; مياه السلام.. وقود الحرب القادمة | مجلة المجتمع

العنوان مياه السلام.. وقود الحرب القادمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1994

مشاهدات 57

نشر في العدد 1103

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 14-يونيو-1994

عندما كانت الصهيونية مجرد فكرة يحملها بعض الشعب اليهودي كان لابد من وطن، وكان هناك ثلاثة أوطان مقترحة، ووقع الاختيار على فلسطين، ولما بدأت الهجرة كان لابد من دولة، والدولة يلزمها قوة، فكان في البدء الاعتماد على الإمبراطورية النمساوية والمجرية، ثم الإمبراطورية الإنجليزية حتى قامت الدولة، والدولة يلزمها استمرار، فانتقل الاعتماد إلى الإمبراطورية الأمريكية الكوزمو بوليتانية، ولما ترسخت الدولة وأصبحت أقوى وأطول يد في الشرق الأوسط؛ انتعشت لأحلام الإمبراطورية، لذلك نشطت الحاجة إلى الماء والمهاجرين.

إن هذه التجربة المعملية التاريخية احتاجت قرنًا كاملًا حتى تقف على أعتاب الإمبراطورية خلف شعار ديماجوجي «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» - وأرض لا تعني فقط هذه المساحة اليابسة التي يقيمون عليها الطرق والمنشآت، ولكنها أيضًا الموارد، حتى لو كانت موارد الجيران، كما أن الشعب ليس محض مفهوم ديماجوجي، ولكنه مفهوم سياسي وتاريخي أيضًا، وإن كان ذلك كذلك فإن الشعب بالضرورة منتج لإرادة دعوية واعية.

قد يبدو الأمر وكأننا نلخص نتائج هذه التجربة المعملية التاريخية، وهذا لا يزال سابقًا لأوانه بعض الشيء؛ لأن الخطوة الأخيرة في هذا التجريب التاريخي لم تنته بعد، على الرغم من محافظة إسرائيل على ظروف الضغط ودرجة الحرارة اللازمين لإنجاح التجربة، وعلى الرغم من استجابة الوسط العربي لكل المتغيرات المحفزة لاستمرار التفاعل؛ حيث يزداد هشاشة يومًا بعد يوم آخر، إلا أن الأمل يحدونا في أن تفتح نافذة في معمل الشرق الأوسط المحكم بالإغلاق فتغير من ظروف التجربة، أو تتفجر أنية صبورة أو متبلدة تحت تأثير الضغط والحرارة، فتشعل حريقًا، أو تلوح به فتوقف المشروع بأكمله.

الماء في هذه التجربة التاريخية، لا يطفئ نارًا، ولا يلطف من حرارة الأشياء، إنه ضرورة استمرار المشروع الصهيوني، أو بمعنى أصح وقوده الدافع؛ حيث اعتمدت إسرائيل منذ البدء على (۱,۳۰) مليار متر مكعب من المياه كانت تحصل عليها من نهر الأردن.

وكانت حرب ١٩٦٧ بسبب معارضة إسرائيل للمشاريع الأردنية على النهر، ورفع إسرائيل من معدلات استغلالها لمياه الأردن؛ وكانت نتيجة الحرب استفادة إسرائيل بكميات إضافية من المياه تقدر بـ (۷۷۰) مليار متر مكعب من مياه الأردن ومن المياه الجوفية بالضفة الغربية، فأصبح إجمالي الموارد المائية العذبة (١٫٨) مليار متر مكعب، سرقات المياه من نهر الليطاني لم تتوقف، ومن الأنابيب لسحب كميات أكبر من مياه الضفة الغربية، زادت من موارد إسرائيل من مياه الضفة إلى (٠.٥) مليار متر مكعب، وكما حددت تجوسي ستار في كتابتها "سياسات الندرة" فإن إسرائيل سوف تعاني من عجز في مواردها المائية يبلغ (٢٠%) من قيمة المتوفر حاليًا، وذلك في ظل إجراء تخفيضات شديدة على احتياجات الزراعة من المياه بدون خطط الهجرة الطموحة الحالية، هذا الطموح يظهر تمامًا من طاقة التخزين لشبكة المياه الإسرائيلية القائمة على العامل القومي للمياه  National water Carrier حيث تبلغ طاقة التخزين القصوى (٤.٥) مليار متر مكعب، المتوافر منها حاليًا (۲٫۱) مليار متر مكعب، أما المشاريع الإسرائيلية للحصول على مياه الجيران فهي تتلخص في (٠.٨) مليار متر مكعب من مياه النيل، (۰٫۸) مليار من نهر الليطاني، (٠.٥) مليار من نهر اليرموك، وبذلك تضمن توافر (٤,٢) مليار متر مكعب من المياه.

ربما كان هذا التصور لا  يعكس كل الأحلام التوسعية لإسرائيل، فضلًا عن أنه ليس من الميسور تحقيقه؛ لأن لسوريا مشروعات في شمال اليرموك سوف تؤدي إلى انخفاض التدفقات في جنوب النهر، إلا إذا أجبرت سوريا على التوقف عن هذه المشروعات في مفاوضات السلام، ومن ناحية أخرى يستحيل على المفاوض المصري أن يقدم مياهًا لإسرائيل على مائدة المفاوضات؛ لأن هناك عشرات الأسباب التي لا بد وأن تقيد يد هذا المفاوض، أهمها أن مصر هي آخر بلد على المصب، ولا تملك التفريط في حقوق بلاد المنبع، فضلًا عن أن مصر دخلت بالفعل حزام الفقر المائي؛ أي أن نصيب الفرد من المياه في العام أصبح أقل من (۱۰۰۰) متر مكعب.

وحتى لو نجحت إسرائيل في الحصول على هذه المياه حتى عام ۲۰۰۰ فإن الموارد المائية الإسرائيلية لن تكفي إلا لمكون سكاني حجمه (٦) ملايين نسمة، وهو أقل كثيرًا عن حد الأمان الديموجرافي لإسرائيل وسط الجيران العرب؛ حيث إن الإسرائيليين يقدرون حد الأمان الديموجرافي بعشرة ملايين نسمة، إذن لا بد من زيادة هذه الموارد بمقدار (٦٠%) على الأقل.

إن هذا التحدي الجديد يحله مشروع أنابيب السلام التركي؛ حيث أعلنت تركيا أن لديها فائضًا يقدر بـ (١٦,١) مليون متر مكعب في اليوم (أي ٥,٨٧ مليار في العام) يتدفق للبحر المتوسط بعد أن تستخدم كل المياه اللازمة لتوسعاتها الزراعية المخططة على مياه نهري سيحون وجيحون، وطرحت الحكومة-التركية عام ۱۹۸۷ مشروعي أنابيب السلام:

أولهما: أنبوب الخليج يتجه إلى الكويت وشرق المملكة السعودية، ويصل حتى مسقط حاملًا (٢,٥) مليون متر مكعب في اليوم؛ أي (٠,٩١) مليار في العام.

 ثانيهما: هو الأنبوب الغربي، وهذا يحمل المياه إلى بعض مناطق من شرق تركيا وسوريا والأردن ووسط وغرب المملكة السعودية، ويوفر تدفقات يومية تقدر بـ (٣,٥) مليون متر مكعب من فائض مياه نهري سيحون وجيحون.

 لم تظهر إسرائيل في مخطط الأنبوب الغربي في كتاب جوسي ستار، ولكنها ظهرت في مفاوضات المياه مع تركيا وسوريا والأردن وكل بلدان الخليج ومصر؛ حيث يلقي الضوء على شبكة المصالح المتوقعة في المنطقة عندما ترتبط بلدان الخليج بإسرائيل بحبل سري، قادم من تركيا التي بدأت تحلم من جديد بمصالحها التاريخية في المنطقة، خاصة أن مشروع أنابيب السلام التركي لا يتضمن ضخ المياه فقط، ولكن يتضمن أيضًا استثمارًا ضخمًا يقدر بمبلغ (٤٢) مليار دولار تدفعها بالكامل البلدان المستفيدة من المشروع، وتعتبر مدفوعات مقدمة لما سوف تحصل عليه من مياه، وفي ظل الخبرة الإسرائيلية في بناء شبكة أنابيب حامل المياه القومي (العمود الفقري لشبكة المياه الإسرائيلية) فإن من السهولة إذن التنبؤ بالتوزيع النسبي للأدوار في مقاولات التنفيذ بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، وأي شركاء غربيين محتملين.

تركيا تبحث عن دور مؤثر في المنطقة عن طريق فائض المياه الضخم الذي تملكه

من ناحية أخرى تصبح أنابيب السلام التركي حزامًا مؤكدًا من المصالح، تضم كل بلاد الشرق العربي عدا العراق واليمن في منظومة مصالح واحدة مع إسرائيل وتركيا، وهذا الترتيب يشكل ضمانة أكثر قوة من أية حلول أو مواثيق لتحقيق الاندماج الإسرائيلي في كيان الجيران العرب، ونعتقد أن هذا واحد من دروس فشل التطبيع مع مصر، ومثل هذه المنظومة تخلق بذاتها وسطًا مثاليًا لخدمة أحلام ومطامع التوسع الصهيوني الذي يريد السيطرة على الثروة النفطية التي ستدعم -ولا شك- مشاريع النمو في إسرائيل، كما أن الاحتياج الدائم لبلدان النفط إلى الخبرات الفنية سوف يخلق عمقًا إستراتيجيًا جيدًا لعملية استيعاب المهاجرين اليهود الجدد، واستقرار المهاجر في ظل شعارات الدولة العبرية العنصرية التي تحقق نجاحًا يحفز الروح العسكرية العنصرية، ويفتح الشهية إلى المزيد من تحقيق الحلم، من يقف إذن أمام إسرائيل وقد حصلت على الماء والمهاجرين والأموال وحلفاء أو أصدقاء من نفس المنطقة؟ هل تتردد عن إعادة احتلال سيناء؟ إن عناصر القوة في ظل هذا التصور ستكون متوافرة والأيديولوجية الصهيونية جاهزة للتحريض والتبرير.

د. محمد نعمان نوفل

باحث بمركز الدراسات الحضارية-القاهرة

الرابط المختصر :