; ميتران.. والكيان الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان ميتران.. والكيان الصهيوني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

مشاهدات 93

نشر في العدد 1027

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 01-ديسمبر-1992

 أثارت زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران إلى الكيان الصهيوني يوم الأربعاء الماضي تكهنات كثيرة حول أسباب وأبعاد وتوقيت الزيارة التي تعتبر الثانية لميتران التي يقوم بها للكيان الصهيوني خلال فترة رئاسته لفرنسا حيث كانت زيارته الأولى عام ۱۹۸۲ قبل شهور قليلة من الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

 وكانت زيارة ميتران الأولى قد أعادت الحرارة إلى العلاقات الحميمة السابقة بين باريس والكيان الصهيوني بعد فترة البرود التي سببتها سياسة ديجول، حيث كان لفرنسا دور كبير ومساهمات واسعة في مرحلة تأسيس الكيان الصهيوني، وقد سعى ميتران لاستعادة العلاقة رغم (الحلف المقدس) بين أمريكا والكيان الصهيوني حتى يرد لليهود الفرنسيين الذين يدعموه وحزبه من البداية بعض ما لهم عليه، إلا أن قوة الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني خلال حكم ریجان وبوش لم تترك فرصة لباريس أو غيرها ليكون لها دور رائد أو علاقات مميزة مع الكيان الصهيوني، مما دفع ميتران أن يبقي الأمور حتى تلوح لها المناسبة، وذلك حتى لا يخسر العلاقات المميزة لباريس مع معظم الدول العربية.

 إلا أن رغبة ميتران في صناعة بعض الأمجاد الشخصية ولفت أنظار العالم من آن لآخر إلى سياسة باريس الخارجية ربما كان من الدوافع التي دفعته للقيام بهذه الزيارة مع باقي ما ذكرنا من قبل، يدعم هذا رغبته في اكتساب دور قيادي لبلاده في الشرق الأوسط بعد البداية المتوقعة لتآكل الموقف الدولي للولايات المتحدة بعد هزيمة جورج بوش الذي وصفه المراقبون بأنه كان أقوى رئيس أمريكي في الخارج منذ عقود، وبالتالي فإن الرئيس الأمريكي الجديد سيجد نفسه مقيدا بظروف بلاده الداخلية مما سيؤثر دون شك ولو تأثيرا بسيطا على قوتها ونفوذها الخارجي، ومن ثم فإنها فرصة ذهبية أمام باريس لتستعيد نفوذها في المنطقة عن طريق التواصل مع الكيان الصهيوني (حليفها القديم) والضغط على العرب حتى يستمروا في مسيرة المفاوضات والتطبيع مع الكيان الصهيوني.

وقد سبق ميتران زيارته ببعض الهدايا الثمينة التي قدمها للكيان الصهيوني وكان من أهمها تصريحه الذي دعا فيه الدول العربية إلى إنهاء مقاطعتها لإسرائيل ووصف المقاطعة العربية للكيان الصهيوني بأنها «لاأخلاقية وغير مقبولة»، وأكد أثناء افتتاح البيت الفرنسي الإسرائيلي في باريس أخيرًا على أن باريس ستقدم مشروعا إلى الدول الأوروبية لمعاقبة أي شركة أوروبية تلتزم بقرارات المقاطعة العربية، وبهذا يعتبر ميتران قد قدم للكيان الصهيوني أغلى مطالبه، وعلى هذا فقد رحب الإسرائيليون بميتران ووصفته المصادر الصهيونية بأنه «ضيف كريم لا تحتاج علاقاته الودية مع إسرائيل واهتماماته بأمنها وسلامها وصلاته الخاصة بالشعب اليهودي ومبادئه الدينية برهانًا». أما شيمون بيريز وزير خارجية الكيان الصهيوني فقد وصف زيارة ميتران بأنها ستسمح بالعودة إلى الصداقة الكبيرة التي كانت تربط بين فرنسا وإسرائيل والتي تقوم حاليا على العلاقات الاقتصادية وكانت في الماضي ترتكز على التعاون العسكري.

أما عن موقف ميتران من الأراضي العربية المحتلة والدولة الفلسطينية فقد امتدحه بيريز قائلا: «إن الرئيس ميتران صديق لإسرائيل والشعب اليهودي كما أنه لا يستعمل عبارة الأراضي المحتلة وإنما يفضل استخدام عبارة الأراضي الخاضعة للإدارة الإسرائيلية، ولا يتكلم عن قيام دولة فلسطينية، بل وطن فلسطيني، لأنه يفكر في احتمال قيام كونفدرالية أردنية فلسطينية».

ولعل تصريح بيريز الأخير يفسر سر زيارة ميتران للأردن في أعقاب زيارته للكيان الصهيوني مباشرة.

ولم يفت ميتران أن يرد على الود الصهيوني بأفضل منه فقال في أعقاب نزول طائرته إلى الأرض المحتلة: «وإني سعيد جدا لوجودي على هذه الأرض.. إن المجيء إلى إسرائيل ليس رحلة عادية.. إنها أحد الأماكن التي يتواصل فيها صنع تاريخ العالم والبشر».

 وأضاف قائلا: «إن الزيارة ستكون مناسبة لبحث عدد كبير من المسائل وخاصة تلك التي تفرضها علينا الأحداث الراهنة وإنني واثق من أننا سنستخلص منها عبرا مشتركة لمساعينا، إني أعلق أهمية كبرى على ما يجب أن نعمله معًا».

ولأن الجانب الاقتصادي هو أهم ما يشغل اهتمامات الكيان الصهيوني مع الجانب العسكري فقد حمل ميتران معه عددًا كبيرا من الوزراء ورجال الأعمال والصناعيين الفرنسيين الذي وصل عددهم إلى ١٥٠ شخصا يحملون للكيان الصهيوني عشرات المشروعات والاتفاقيات الاقتصادية أهمها إحياء خط السكك الحديدية القديم الذي كان يربط دول المنطقة في عهد الدولة العثمانية والبدء بإحياء الخط داخل فلسطين المحتلة بين تل أبيب وحيفا وإنشاء خط جديد من تل أبيب إلى ميناء إيلات المطل على البحر الأحمر على أن تستكمل الخطة مع التطبيق المزمع للعلاقات بين العرب والكيان الصهيوني ليصل إلى بيروت وطرطوس في سوريا، وهذا ما يحلم به اليهود ويتمنون تمامه اليوم قبل الغد.

إن مواقف ميتران المعلنة والداعمة للكيان الصهيوني سواء ما يتعلق منها بموقفه من الأراضي العربية المحتلة أو من الدولة الفلسطينية أو المقاطعة العربية أو دعم باريس الاقتصادي هي هدايا ثمينة قدمها ميتران للكيان الصهيوني، لكن الهدية الأكبر من ذلك هو تحسين صورة إسرائيل في الخارج ومنحها صدقية أمام العالم في ادعاءاتها الزائفة بالرغبة في السلام في الوقت الذي يذبحون فيه أبناء فلسطين ويواصلون كل يوم خططهم التوسعية في الأراضي العربية ويواصلون هجماتهم ومطامعهم في جنوب لبنان.

إننا لا نستطيع أن نفصل بين أهداف زيارة ميتران الأخيرة للكيان الصهيوني وزيارته في شهر يونيو الماضي إلى سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك حيث يربط كلتا الزيارتين رابط واحد هو أنهما كانتا ضد مصالح العرب والمسلمين.

وقد سبق لنا أن ذكرنا على صفحات المجتمع كيف سببت زيارة میتران لسراييفو مكاسب للصرب لا حصر لها غيرت مسار المعركة وساعدت على استمرار مسلسل الإبادة القائم ضد المسلمين في البوسنة والهرسك حتى الآن، ونستطيع أن نؤكد هنا على أن زيارته للكيان الصهيوني قد حملت مكاسب طويلة الأمد لليهود لا تقل عن المكاسب التي قدمها للصرب.

الواقع وإدراكه يقود دائمًا إلى الحقائق التي ربما يغمض البعض عيونهم عنها، لكن الواقع دائما يفرض نفسه دائما حتى على الهاربين منه.. فمتى يدرك العرب واقعهم ويعملون لمصلحة من يعمل بوش أو كلينتون أو ميجور أو میتران؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1134

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

133

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال