العنوان مياه الفرات- وقود حرب قادمة بين تركيا وبين سوريا وإيران والعراق
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994
مشاهدات 74
نشر في العدد 1103
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 14-يونيو-1994
·
الحرب
على المياه يمكن أن تندلع خلال ست سنوات وتحديدًا قبل بداية القرن القادم.
·
وزير
الخارجية التركي حكمت شتين لـ"المجتمع": إن أنقرة ترى أن المياه المجتازة
هي وسيلة تعاون ولن نستعملها كعنصر ضغط ونحن نرفض مطالب الدول العربية بتقسيم
المياه.
وفقًا لتفاصيل سيناريو الحرب القادمة الذي
أعدته مؤسسة «راند» العاملة في مجال الدراسات الإستراتيجية لصالح وزارة الدفاع
الأمريكية في سبتمبر 1994، فإن تركيا ستكون في حاجة إلى دعم عسكري أمريكي أو من
الحلف الأطلنطي «الناتو» قريبًا مع احتمالات شن هجوم عراقي سوري- إيراني مشترك
للسيطرة على منابع مياه الفرات.
ويشير السيناريو بأنه وبسبب أزمة المياه
ستهاجم كل من العراق وسوريا وإيران الأراضي التركية بقوات مشتركة من منطقتي
الإسكندرية ووادي دجلة والفرات، وستصل هذه القوات إلى سد أتاتورك وسط تقهقر القوات
التركية المتمركزة في المنطقة بسبب عدم وجود قوات كافية لمواجهة الهجوم المشترك
الذي قد يتكون من 15 إلى 20 فرقة بالإضافة إلى مئات الطائرات.
وستواصل القوات العراقية السورية تقدمها حتى
السيطرة على منابع المياه مما يتحتم معه تقديم القوات الأمريكية دعمًا لتركيا
بناءً على اتفاقيات حلف الناتو التي تنص على ذلك في حالة تعرض تركيا لهجوم من
الجنوب أو الشرق مما يلزم معه إشراك 750 طائرة أمريكية من حلف الناتو للاشتراك مع
تركيا حتى يمكن القضاء على القوات المهاجمة إلى ما وراء الحدود.
وهذا السيناريو يتفق مع تنبؤات مركز الدراسات
الاستراتيجية والدولية في واشنطن التي نشرت في تقرير له عام 1988 يقول: "إن
الشرق الأوسط يقف على حافة أزمة كبرى من أزمات الموارد الطبيعية، وقبل أن يبدأ
القرن الواحد والعشرون يمكن للصراع حول الموارد المائية المحدودة والمهدرة أن تمزق
الروابط القائمة فعليًّا بين دول المنطقة وتؤدي إلى اضطراب لم يسبق له مثيل في هذه
المنطقة".
الصراع حول المياه وصلته بأنبوب
السلام
وهذا ما أشارت إليه أيضًا اللجنة الاقتصادية
والاجتماعية لغربي آسيا في اجتماعها الذي عقد في دمشق في نوفمبر 1989 حيث أكدت
أوراق الاجتماع بأن المنطقة ستواجه نقصًا سنويًّا في المياه مقداره مائة ألف مليون
متر مكعب سنويًّا نهاية القرن العشرين الحالي، وبالتالي فإن قول «قمران إينان»
وزير الدولة التركي السابق الذي كان مسؤولًا عن مشروع «الجاب» جنوب شرق الأناضول
الذي يتلخص في أنه ستصبح للمياه قريبًا قيمة أكثر من تلك التي للنفط لأن المياه
عنصر نادر جدًّا في بلدان الشرق الأوسط الخمس عشرة يعتبر قولًا قريبًا من الحقيقة.
فالمياه المتدفقة من الأراضي التركية لكل من
العراق وسوريا تحمل عناصر الحرب والدمار مثلما يمكن أن تكون جسرًا للسلام، إلا أن
عدم توقيع معاهدة حتى الآن حول تقسيم أو حتى تخصيص المياه بين تركيا وجاراتها
العربية يمكن أن يساهم في إشعال الحروب رغم أن تركيا أبدت حسن نيتها بمشروع أنبوب
مياه السلام الذي يرتكز على نقل الفائض المائي التركي إلى دول الجزيرة العربية عبر
أنابيب تمتد إلى 6500 كيلو متر تنقسم إلى خطين: الخط الغربي يمتد جنوبًا عبر سوريا
والأردن إلى شاطئ البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية، والخط الشرقي يقطع
سوريا وينقل المياه إلى المنطقة الشرقية بالسعودية وقطر والإمارات والبحرين. وذلك
بكلفة 21 مليار دولار، حيث ستنقل مياه نهري سيحون وجيحون اللذين يصبان في البحر
المتوسط قرب الحدود السورية عبر ذلك الأنبوب الذي تعثر لأسباب اقتصادية وسياسية
وإن كانت الأخيرة هي الأكثر تأثيرًا خاصة وسط بعض التصريحات التركية التي تلمح إلى
أن لورقة المياه تأثيرها السياسي، خاصة وأن تركيا ما زالت ترفض حتى هذه اللحظة
توقيع اتفاقية المياه مع سوريا والعراق وتواصل تنفيذ مشروع الجاب العملاق الذي
يتضمن 21 سدًا و17 مجموعة توليد كهربائية على الفرات ودجلة وروافدهما حيث من
المقرر أن يروي المشروع أكثر من 1.7 مليون هكتار من الأراضي القاحلة وقليلة
الارتواء بالإضافة إلى الحصول على طاقة كهربائية بمقدار 25 ألف جيجا واط سنويًّا،
وهذا المشروع سيؤثر بدون شك على حق سوريا والعراق المائي.
حوض الفرات
والصراع التركي - العربي المحتمل يدور حول
مياه الفرات بشكل خاص والذي ينبع من هضبة الأناضول التي كانت جزءًا من سوريا نفسها
حتى عام 1936 وتقع بين جبال طوروس شمالًا والحدود السورية جنوبًا وتبلغ مساحتها 74
ألف كيلو متر مربع أي 7.6 مليون هكتار وتشكل حاليًا 10% من الأراضي التركية وتساوي
14.3% من الأراضي المزروعة في الوطن العربي ويضم شبه مستطيل الأناضول الخزان
الحيوي لمياه الشرق الأوسط.
ويتكون الفرات من نهري قرة صو بطول 400 كلم
ومراد صو بطول 600 كلم حيث يلتقيان في حوض ملتبة، وتضم الأراضي التركية الوادي
الأعلى للفرات ويشكل 27.4% من مساحة حوض الفرات الكلية وهي 444 ألف كيلو متر مربع
أي 442 كيلو متر وهو طول النهر في الأراضي التركية، والوارد السنوي لمياه النهر في
تركيا 19 مليار متر مكعب في السنة.
أما الوادي الأوسط للفرات في سوريا ويمثل 16%
من حوض الفرات بطول 675 كيلو مترًا من طول النهر البالغ 2330 كلم وذلك بوارد سنوي
عند الحدود السورية يبلغ 25 مليار متر مكعب ولنهر الفرات رافدان أساسيان في سوريا،
هما نهر البليخ والثاني هو نهر الخابور، والوادي الأدنى لنهر الفرات في العراق
يشكل 46.3% من الحجم الكلي لحوض الفرات وطول النهر في العراق 1213 كيلو مترًا
والوارد السنوي على الحدود العراقية 27 مليار متر مكعب، وعلى الرغم من أن أطول
مسافة لنهر الفرات تقع في العراق إلا أنه يحصل على 8.6 مليار متر مكعب سنويًّا أي
33.4% من مياه الفرات، وستكون احتياجاته مع عام 2000 أي بعد 6 سنوات فقط عشرة
مليارات متر مكعب أي 38.4% من الوارد المائي للنهر، وهو ما ترفضه تركيا وتعمل على
تقليص المياه أصلًا وعلى أن يتم اقتسام المياه بعد دخولها الأراضي السورية وليست
من المنابع داخل تركيا، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى صراع سوري في حالة حدوثه.
وبالنسبة لسوريا فرغم أن حاجتها الفعلية من
المياه 7 مليارات متر مكعب وهو حقها المائي فإنها لا تحصل إلا على 4.4 مليار متر
مكعب من المياه أي 16.9% رغم أن النهر يجري في مسافة أطول من الأراضي التركية،
وستكون حاجتها السنوية بعد 6 سنوات 13.4 مليار متر مكعب، وهذا يعني ببساطة أنه بعد
6 سنوات فقط ستكون كل من سوريا والعراق في حاجة لـ 24 مليار متر مكعب من مياه
الفرات أي بنسبة 89.9% وترك 10.1% لتركيا، وإذا علمنا أنه بعد انتهاء مشروع الجاب
والمتوقع عام 2010 فإنه لن يبقى للعراق وسوريا أكثر من 13 مليار متر مكعب بدلًا من
الكمية الحالية، أي إن الحصة التركية ستكون بزيادة على 400% من الحصة المقررة
وفقًا للقوانين الدولية من وجهة النظر العربية.
وجهة النظر التركية
ويلخص حكمت شتين وزير الخارجية التركي وجهة
النظر التركية حول المياه لمراسل «المجتمع» بأن أنقرة ترى أن المياه المجتازة هي
وسيلة تعاون وأنه لم ولن تستعمل كعنصر ضغط. إلا أنه طبقًا للموقف المائي حاليًا
ومستقبلًا فإنه يجب التعاون وتطوير عمليات الري، حيث تشير الإحصائية التالية
لمقدار نصيب الفرد سنويًّا من المياه.
|
الدولة |
عام 1993 |
عام 2000 |
|
الدول الغنية |
10,000 متر مكعب |
8 آلاف متر مكعب |
|
تركيا |
1890 متر مكعب |
890 متر مكعب |
|
سوريا |
1420 متر مكعب |
780 متر مكعب |
|
العراق |
2110 متر مكعب |
950 متر مكعب |
|
فلسطين المحتلة |
300 متر مكعب |
150 متر مكعب |
|
الأردن |
350 متر مكعب |
90 متر مكعب |
وبإلقاء النظرة على كمية المياه التي تخص
الفرد في الدول الغنية بالمياه نجدها عشرة آلاف متر مكعب، بينما نجد أن منابع
المياه للدول الثلاثة غير كافية مما يحتم ضرورة استعمال هذا المنبع بشكل اقتصادي،
ولذلك فإن تركيا تقترح التعاون مع سوريا والعراق على أساس تثبيت مقدار الأراضي
المروية في الدول الثلاث، ثم تحديد كمية المياه القابلة للاستعمال في تلك الدول مع
تخصيص المياه الموجودة بشكل عادل بين الدول الثلاث إلا أن سوريا والعراق لم يقبلا
هذا الاقتراح وبدلًا من التحديد المشترك لمنابع المياه في الأراضي المروية في
الدولتين أظهرتا أرقامًا غير ملموسة ويريدان من تركيا قبولها كأنها أرقام حقيقية
وهو ما لا يمكن قبوله ولذلك تحاول إقناعهما لقبول اقتراحها.
وتركيا تعطي سوريا 500 متر مكعب في الثانية
منذ بروتوكول 1987 وعندما انخفضت سرعة التدفق إلى 150 مترًا مكعبًا في الثانية في
حوض الفرات عوضت تركيا ذلك النقص من خزانات سدي قبان وقره قايا، على الرغم من أنه
لو أعطت تركيا كمية التدفق الطبيعي آنذاك أي الـ 150 مترًا مكعبًا في الثانية ما
كانت سوريا والعراق ستعاتبان تركيا، وكانتا قد رفضتا إقامة السدين اللذين أنقذاهما
من الجفاف في بعض الأوقات فإذا استخدمت تركيا المياه كأداة للتوتر فإن تركيا
ستتضرر أيضًا.
وأضاف وزير الخارجية التركي أنه في المباحثات
التي أجريت في موضوع تخصيص مياه الفرات فإن تركيا أوضحت أنه من الخطأ الوقوف على
مياه الفرات فقط، وترى أنه يجب أن يتم معاملة الفرات ودجلة على شكل حوض واحد، لأن
الفرات لن يكون كافيًّا لسد احتياجات الدول الثلاث، ولهذا يجب تقويته من نهر دجلة
كي نستطيع تلبية احتياجات الدول الثلاث بشكل مناسب.
وبالطبع فإن وزير الخارجية التركي لا يوافق
على مبدأ تقسيم المياه الذي تطالب به الدول العربية، لذا فإنه استخدم كلمة التخصيص
حيث إن هناك اختلافًا أصلًا في تعريف «نهر الفرات» حيث تراه تركيا نهرًا داخليًّا
يجتاز الحدود عكس ما تراه العراق وسوريا بأنه من الأنهار الدولية، ويصر الخبراء
الأتراك على أن الـ 500 متر مكعب في الثانية التي يسمح بها عند الحدود السورية
تعتبر زائدة عن الاحتياجات السورية وأنها تستخدم فقط 70% منها.
وفي مقال له بجريدة «صباح» -أكثر الصحف
التركية توزيعًا- أكد المعلق البارز محمد علي بيراند في مقالة له يوم 4 / 8 / 1992
على أن تركيا كانت تخلف وعدها مع سوريا وقال: «وإذا كنا أكدنا على ذلك في أذهاننا
حيث منحنا الضمان في مجال الماء، ولكن خالفنا وعدنا أحيانًا بسبب ظروف خارجة عن
إرادتنا أحيانًا، وبسبب غضبنا على سوريا، وبسبب البيروقراطية في أحيان أخرى».
أسباب توتر العلاقات التركية
السورية
يرجع التوتر في العلاقات التركية السورية إلى
عدم تنفيذ الوعود التركية بعمل اتفاقية للمياه رغم أنه كان آخر تعهد قطعه سليمان
دميريل -عندما كان رئيسًا للوزراء- أثناء زيارته لسوريا في العام الماضي حيث قال:
إنه مع نهاية العام الحالي -يقصد 1993- سيتم التوصل إلى الاتفاقية.
وتستند سوريا إلى نص البروتوكول الموقع بين
تورغوت أوزال رئيس الوزراء التركي آنذاك مع سوريا عام 1987 الذي يقول: تتعهد تركيا
بتسييل 500 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات لسوريا إلى حين يتم عمل اتفاقية،
وهو ما يعني موافقة ضمنية على توقيع اتفاقية لتقسيم المياه حيث تصر سوريا على
تسييل 666 مترًا مكعبًا في الثانية (أي ثلثي إيراد النهر) وهو ما ترفضه أنقرة رغم
انتهاء اللجنة الخاصة بدراسة الموضوع من عملها الذي أكدت فيه على أنه بعد تنفيذ
مشروعات المياه والسدود ومع احتمالات الأحوال الجوية السيئة فإنه من الممكن إعطاء
سوريا 350 مترًا مكعبًا من المياه في الثانية كحد أدنى وإنه من الناحية الفنية
يمكن إعطاء سوريا ضمانًا مائيًّا لسنوات طويلة.
وكان حكمت شتين وزير الخارجية التركي قد أدلى
بتصريحات صحفية في سبتمبر الماضي أوضح فيها عدم اعتراضه على توقيع اتفاقية مع
سوريا حول المياه بشرط أن تكون لمدة محددة سلفًا لمدة 20 سنة مثلًا.
وكان محمد جولان وزير الدولة التركي قد صرح في
أغسطس الماضي بأنه يتمنى عمل اتفاقيات مشابهة للاتفاقية البلغارية التركية بين
تركيا وجيرانها حول المياه ملمحًا بذلك إلى سوريا والعراق، حيث كانت بلغاريا قد
اتفقت مع تركيا على بيع مياه نهر "مريتش" أحد روافد نهر التونة الممتد
لمسافة 212 كيلو مترًا على الحدود التركية– البلغارية ويروي منطقة تراقيا التركية،
وذلك بأن تدفع أنقرة 4 ملايين و328 ألف دولار لبلغاريا نظير تسييل 2.6 مليون متر
مكعب من مياه نهر التونة أي 12 سنتًا مقابل كل متر مكعب، إلا أن ذلك الاتجاه لم
يلق التجاوب اللازم إلا أنه يشير إلى الرغبة التركية في الاستفادة من المياه لأقصى
درجة اقتصادية.
وكان "جونش حورسيلر" المستشار الخاص
لمراد قره يلتشين مساعد رئيس الوزراء المسؤول عن ملف المياه قد أعد دراسة
استراتيجية هامة تهدف لإقامة بنية أمنية اقتصادية بين كل من تركيا وسوريا والعراق
تعتمد على أساس الوحدة المائية، وذلك بتنفيذ برامج ري وزراعة مشترك واتباع سياسة
طاقة موحدة والعمل على الاستفادة القصوى من المياه في توليد الطاقة مع وقف عملية
الإسراف المائي الحالية ووقف الزيادة السكانية للحد من الطلب على المياه، والتعاون
في مواجهة عمليات التصنيع والمدنية غير المنتظمة، وعلى تلك الأرضية يمكن عمل منظمة
تعاون أمني واقتصادي بين تلك الوحدة المائية التي ترتبط مصيريًّا بنهري دجلة
والفرات، وستصبح التنمية عنصرًا مهمًّا في مقاومة الإرهاب، كما أن البنية السياسية
الجديدة التي ستقام على أساس المصير المشترك لدول دجلة والفرات يمكن أن تكون
عنصرًا مهمًّا وفعالًا في الشرق الأوسط لمواجهة الاتحاد الأوروبي، حيث إن تركيا
تملك مصادر المياه المهمة في الشرق الأوسط مما يزيد من ثقلها ويضع على عاتقها أخذ
المبادرة، ولكن ذلك لا يكون عبر إعلان التحكم في المياه ولكن باستخدامها كعنصر
سلام عامل للتعاون الإقليمي، يمكن من خلاله إقامة وحدة مائية في الشرق الأوسط
وبالتالي يمكن منع الحروب المحتملة حول منابع المياه مستقبلًا.
تركيا ترفض تقسيم المياه
ورغم ذلك الاقتراح الهام الذي نوهت الصحف
التركية في نوفمبر الماضي إليه، ورغم انتهاء اللجنة الخاصة بوضع أسس اتفاقية
المياه، فإن تركيا لا تريد عقد اتفاقية مياه مع أحد.. على حد تعبير المعلق البارز
محمد علي بيراند المقرب من أجهزة صنع القرار التركي، ففي مقال له تحت هذا العنوان
نشر في «صباح» يوم 12 / 2 / 1992 أكد فيه أنه نتيجة لمناقشات مكثفة مع مسؤولين على
مستوى عال في وزارة الخارجية التركية يتولون ملف المياه، توصل إلى أنه رغم إعطاء
الآمال لدول المنطقة، وعلى رأسها سوريا وكذلك العراق، بعمل اتفاقية المياه فإن ذلك
لن يتم، فإذا كان ليس لنا حق الادعاء ببترولهم، فهم أيضًا ليس لهم حق الادعاء
بمياهنا النابعة من أرضنا، وبالتالي لا مكان لموضوع تقسيم المياه مع آخرين
واستمرار تسييل المياه لسوريا وفق بروتوكول 1987، وإنه إذا كانت تركيا لا تستخدم
القسم الأكبر للمياه النابعة من أراضيها فإن هناك 173 مليار متر مكعب تصب في البحر،
إلا أن هذا الموقف سيتغير بعد 30-40 سنة، وبالتالي فإن عقد أي اتفاقية اليوم يمكن
أن توصف بالتقييد أو بالتحديد من خلال مفهوم تقسيم مياه الأجيال المقبلة، فإنها
ستفتح طريقًا لعدم تفاهم أكثر جدلًا في المستقبل.
وأضاف: وإذا كان البترول يمكنه إعاشة الناس..
إلا أنه بدون مياه لا توجد حياة، كما أن اتفاقية السلام العربي- الإسرائيلي غيرت
كل شيء وستفتح الطريق واسعًا أمام توازنات أخرى بعد فترة وستعطي قوة اقتصادية كبرى
للدول التي في يدها المياه.. وبالتالي سيكون خطأ كبيرًا توقيعُ اتفاقية في هذه
الفترة التي لا نرى فيها بشكل تام وواضح الموقف المستقبلي.
وقال: وطبقًا للتطورات التكنولوجية فإنه بعد
فترة سيمكن ري الأراضي التي تروى بـ 500 متر مكعب في الثانية اليوم بنصف الكمية
مستقبلًا، وبالتالي فإن تهديد الاتفاقية بأرقام الآن ستدفعنا إلى إعطاء مياه أكثر
من احتياجات الدول الأخرى، هذا هو قرار أنقرة الذي استشفته من مناقشاتي المتعددة،
فلنرى ماذا ستفعل سوريا في الفترة المقبلة؛ هل ستغير موقفها؟ وإذا غيرت فإلى أي
اتجاه ستسير؟
وتنبع أهمية المقال من أن كاتبه مقرب من صناع
القرار ومعظم كتاباته تستهدف إبلاغ رسالة للآخرين وقياس ردود الفعل قبل الإقدام
على اتخاذ أي قرار.
المبادئ التي تحكم تقسيم المياه
وما يزيد المشكلة تعقيدًا عدم وجود قوانين
ثابتة لموضوع الحقوق في المياه، فهناك مبدأ هارمون (أرض المنبع) الذي استخدمه
جودسون هارمون النائب العام الأمريكي أثناء النزاع الأمريكي- المكسيكي على نهر ريو
جراند عام 1895، وينص على أن الدولة التي يقع مصدر المياه داخل أراضيها هي التي
تتحكم في تقسيم المياه، وهذا المبدأ يفيد تركيا والصهاينة بالنسبة للمياه المتجهة
إلى سوريا والعراق وإلى الأراضي المحتلة عام 1948.
وهناك مبدأ «الاستخدام التاريخي للمياه» وهو
ما تنتهجه مصر بالنسبة للنيل ويمكن أن تستخدمه سوريا والعراق أيضًا حيث إنهما
يستخدمان دجلة والفرات قبل ظهور تركيا الحديثة أصلًا، وإن كانت تركيا تستفيد مقابل
ذلك من مبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، الذي يرى إمكانية سيطرة دولة على المياه من مصدر
مستحق بشرط عدم الإضرار بالآخرين على المجرى الأسفل مما يعطي قانونية لمطالبة
تركيا بمياه الفرات عندما لا تعاني سوريا والعراق من انخفاض حصتهما.
إلا أن مبدأ هلسنكي الخاص بالحصص المتساوية
للمياه وفق تحديد حقوق الدول في المياه من مصدر مشترك ووفقًا للاستخدام التاريخي
والحالي والحاجات الحالية والمستقبلية وإمكانية التوصل إلى مصادر بديلة وهو المبدأ
الأكثر منطقية يمكن أن يفيد سوريا والعراق أيضًا.
وبالتالي فإن هناك تساويًا بين تركيا وسوريا
والعراق في الاستفادة من المبادئ الأربعة، فما المانع إذن من توقيع اتفاقية المياه
معهما والتي قد تساهم في إحياء مشروع خط أنبوب السلام بنقل مياه من نهري سيحون
وجيحون إلى سوريا والأردن والعدو الصهيوني ودول الخليج بمقدار 2.6 مليار جالون
يوميًّا (9.8 مليون لتر) تكفي حوالي 15 مليون نسمة، على الرغم من أن عيزرا وايزمان
رئيس الكيان الصهيوني كان قد أعلن على شاشة «قناة D» التركية يوم الجمعة 21 / 1 / 1994م أن على تركيا وضع حد لمشكلة
المياه مع سوريا لأن ذلك سيقلل من الضغوط السورية والأردنية على «إسرائيل» بسبب
سيطرتهما على نهر اليرموك.
كما أن شيمون بيريز وزير الخارجية الصهيوني
كان قد شدد أثناء زيارته لتركيا مؤخرًا على ضرورة التوصل إلى اتفاقية مع سوريا
والعراق حول المياه ليساهم ذلك في إنهاء حالة التوتر في المنطقة وليمكن إقامة
البنية الإقليمية المقترحة الخاصة بمنظمة التعاون والأمن الشرق أوسطي، كما أنه
سيزيل العقبات أمام أنبوب السلام الذي سيربط «إسرائيل» بالدول العربية عبر حمل
المياه التركية ويساهم بذلك في التقارب المنشود.
وجدير بالذكر أن الكيان الصهيوني سيستفيد من
مشروع بيع مياه نهر «منافجات» الذي تقرر في أبريل 1992 ويلبي احتياجات الدول
الخارجية والحاجات الداخلية، ووقعت «إسرائيل» على اتفاقية للحصول على مياه من خلال
هذا المشروع الذي ينتهي أواخر العام المقبل 1995 حيث ستنقل المياه في خزانات ضخمة
تطفو على سطح الماء ويتم جرها بالسفن إلى المنطقة المطلوبة.
وإذا كانت التصريحات الصهيونية تصب في ظاهرها في صالح الدول العربية بالنسبة لضرورة عقد الاتفاقية، فإن الأصابع الصهيونية الخبيثة عاملة في مشروع الجاب، حيث إن هناك العديد من الشركات الإسرائيلية تقوم بأعمال فنية واستشارية تجعل من الصعب استبعاد الهدف التآمري خاصة أنه وبعد القيام حاليًّا بتنفيذ سد بيرجيك وسد خان جاغيز فإنه سيمكن تحويل المياه من الفرات إلى نهر جيحون وإنه خلال العام الحالي 1994 سيكون قد تم حفر القنوات مما سيعطي فرصة ثمينة لتركيا للتحكم في مياه الفرات حيث إنها حاليًّا لا تتمكن لأكثر من شهرين من قطع المياه عن سوريا، إلا أنه وبعد حفر تلك القنوات يمكن أن تقطع المياه لأكثر من سنة، وبالتالي فإن تلك القنوات تعتبر نصلًا حادًّا في يد أنقرة لقطع الشرايين والأوردة السورية والعراقية ويمكن استخدامه لتدجين سوريا والعراق في الوقت المناسب، وهو الأمر الذي يزيد الموقف توترًا ويجعل احتمالات تحقق السيناريو الأمريكي قائمًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل