العنوان مياه النيل التي تترقبها إسرائيل بعد كامب ديفيد
الكاتب فتحي شهاب الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994
مشاهدات 74
نشر في العدد 1103
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 14-يونيو-1994
·
إذا حققت
إسرائيل مطامعها في المياه العربية فإنها تستطيع أن تحشد جيشًا يقدر بمليون جندي
إسرائيلي في عام 2000
طرحت أزمة المياه في المنطقة العربية نفسها
بقوة خلال السنوات الأخيرة كما لم يحدث من قبل، وتصاعد الحديث عن هذه الأزمة مع
تقدم الحركة السياسية في اتجاه تسوية الصراع العربي الإسرائيلي بدءًا من محادثات
كامب ديفيد، إلى مؤتمر السلام بمدريد، وأخيرًا كبند رئيسي على جدول أعمال
المفاوضات المتعددة الأطراف، وإذا كان الصراع على المياه هو سمة المرحلة القادمة،
فإننا نقول إن الصراع على المياه كان عاملًا أساسيًا في كل الحروب السابقة.
- فالعدوان
الثلاثي على مصر عام 1956 جاء بعد فشل المبعوث الأمريكي جونستون في تحقيق
مهمته حول تقسيم المياه في المنطقة.
- وحرب
1967 جاءت بعد محاولة العرب تنفيذ مشروعهم لاستثمار مياه نهر الأردن عقب قمة
القاهرة عام 1964.
- وغزو
لبنان عام 1982 جاء للسيطرة على نهر الليطاني.
لقد بدأت مقدمات أزمة المياه في المنطقة منذ العشرينيات
من هذا القرن، وبدأت نتائجها في الظهور على جبهات ومحاور متعددة- فعلى الفرات
محور، وعلى النيل محور، وفي لبنان محور، وفي الأردن محور، وعلى الجانب الآخر يستعد
اليهود للإمساك بجميع الخيوط لحسم المعركة النهائية، وتحقيق الحلم التوراتي
المرفوع على الكنيست الإسرائيلي «من النيل إلى الفرات ملكك يا إسرائيل»، وسنركز
هنا على محور هام هو: المحور الإسرائيلي المصري، وما تمخضت عنه محادثات كامب ديفيد
من إنشاء ترعة السلام المصرية لتزويد النقب الإسرائيلي بالمياه.
كامب ديفيد والمياه
لم يكن غريبًا على أحد ورود قضية المياه ضمن
القضايا التي تم مناقشتها في محادثات «كامب ديفيد»؛ نظرًا لأن إسرائيل تولي قضية
المياه اهتمامًا خاصًا من عام 1903، وكان آخر عرض عام 1974 الذي قدمه خبير المياه
الإسرائيلي «أليشع كيلي» خريج معهد التخنيون، ومدير تخطيط المياه بشركة المياه
القطرية الإسرائيلية «تاحال» وصاحب فكرة بيع مياه النيل لإسرائيل عن طريق نقلها
إلى سيناء، ومنها إلى النقب في مشروعه المسمى «مياه السلام» حيث قام بتقديمه
للجانب المصري في المحادثات، وبناء عليه عرض الرئيس السادات بالفعل على مناحم بيجن
رئيس الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت توصيل مياه النيل لإسرائيل عبر سيناء إثر
تعثر المفاوضات الدائرة حول الحكم الذاتي نتيجة قرار الكنيست بضم القدس الشرقية
لإسرائيل، وإعلان القدس عاصمة موحدة، ولعل من المفيد أن نورد الفقرة التالية من
رسالة السادات إلى بيجن التي جاء فيها: «ولعلك تذكر أيضًا أنني عرضت أن أمدكم
بمياه يمكن أن تصل إلى القدس مارة عبر النقب حتى أسهل عليكم بناء أحياء جديدة
للمستوطنين في أرضكم، ولكنك أسأت فهم الفكرة وراء اقتراحي، وقلت إن التطلعات
الوطنية لشعبكم غير مطروحة للبيع»!
وبالرغم من رد بيجن الذي قال فيه: «يجب أن
نفرق دائمًا بين القيم التاريخية والخلقية مثل القدس، وبين النواحي المادية،
فلنفصل بين الموضوعين: القدس من ناحية، وماء النيل للنقب من ناحية أخرى» فقد عاد
الرئيس السادات يؤكد عرضه مرة أخرى في رسالته الثانية قائلًا: «وقد ذهبنا إلى حد
أن نعرض عليكم شريان الحياة -مياه النيل- إذا نجحنا في التوصل إلى حل لمشكلة القدس
والمستوطنات».
