيو-2003

مشاهدات 1

نشر في العدد 1556

نشر في الصفحة 57

السبت 14-يونيو-2003

صلاة الفجر..

ميزان الرجال ومقياس الإيمان

بندر محمد الهوساوي

الفجر رمز ولادة كل خير، رمز النصر، رمز الحياة، علامة الحركة والنشاط كما أنه دليل الحق والعدالة ووقت الفجر من أكثر الأوقات هدوءً، فيه لحظات الصفاء وفيه توزيع الأرزاق.

 وصلاة الفجر دليل على قوة الإيمان وبراءة من النفاق، لمشقة الصلاة في هذا الوقت على النفس، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا (متفق عليه).

ريح الصبا

يقول الدكتور عبد الحميد دياب: «أما الفوائد الصحية التي يجنيها المسلم بيقظته في الفجر فهي كثيرة منها أن أعلى نسبة لغاز الأوزون o3 في الجو تكون عند الفجر، وتقل تدريجيًا حتى تضمحل عند طلوع الشمس، ولهذا الغاز تأثير مفيد للجهاز العصبي، ومنشط للعمل الفكري والعضلي، حيث يجد الإنسان -عندما يستنشق نسيم الفجر الجميل لسمى ريح الصبا- يجد لذة ونشوة لا شبيه لها في أي ساعة من ساعات النهار أو الليل..

ركعتا الفجر

وركعتا الفجر هما السنة القبلية التي تسبق الفرض، وقد قال عنهما النبي صلى الله عليه وسلم: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها.

فإذا كان هذا عن السنة فما بالنا بالفرض؟ وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من حافظ على صلاتي الفجر والعصر دخل الجنة، فقد روى البخاري ومسلم قوله صلى الله عليه وسلم: من صلى البردين دخل الجنة وقال: لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها.

والبردان الصبح والعصر.

يقول الإمام المناوي: وخصهما لزيادة شرفهما أو لأنهما مشهودتان تشهدهما ملائكة الليل والنهار أو لكونهما ثقيلتين شاقتين على النفوس لكونهما وقت التشاغل والتثاقل ومن راعاهما راعى غيرهما بالأولى، ومن حافظ عليهما فهو على غيرهما أشد محافظة ... فكيف يجرؤ من يسمي نفسه داعية على أن يدعو إلى الخير وهو ذو نفس لا تنكر عليه عدم قيامه حق القيام بركن من أركان الإسلام؟ وكيف لا يخشي بأن يوصف بما وصف به المنافقون؟

قرآن الفجر

يقول تعالى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنْ قُرآنَ الْفَجْرِ كَانَ مشهودًا (الإسراء: 78)، وقرآن الفجر هو صلاة الفجر التي تشهدها الملائكة، وقد فصل ذلك النبي إذ قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاتي الفجر والعصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون»، فما أسعد أولئك الرجال الذين جاهدوا أنفسهم وضحوا بلذة الفراش ودفئه ابتغاء مرضاة الله تعالى ليحصلوا على البراءة من النفاق وليكونوا أهلًا لبشارة النبي صلى الله عليه وسلم بدخول الجنة ولينالوا شرف شهود الملائكة وسؤال الرب عنهم ولسمو منزلة الفجر، فقد أقسم به المولى جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (الفجر: 1-5).

الفجر ميزان الرجال

وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يجعلون حضور صلاة الفجر الميزان الذي يزنون به الرجال فمن حضرها وثقوه، ومن غاب عنها أساؤوا به الظن فهذا ابن عمر -رضي الله عنه- يقول: «كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن فهل تهز هذه الكلمات دعاة اليوم وتجعلهم ينافسون الآخرين باستنشاق ريح الصبا؟ وهل يكونون من الأوائل الذين يذكرون في قوائم المتعاقبين من الملائكة أمام الرب جل وعلا؟.

الله معي.. الله شاهدي

ربى الإسلام أبناءه على مراقبة الله تعالى، وأنه سبحانه يراهم من حيث لا يرونه وهي ميزة إيمانية اختصت بها العقيدة السماوية، فقال تعالى:﴿وَمَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (المجادلة: 7).

فالإسلام يزرع في وجدان المسلم مراقبة الله تعالى في جميع حركاته وسكناته، فلا يكذب ولا يخون ولا يغش، بل يتقي ربه في السر والعلن خرج أمير المؤمنين عمر -رضي الله عنه- ذات يوم متفقدًا أحوال رعيته فسمع امرأة تقول لابنتها: قومي فامزجي اللبن بالماء فقالت البنت يا أماه ألم ينهنا عمر عن الغش؟ فقالت الأم أنى لعمر الآن أن يرانا؟ فقالت البنت إن كان عمر لا يرانا، فرب عمر يرانا فأعجب بأمانتها وإيمانها وخطبها لابنه عاصم -رضي الله عنه-.

وخرج -رضي الله عنه- مرة من المدينة يريد الحج ومعه أحد أصحابه، فأراد أن يستريح فنزل طريقًا في سفح جبل فانحدر منه راع معه معه غنمات، فأراد عمر امتحانه وهو لا يعرفه فقال له: أيها الراعي بعني شاة من هذه الشياه، فقال الراعي: إنها ليست لي فقال: قل لصاحبها .. أكلها الذئب... فغضب الراعي وقال: فأين الله؟ ففرح عمر بأمانته وأثنى عليه. وبهذا يصل المسلم إلى رتبة الإحسان التي عرفها المصطفى له في الحديث النبوي الشريف قائلًا: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (رواه البخاري ومسلم).

وليس أفضل من أن يعود المسلم نفسه على كلمات يجعلها نصب عينيه، فتكون له وقاية من رياح الشر وغبار السوء وهي: الله ناظري.. الله شاهدي.. الله معي. كما علم محمد بن واسع ابن أخته رحمهما الله تعالى.

                                                                                    محمد مصطفى ناصيف

الرابط المختصر :