; ميراث الفصل العنصري يتلاشى بهدوء | مجلة المجتمع

العنوان ميراث الفصل العنصري يتلاشى بهدوء

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2003

مشاهدات 1

نشر في العدد 1579

نشر في الصفحة 38

السبت 06-ديسمبر-2003

ميراث الفصل العنصري يتلاشى بهدوء

إبراهيم دادا رئيس حركة الدعوة الإسلامية في جنوب إفريقيا

تجربة جنوب إفريقيا في نقل «السلطة»، ورد المظالم وتمكين الرجل الأسود... فريدة

انتهاج «الرجل الأسود» مبدأ «عفا الله عما سلف» قطع الطريق على دوامة الحروب الانتقامية ضد البيض. المسلمون شاركوا إلى جوار نيلسون مانديلا في قيادة حركة التحرر.. وقيادات مسلمة استشهدت تحت التعذيب.

ماذا تبقى من ميراث وثقافة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا..؟، وماذا استفادت الأقلية المسلمة من ثورة الإصلاحات السياسية التي صاحبت إلغاء نظام الفصل العنصري في البلاد؟، وما شأن المسلمين على الخريطة في جنوب إفريقيا؟، الدكتور إبراهيم دادا(٦١) سنة، عاش الفترتين وشارك في الحياة السياسية والدعوية، وهو بالإضافة إلى مجال عمله في مهنة الطب، أسس مع أربعة من زملائه الأطباء حركة الدعوة الإسلامية، قبل ستة وعشرين عامًا( ۱۹۷۷م).      شعبان عبد الرحمن     shaban 1212@hotmail.com

·       سألته عما بقي من ثقافة وميراث الرجل الأبيض في جنوب إفريقيا.

o     فقال الثقافات والميراث السياسي لأي نظام لا يكون من السهل محوها بسهولة، إنها تحتاج إلى وقت حتى يأخذ النظام الجديد مكانه، وفق النظام والقانون، فليس لدينا شيء اسمه التفرقة العنصرية، لكن على أرض الواقع فإن بقايا هذا النظام البغيض مازالت موجودة.. لقد ألغى القانون المعازل فقد عزل النظام العنصري الهنود في مناطق والسود في مناطق والبيض في مناطق أخرى، والآن يستطيع أي إنسان أن يوجد في أي مكان والقانون يحميه بصرامة، وقد منع النظام العنصري زواج البيض من السود، لقد كان الرجل الأبيض يملك كل شئ، لكن ذلك بدأ يتلاشى وفي هدوء.

·       في معايشتك لفترة الفصل العنصري....ماذا تتذكر من تلك الفترة؟

o     في مرحلة شبابي كنت كغيري من الشباب المسلمين والأفارقة نشارك في المجلس الوطني الإفريقي«ANC» الذي أسسه نيلسون مانديلا لمقاومة الاستعمار، وقد درسنا خلال هذه الفترة بعناية تجربة الجزائر مع الاستعمار الفرنسي والتضحيات التي قدمها الجزائريون لتحرير بلادهم، وتوصلنا إلى قناعة أن المواجهة بيننا وبين الرجل الأبيض يمكن أن تكون أشد ضرارة، وأدركنا أن التضحيات المطلوبة، أكبر بكثير من الجزائر، وقد كنا على استعداد تام لذلك.

·       وكيف توصلتم إلى تلك القناعة؟

o     لقد كان الرجل الأبيض يملك كل شيء، ويتترس خلف ترسانة حديثة من الأسلحة، إضافة إلى ذلك- وهذا هو الأهم - فإنه تولدت لديه قناعة بأن البلاد ملك له، ولم يعد هناك شعور بأن الموجود استعمار وإنما استملاك للبلاد والبشر معًا، ولذلك فإن أي مقاومة كانت تقابل بدموية بالغة، وقد قتل المئات تحت التعذيب الدموي في زمن مانديلا. لكن قدر الله أن اتجهت الأمور نحو طريق السلم وصارت حركتنا أكثرالحركات سلميً،ا وتحقق التحرر عن طريق المسلم، وهو ما وفرعلينا تضحيات باهظة.

·       ما دور المسلمين في عملية التحرر الوطني؟ وكيف يتعامل حكم الرجل الأسود معكم؟

o     كان لهم دور كبير فقد كان عدد كبير من المسلمين مسجونين مع نيلسون مانديلا في سجنه، وقيادة حركة التحرير ضمت إلى جوار مانديلا عددًا من القيادات المسلمة مثل: إبراهيم إسماعيل عضو البرلمان الحالي،  وأحمد كادارا الذي يشغل منصبًا حكوميًا بارزًا. وقد استشهد البعض تحت التعذيب في السجن مثل: يوسف تيمور، ومحسن جينا. لقد كان المسلمون يشكلون جزءًا مهما في المجلس الوطني الإفريقي، ولذلك فإن نظام حكم الرجل الأسود وفاهم حقهم وأشركهم في السلطة، ومنح المسلمين كل الحرية في الدعوة والعبادة، ورغم أن تعداد المسلمين مليون مسلم فقط بين (٤٥) مليون هم إجمالي تعداد السكان، إلا أنهم يشغلون عددًا من المناصب المهمة مثل قادر إشمال الذي تبوأ منصب وزير التعليم، ووزيرالمواصلات عبدالله عمر، ووزير السياحة والبيئة فالي موسى، ووكيل وزارة الخارجية عزیز بهار، ويوسف بهار مستشار رئيس الدولة، وفاطمة مير، وهي من القيادات السياسية القريبة من نيلسون مانديلا.

·       ما تقييمك لعملية نقل السلطة من الرجل الأبيض إلى الرجل الأسود التي تمت قبل تسع سنوات؟

o     في عملية حضارية تتميز بالدقة والهدوء، وقد استفدنا فيها من تجارب الدول الإفريقية التي سبقتنا.

في دولة مثل زيمبابوي مثلًا، كان الرجل الأبيض الذي يمثل 1٪ فقط من الشعب، يملك ٩٥٪من الأرض، وقد قام الرئيس الزيمبابوي بتصحيح هذا الوضع بطريقة جذرية أشبه بالصدمة، وهو ما أغضب الغرب.. نعم موجابي كان على حق، لكنه كان من المفروض أن يدرك الأوضاع من حوله. وفي الدول الإفريقية الأخرى لم يتم الاتفاق على آلية واضحة لتصحيح الأوضاع ونقل الملكيات. أما نحن فقد استفدنا من تجارب الآخرين في التعامل مع هذا الملف، فعند عملية نقل السلطة تم الاتفاق على كل التفاصيل؛ لإعادة الأمور إلى نصابها، ووضعت قوانين صارمة لاستعادة الملكيات المسلوبة من الرجل الأسود مع تعويض الرجل الأبيض، وقد تم استرداد الملكيات بطريقة هادئة للسود وتراض مع البيض بعكس ما حدث في زيمبابوي، إذ جرت الأمور بطريقة تعسفية، وبدأ الرجل الأسود يحصل -وفق القوانين الجديدة- على كل أساسيات الحياة «الكهرباء، الماء، التعليم والدعاية الصحية» التي كانوا محرومين منها.  من ناحية أخرى - وذلك أمر مهم - فقد ظهرت بين السود عقب الاستقلال ظاهرة«متصالحية»، رجحت العفو عما سلف وقطعت الطريق على أي ممارسات انتظامية من الرجل الأبيض، هذا من جانب، ومن جانب آخر فقد تعامل النظام الجديد مع الرجل الأبيض، واختار ذوي الكفاءات المتميزة للمشاركة في إدارة البلاد، وهذا لم يشعر هذا الرجل بأي عداء، وشعر بأن له مكانًا في الدولة الجديدة، فلم يحدث خوف على الثروات ولا الأملاك، ولذا فإن(٩٠٪) من البيض مازالوا موجودين في البلاد ولم يهاجر سوی(۱۰٪) منهم.

·       عملية نقل السلطة من الرجل الأبيض والأسود.. ما انعكاساتها على مجمل الأوضاع خاصة الاقتصادية؟

o     هناك حالة عامة من الهدوء والرضا فقد تغير حالة الناس من مظلومين مقهورين إلى أحرار يمتلكون حق اختيار رئيسهم وبر أمانهم. هناك حالة من الاستقرار أدت إلى نمو اقتصادي ملحوظ، وتحسنت قيمة العملة مقابل الدولار، فبعد أن كان الدولار يساوي (۱۳) راند أصبح يساوي (7.5) راند، كما أن الضرائب بدأت تقف وبرامج المعونات للأرامل والكبار، آخذة في التزايد.

·       فيما يتعلق بالعمل الإسلامي والدعوة الإسلامية في جنوب إفريقيا... هل تتحرك بحرية؟

o     نعم... الحرية مكفولة للجميع، فنظام الحكم علماني يكفل لكل الديانات الحرية في الحركة والكلام عبر وسائل الإعلام دون أدنى مضايقة، هذا خلاف ما كان يجري في عهد الرجل الأبيض...، حيث كانت الدعوة الإسلامية تتعرض للمضايقات. لقد انطلقت الدعوة الإسلامية قبل ثلاثين عامًا، وحمل مشعلها الشيخ أحمد ديدات شفاه الله وعافاه ود. يوسف هير في مدينة جوهانسبرج، ود. داوود مال في مدينة ديربان، والإمام هارون في مدينة كيب تاون، والذي قتل على يد شرطة الرجل الأبيض بسبب نشاطه البارز في الدعوة الإسلامية بين السود.

·       أنتم حركة «الدعوة الإسلامية».. كيف ولدت حركتكم وفي أي المجالات تركزون دعوتكم؟

o     في عام (١٩٧٧م) كنت أقوم بعملي بإحدي القرى خطيب، وهناك عايشت الأطفال والناس جميعًا وأدركت من حواراتي وتعاملاتي اليومين أن الناس ليسوا بحاجة فقط إلى العلاج الطبي، وإنما يحتاجون إلى عقيدة وإلي علاج اجتماعي، وأيقنت أن الإسلام يمكن يوفر ذلك، فأسست الحركة بالتعاون مع أربعة من زملائي الأطباء بهدف:

-         دعوة غيرالمسلمين للإسلام.

وعلى امتداد ستة وعشرين عامًا  أصبح لنا (٢٥) مركزًا على امتداد البلاد، وهي وإن كانت صغيرة إلا أن نشاطها جيد والحمد لله، فالإقبال على الإسلام بصفة عامة كبير، وهناك ما لا يقل عن (٣٠) شخصًا يدخلون الإسلام شهريًا عن طريق جمعيتنا. ومن وسائلنا في الدعوة إلى الإسلام طباعة القرآن باللغة الإنجليزية واللغات الإفريقية، ونحن الآن بصدد طباعة القرآن بلغة «الكوزا» وهي قبيلة الزعيم نيلسون مانديلا.

·       إلى أي مدى تجدون قابلية الناس للإسلام في ظل الهجمة الشرسة حاليًا عليه؟

o     هناك قابلية كبيرة للتعرف على الإسلام خاصة من أصحاب المعتقدات الإفريقية غير المنتمية لأي دين، ولكن أزيد الأمر وضوحًا، فإن علي أن أبسط لك الخريطة الديموجرافية «السكانية» لجنوب إفريقيا:

عدد السكان (١٥) مليون نسمة منهم (35) مليونًا من الأفارقة السود، و (10) ملايين من البيض أوربيين وهنود وصينيون وغيرهم..، والرجل الأبيض وحده يمثل حوالى (10٪) من السكان أى حولي (5) ملايين، هذا من ناحية العرق، أما من ناحية الديانة فإن

 (60٪) من السكان نصاری و كاثوليك و بروتستانت.

و(10٪) ديانات متعددة من بينها الإسلام وتعداد المسلمين مليون نسمة فقط

و(30٪) معتقدات إفريقية، يمكن أن نقول عنها إنها قريبة من الإسلام.

·       كيف؟

o     يؤمنون –مثلًا- بالإله الواحد، ولكنهم يعتقدون أن أجدادهم وسطاء إلى الله، وتعد قبيلة الزولو «أكبر القبائل، وتعدادها (10) ملايين نسمة، وتليها قبيلة كوزا ب(7) ملايين نسمة»، مثالًا واضحًا على ذلك وتعبيراتهم الدينية بلغاتهم تؤكد ذلك ومنها عبارة:

ومعناها: ليس له «لله» مثيل   um velungonri

ومعناها: أعظم العظماء «الله»   un kulunkulu

ومن عاداتهم الختان، كما أن طقوسهم الدينية قريبة من الإسلام، ولذلك تركز دعوتنا بينهم وهم يتقبلونها بترحاب شديد.

·       إذا ليس لديكم معوقات ولا مضايقات؟

o     نعم... لكن ينقصنا الدعم حتى ينطق عملنا وينتشر، وبصراحة لا أدري.. هل يجب أن نتعرض لمحن ومشكلات حتى يشعر المسلمون بنا!!، إن باب العمل الإسلامي مفتوح، فلم لا يلتفت المسلمون إلى تلك النعمة؟.           

الرابط المختصر :