لقد قام كيلي بتطوير مشروعه عام 1986 تحت
عنوان: «خطة مياه الشرق الأوسط في ظل السلام» ضمن أعمال صندوق «أرماند هامر»
للتعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط على أساس أن مياه النيل في مصر يضيع جزء كبير
منها في البحر المتوسط هباء دون استغلال، بينما تعاني إسرائيل من نقص مواردها
المائية، وأن مصر تبدد سنويًا 10 مليارات م3 من المياه بسبب سوء الاستخدام
والتفريط في المياه إلى البحر المتوسط، وأن كل مشكلة المياه في إسرائيل لا تحتاج
إلى أكثر من 1% من مياه النيل سنويًا (0.8 مليار م3 في السنة من حوالي 80 مليار
م3).
وهكذا صاغ «كيلي» مشروعه بطريقة إعلامية
للتهوين من الكمية والتقليل من حجمها؛ حيث إن مصر كلها تحصل طبقًا لاتفاقية 1929
على 55.5 مليار م3، وإن هذه الكمية لا تكفي سكان مصر نظرًا لتزايد أعداد السكان
بصورة كبيرة، وقد نشر «كيلي» مشروعه في كتاب «المياه والسلام» على أساس نقل المياه
بواسطة أنابيب تحت قناة السويس بجانب الإسماعيلية، وفي الجانب الآخر تصب المياه في
قناة مبطنة بالخرسانة تقع في الشمال الغربي بالقرب من طريق العريش القنطرة، ومن
هناك تسير بمحاذاة طريق غزة- العريش حتى خان يونس، وهناك من خان يونس تتشعب في
اتجاه بئر سبع، وبهذا تكون القناة من الإسماعيلية إلى خان يونس بكل تفرعاتها 250
كيلو مترًا، وأيضًا اتصال ترعة السلام بشبكة المياه الإسرائيلية عند دير ياسين،
والتي تعكس أمرًا بالغ الأهمية، وهو أن ما يقترحه «أليشع» ليس مجرد عرض المشروع،
ولكنه يعرض الجزء المكمل لخطة المياه الإسرائيلية؛ حيث إن شبكة المياه تم تنفيذها
بالفعل منذ عام 1980 بطاقة تخزين 4.5 مليار م3 من المياه المتوفر منها حاليًا 1.8
مليار م3، وتبلغ كمية المياه التي تصل إلى إسرائيل حوالي 100 مليون م3 سنويًا إذا
ما اقتصرت فقط على قطاع غزة، وبين 500 مليون م3 في حالة تزويد النقب.
أما عن الأخطار الناجمة عن تنفيذ
هذا المشروع فيمكن إيجازها فيما يلي:
1- إذا حصلت إسرائيل على ما تريده من المياه
من مصر فسوف يزيد من قدرتها على زراعة 2.16 مليون دونم من الأرض؛ أي إضافة 1.27
مليون فدان، وهذا سوف يرفع من مقدرة إسرائيل على استيعاب مهاجرين جدد يقدر عددهم
بحوالي 1.6 مليون نسمة دون ضغط إضافي على مواردها.
2- ستتمكن إسرائيل من حشد جيش يقدر بمليون
جندي عام 2000 بمساعدة كميات المياه التي ستحصل عليها، وذلك بالوضع في الاعتبار
معدلات التعبئة العامة العالية في إسرائيل، والتي تصل إلى 11%، وفي هذه الحالة
ستزداد إسرائيل قوة وميلًا للاعتداء للحصول على مزيد من المياه.
3- وصول المياه إلى النقب يعطي له الحق في أن
يصبح جزءًا من وادي النيل، يعتمد عليه اليهود في معيشتهم، ولا يمكن إيقافه بعد
ذلك.
4- توصيل مياه النيل إلى إسرائيل يفتح الباب
واسعًا أمام دول حوض النيل للتصرف بالمثل، وبذلك تفتح مصر بابًا قد يصبح قاتلًا
لها في المستقبل غير البعيد.
فهل تعيد مصر حساباتها من جديد، وتحافظ على
مياه النيل؟
(*) باحث مصري متخصص في شؤون
المياه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل